أدب السجون... جانب آخر من الحياة

قطاع غزّة - استطاع الكاتب شعبان حسّونة خلال اثنين وعشرين عاماً قضاها في سجن بئر السبع أن يكتب خمس روايات ويخرجها عبر "كبسولات"، لتطبعها عائلته، وقد اشتهرت إحدى هذه الروايات على المستوى المحليّ، وعنوانها: "ظلّ الغيمة السوداء". وإنّ "الكبسولة" هي عبارة عن ورق شفّاف رقيق، يكتب عليه الأسير الشعر أو الرواية، ويطويه ليصبح في حجم حبّة الدواء، ثم ّيعطيه سرّاً إلى أفراد عائلته خلال موعد...

al-monitor .

المواضيع

prisons, prisoners, palestine, literature, art

أبر 12, 2015

قطاع غزّة - استطاع الكاتب شعبان حسّونة خلال اثنين وعشرين عاماً قضاها في سجن بئر السبع أن يكتب خمس روايات ويخرجها عبر "كبسولات"، لتطبعها عائلته، وقد اشتهرت إحدى هذه الروايات على المستوى المحليّ، وعنوانها: "ظلّ الغيمة السوداء".

وإنّ "الكبسولة" هي عبارة عن ورق شفّاف رقيق، يكتب عليه الأسير الشعر أو الرواية، ويطويه ليصبح في حجم حبّة الدواء، ثم ّيعطيه سرّاً إلى أفراد عائلته خلال موعد الزيارة، فيبلع أحدهم الكبسولة كي لا تجدها إدارة السجن أثناء التّفتيش. ثمّ تخرج هذه الكبسولة خلال عمليّة الإخراج، ويعيدون كتابتها وتجميعها.

ولفت حسّونة إلى أنّه أحياناً كان يضع دفاتره في صناديق الطعام، فلكلّ رواية قصّة مغامرة عن كيفيّة تأمين إخراجها من السجن، مشيراً لـ"المونيتور" إلى أنّه بدأ الكتابة في سنّ مبكرة، لكنّه لم يحترف، إلاّ بعد اعتقاله، إذ كان في العشرين من عمره، وقال لـ"المونيتور": "في الاعتقال هناك نشاطات أدبيّة عدّة واظبت على حضورها، فأحببت اللّغة العربيّة والأدب، وبدأت بصياغة البيانات الوطنيّة".

ولفت إلى أنّ عائلته طبعت كلّ رواياته على نفقتها الخاصّة، في مطبعة عاديّة في غزّة، هي مطبعة "اليازجي"، ولم يستعدّ أحد لنشرها ورعايتها من الجهات الرسميّة.

ولم يعد حسّونة يجد الوقت ذاته، الّذي كان لديه في المعتقل، إذ أنّه انشغل في أعمال مؤسّسته "دوحة الإبداع" لإخراج الأعمال الفنيّة والمسرحيّة المستوحاة من حياة لأسرى في سجون الاحتلال.

ويبدو أنّ بطء الوقت خلال الأعوام الطويلة يترك للأسرى مساحات كبيرة للكتابة والأعمال اليدويّة، فهناك مقرّ دائم لبعض هذه الأعمال في وزارة الأسرى بمدينة غزّة، لكنّ الغبار يكسوها، والغرفة غالباً ما تكون مظلمة، فتجد صعوبة في تمييز مخطوطات كتابات الأسرى غير المنشورة. ومن هذه المخطوطات دفتر يعود إلى إحدى الأسيرات من سجن عسقلان، طرّزت غلافه بالغرزة الفلسطينيّة، وقالت فيه: "يا رب ضاقت عليّ الحياة بما رحّبت، وضاق صدري واستوحشت هذه الدنيا، فخذني إليك واقبلني في رحابك".

وربّما تكون الأسيرة، الّتي لم تشر إلى اسمها، كتبت خاطرتها في لحظة يأس، لكنّ هناك كتباً أخرى عن الأمل كرواية الأسير المحرّر رأفت حمدونة "لن يموت الحلم"، وهي تتناول مواضيع عن الحب والحريّة والمقاومة، وطبعها الكاتب على نفقته الخاصّة.

وفي هذا الإطار، أشار مدير الإعلام في الوزارة إسلام عبدو إلى أنّ إمكانيّات وزارة الأسرى الماديّة المحدودة تحول دون طباعة مئات المخطوطات، الّتي تحتفظ بها الوزارة أو عائلات الأسرى، وقال لـ"المونيتور" خلال لقاء في الوزارة: "إنّ العديد من هذه المخطوطات تلفت واندثرت بسبب عدم الاهتمام بها، فكلّها مهمّة لأنّها تعرض تجربة الأسرى في سجون الاحتلال في شكل أدبيّ وإنسانيّ".

وأكّد عبدو أنّ هناك محاولات عدّة من المؤسّسات المهتمّة بالأسرى لطباعة هذه الموادّ أو تقوم بعض الفصائل والأحزاب بطباعتها.

ومن جهته، أشار لـ"المونيتور" الخبير في أدب المعتقلات الدّكتور فايز أبو شمالة، وهو أسير محرّر، إلى أنّ الوضع في قطاع غزّة المأسويّ يقلّل الاهتمام بالأدب عموماً، وليس فقط بأدب السجون، وقال: "ما يميّز أدب السجون الّذي يكتب داخل المعتقل أنّه واقعيّ ومباشر، ويتحدّث بمصداقيّة وسط الحرمان، ويكتب الأسير عن مشاعره وعن أحداث في ذاكرته بشكل أصدق من كاتب ينعم بالحريّة".

ورأى أنّ هذا النوع من الأدب بدأ يصبح نادراً، لافتاً إلى أنّ السجون تشبه الكائن الحيّ فهي تتغيّر مع الوقت، فهناك فترات تكون مليئة بالمبدعين، وأخرى تخلو فيها من أصحاب المواهب والإنجازات اللاّمعة.

وتذكّر حين كان في المعتقل لمدّة عشرة أعوام أشرف خلالها على مجال التّثقيف، لافتاً إلى أنّهم كانوا يلخّصون الكتب والروايات، ويوزّعون نشرة أسبوعيّة على أقسام السجن بنسخ عدّة عبر إعادة كتابة هذه النشرة.

هناك رواية أخرى انتشرت على المستوى المحليّ وأثارت ضجّة، وهي رواية "الشاطر حسن... تجربة لها ثمن". وتتحدّث هذه الرواية عن مقاوم اعتقله الاحتلال الإسرائيليّ ووضعه في الاعتقال الإداريّ، لكنّه رفض أن يعترف ونجح في صدّ كلّ أساليب التّحقيق، على أمل ألاّ يتم توجيه تهم إليه فلا يحاكم، إلاّ أنّ جهاز الأمن العام الإسرائيليّ "الشاباك" قام بتمثيل محاكمة وهميّة، فأدخل حسن السجن بعد محاكمته، اعتقاداً منه بأنّه انتهى من فترة الاعتقال الإداريّ، فبدأ بالتحدّث عن أسراره إلى زملائه المعتقلين من رجال المقاومة، ليتبيّن في النّهاية أنهم "عصافير" - وهي الكلمة الّتي تعني عملاء لجهاز الشاباك الإسرائيليّ - فينقلون كلّ اعترافته ويحاكم في النهاية سنين طويلة.

هذه الرواية المكثّفة كتبها الأسير المحرّر بلال أبو دقّة خلال الخمسة أعوام الأولى من وجوده في سجن نفحة، واستطاع أن يرسلها مقطعاً مقطعاً إلى زوجته "مؤمنة الرقب" في الرسائل الّتي تسمح بها إدارة السجون مرّة كلّ شهر عبر البريد العاديّ. وبالفعل، طبعتها زوجته، ونشرها أحد مراكز الدراسات ليبيع ويوزّع منها أكثر من 20 ألف نسخة.

وقال بلال، الّذي اعتقل لمدّة تسعة أعوام، لـ"المونيتور": "طوال وجودي في السجن، كنت أكتب الشعر، ولكنّي وجدت وجوب انتباه بقيّة رجال المقاومة خارج السجن إلى أساليب جهاز الشاباك في التّحقيق، كي لا يقعوا في المصيدة ذاتها في حال اعتقالهم. لذلك، كتبت هذه الراوية، ووجدت أنّ أفضل طريقة لنقل التّجربة هي الحكاية".

ولفت إلى أنّ الكثيرين ينظرون إلى الأسير بعين الضعف والاتّهام حين يعترف، لكنّهم لا يعرفون الحدّ الّذي يصل إليه الشاباك في التّمثيل والخداع، مشيراً إلى أنّه يفكّر الآن بكتابة الجزء الثاني من هذه الرواية.

هناك مخطوطات مكدّسة في الغبار والعتمة وأسرى داخل السجون يأكلهم الوقت ووزارة ليس في مقدورها أن تدفع رواتب موظّفيها، فكيف لها أن تهتمّ بالأدب، لكن كلّ هذا يغفره بيت شعر واحد يمكن أن يخرج من المعتقل إلى الحياة ليعلّم الناس الأمل.

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020