نبض العراق

عدا أموال النفط... لا واردات تموّل ميزانيّات المحافظات في العراق

p
بقلم
بإختصار
انخفاض أسعار النفط جعل محافظات العراق بميزانيات مالية خاوية، ولاسيما بغياب المشاريع الصناعية والزراعية. المونيتور تحققت من هذا الأمر ميدانيا.

بابل، العراق - ظلّ المهندس الميكانيكيّ فائز السلطاني منذ شباط 2015 ولحد الآن من دون راتب، بعدما تعذّر على معمل نسيج الحلّة الحكوميّ، تسديد مستحقّاته بسبب العجز الماليّ.

ويشير السلطاني بأصبعه، وهو يتحدّث إلى "المونيتور" إلى العشرات من متاجر النسيج والأقمشة في سوق الحلّة (100 كلم جنوب بغداد)، قائلاً إنّ "إنتاج معمل نسيج الحلّة، كان يغرق السوق بأجود أنواع الأقمشة في ثمانينيّات القرن الماضي وتسعينيّاته، وكان يحقّق أرباحاً للميزانيّة العراقيّة".

ويؤكّد قائلاً: "اليوم، اضطرّ المعمل إلى تسريح العاملين فيه من مهندسين وعمّال بصورة موقّتة، بعدما تعذّر تحديث ماكيناته، وسدّ كلفة الإنتاج والعمل، متحوّلاً إلى مستهلك أكثر منه إلى منتج".

بسبب هذا التسريح، تظاهر موظّفو المعمل في 19 كانون الثاني/يناير، مطالبين بصرف مستحقّاتهم والاهتمام بالكوادر التي قضت سنوات طويلة في الخدمة ومنحها مستحقاتها.

وقد التقى "المونيتور" العامل في قسم طباعة وتلوين الاقمشة سعد الخفاجي، الذي أظهر له صوراً يعود تاريخها إلى منتصف تسعينيّات القرن الماضي، تظهره واقفاً خلف إحدى ماكينات النسيج، مشيراً إلى أنّه "أمضى عشرين سنة في الخدمة، واليوم يرمى على قارعة الطريق".

ويؤكّد تقرير نشره موقع "الحزب الشيوعيّ العمّاليّ" في 16 شباط/فبراير الماضي، أنّ أكثر من 24000 عامل وموظّف في بابل لم يتسلّموا مرتّباتهم منذ شهر سبتمبر/أيلول 2014 ولغاية فبراير/شباط 2015.

وبسبب البطالة لعجز وزارة الصناعة عن دفع المستحقّات الماليّة في المشاريع المموّلة ذاتيّاً، اندلعت تظاهرات في أكثر من مدينة عراقيّة للمطالبة بحقوق العمّال. ففي الديوانيّة، تجدّدت تظاهرات موظّفي معمل نسيج الديوانيّة في 26 نيسان/أبريل الماضي، مطالبين بصرف رواتبهم.

وتظاهر موظّفو "التصنيع العسكريّ" التي تنتشر في مدن جنوب بغداد مثل اللطيفية والإسكندرية والحصوة ، وهي هيئة تمّ حلّها بعد سقوط نظام صدّام حسين في عام 2003، وكانت تصنّع الأسلحة والعتاد الحربيّ والآلات للجيش العراقيّ السابق.

وفي الأوّل من شباط/فبراير الماضي، تظاهر العمّال في كربلاء احتجاجاًعلى عدم صرف رواتبهم المتأخّرة من قبل وزارة الصناعة اذ ظلوا تابعين لها إداريا على رغم تغير مكان عملهم، بعدما تمّ توزيعهم على المشاريع الصناعيّة الحكوميّة عند حلّ الهيئة.

إزاء ذلك، أكّد المهندس الأقدم في شركة "الفاو الهندسيّة العامّة" التابعة إلى وزارة الإعمار والإسكان، قحطان خيال السلطاني، لـ"المونيتور" أنّ "الكثير من المعامل المموّلة ذاتيّاً في العراق باتت مشاريع خاسرة، فهي لم تعد منتجة، ولا تستطيع تسديد حتّى رواتب موظّفيها وعمّالها".

ويرجع خيال أسباب ذلك إلى "قدم الماكينات والأجهزة وعدم تحديثها، ممّا أدّى إلى انهيار إنتاج الكثير من المعامل".

يشير كذلك إلى وجود أسباب سياسيّة وراء تعطيل الإنتاج الصناعيّ في العراق، أبرزها أنّ "بعض السياسيّين النافذين لديهم شركات استيراد، ولا يخدمهم دعم القطاع الصناعيّ في العراق، كما أنّ دول الجوار مثل ايران وتركيا والاردن تسعى إلى إبقاء العراق متخلّفاً لكي يبقى سوقاً لسلعها".

وقد نشرت وكالة "السومريّة نيوز" للأنباء تقريراً في 2 تمّوز/يوليو 2013، جاء فيه أنّ من أسباب انهيار المعامل في العراق، بعد عام 2003، عمليّات السلب والنهب من قبل عصابات السرقة وتجارة الخردة وسكان المناطق القريبة من المعامل التي تعرّضت إليها المصانع والمعامل.

ويرى نائب رئيس اتّحاد الصناعات العراقيّة مؤيّد جمال الدين، أنّ الإنتاج الصناعيّ في العراق يتلاشى. وقال لـ"المونيتور": "تدهور الإنتاج الصناعيّ بعد عام 2003، ولم يعد داعماً للناتج الوطنيّ إلّا بنسبة 1.3 في المئة حتّى عام 2014".

استطلع "المونيتور" المعامل الصناعيّة الأهليّة الواقعة في الأطراف الخارجيّة لمدينة الحلّة. وهناك استمعنا إلى حقائق أخرى عن الإنتاج الصناعيّ. فيشير الصناعيّ سعدي الخفاجي، صاحب معمل إنتاج العباءات النسائيّة، والحجاب الإسلاميّ، إلى أنّ "الكثير من المعامل عجزت عن الإنتاج بسبب غياب الحماية الحكوميّة للإنتاج المحليّ، ممّا أدّى إلى إشباع السوق بالسلع المستوردة من الخارج".

وتابع: "السلع الصينيّة والتركيّة أرخص بكثير من السلع المحليّة. والنتيجة هي كساد البضاعة المحليّة".

وعدا ذلك، يذكّرنا الخفاجي بمعاناته كصناعيّ، ويقول: "انقطاع التيّار الكهربائيّ وشحّ الوقود، هما عاملان ما زالا يشكّلان سبباً في تعطّل الإنتاج".

فوجئ التاجر غسّان الجزائري من بابل بأنّ مشروعه الصناعيّ الذي خطّط له جيّداً لم ينجح تجاريّاً بسبب طبيعة السوق العراقيّ. ويقول لـ"المونيتور": "أسّست مشروعاً كنت أتوقع له النجاح، وهو معمل لتعليب التمور بطريقة حديثة، فإذا بي أتفاجئ بأنّ التمور المستورة من الأردن ودول الخليج وإيران تملأ الأسواق وبأسعار أقلّ، على الرغم من أنّ العراق هو المصدر الأوّل للتمور في العالم"!

تقول عضو مجلس محافظة بابل سهيلة عبّاس لـ"المونيتور" إنّ "كلّ محافظات العراق تنتظر واردات النفط لتسديد نفقاتها، إذ لا يوجد تمويل ذاتيّ من الإنتاج الصناعيّ والزراعيّ، إلّا بمقدار ضئيل". ما تقوله سهيلة يؤكّده تقرير صادر عن محافظة واسط في 10 أيّار/مايو يفيد بأنّ المحافظة أعلنت "عدم تمكّنها من دفع رواتب موظّفيها".

ويتكرّر هذا الحدث في محافظة الديوانيّة جنوب العراق. فقد أعلنت في 9 أيار/مايو إفلاسها هي الأخرى لعدم توافر المبالغ الماليّة من موازنة عام 2015.

وقادنا المهندس فاضل فليح بسيّارته في جولة إلى معمل السكّر في بابل الذي افتتح في 9 شباط/فبراير الماضي، معتبراً أنّ "افتتاح هذا المعمل حدث مهمّ في ظلّ غياب المشاريع الاستراتيجيّة الصناعيّة في العراق بسبب انشغال الدولة في الحروب المتعاقبة التي شهدها العراق من ثمانينات القرن الماضي".

ويرى فليح أنّ "فقر الإنتاج الصناعيّ في العراق هو تحصيل حاصل لمعامل انتهى عمرها الافتراضيّ، ولم يتمّ تحديثها".

ويضيف: "تعاني معامل العراق، على الرغم من انهيار إنتاجها تماماً في الأصل، من فائض في العاملين. فمعمل نسيج الحلّة يمكن تشغيله بنحو 500 عامل، لكنّه يضمّ اليوم أكثر من ثلاثة آلاف عامل بسبب سوء التخطيط والروتين الإداريّ".

ويرى فليح أنّ "مفتاح الحلّ لتمويل ميزانيّات المحافظات هو في النهوض بالقطاع الصناعيّ بعد توفير الاستقرار الأمنيّ الذي سيخلق مناخاً مناسباً للاستثمار، ومن ثمّ تحديث المعامل القديمة، فيزيد ذلك من الإنتاج الذي سيقضي على البطالة، ويسدّ حاجة السوق من السلع، ويتيح تصديرها إلى الخارج".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : manufacture, labor activism, iraqi markets, industry, economy

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept