نبض فلسطين

الخُلع" في غزّة... "رضائيّ" في المحاكم و"قضائيّ" على الورق!

p
بقلم
بإختصار
مدينة غزّة - لم يكن أمام سميرة جميل، وهو اسم مستعار، إلاّ أن تقدم على خطوة خلع زوجها قبل ثلاثة أعوام في مدينة غزّة، بعدما وصلت حياتها معه إلى طريق مسدود بعد زواج دام أعواماً عدّة لم تعرف فيها طعماً للرّاحة والاستقرار. ولقد شكّلت الأسباب الماديّة مدخلاً لاتّخاذ سميرة، 52 عاماً، قرارها بخلع زوجها، إذ أشارت لـ"المونيتور" إلى أنّ بخله هو أحد أهمّ الأسباب الّتي أدّت بها إلى خلعه، وقالت:...

مدينة غزّة - لم يكن أمام سميرة جميل، وهو اسم مستعار، إلاّ أن تقدم على خطوة خلع زوجها قبل ثلاثة أعوام في مدينة غزّة، بعدما وصلت حياتها معه إلى طريق مسدود بعد زواج دام أعواماً عدّة لم تعرف فيها طعماً للرّاحة والاستقرار. ولقد شكّلت الأسباب الماديّة مدخلاً لاتّخاذ سميرة، 52 عاماً، قرارها بخلع زوجها، إذ أشارت لـ"المونيتور" إلى أنّ بخله هو أحد أهمّ الأسباب الّتي أدّت بها إلى خلعه، وقالت: "البخل سبب رئيسيّ لاتّجاهي إلى خلع زوجي، غير أنّ الأسباب لا تنتهي عنده، إنّما هناك أسباب أخرى مثل الهجران وعدم توفير متطلّبات الحياة الزوجيّة، إضافة إلى استغلالي ماديّاً".

وبيّنت سميرة، وهي لبنانيّة الأصل، أنّه منذ رفع القضيّة حتّى التّفريق بينهما، استغرق الأمر مدّة شهر ونصف شهر، وتنازلت عن كلّ حقوقها الماديّة، وقالت: "رغم أنّي ضعيفة، إلاّ أنّ القهر يؤدّي إلى تقوية الشخصيّة، فرفعت قضيّة لخلعه في المحاكم، وكي تنتهي القضيّة تنازلت عن المؤخّر وأثاث البيت. ولأنّني أردت الطلاق، كنت مستعدّة للتّنازل عن كلّ شيء، في مقابل الطلاق".

إنّ القضاء الشرعيّ في قطاع غزّة يسعى إلى إحداث توازن في قضيّة الحقّ بالطلاق، ويغيّر المفاهيم المتعارف عليها في ما يتعلّق بأمر أحقّية الزوج بالانفصال عن زوجته. وفي هذا الإطار، أشار رئيس المجلس الأعلى في القضاء الشرعيّ الشيخ حسن الجوجو إلى أنّ الدّين الإسلاميّ يؤمن بأنّ الحياة مشتركة بين الزوجين، فيما أنّه لا بدّ أن يكون لكليهما كلمة في الحياة الزوجيّة، لأنّ الزواج في الأساس تمّ برضى الطرفين، وقال لـ"المونيتور": "في تقديري، عند انتهاء عقد الزواج يجب أن يكون أيضاً برضى الطرفين. وبالتّالي، صحيح أنّ الشريعة الإسلاميّة أعطت الرّجل الحقّ في الطلاق يوقّعه أينما ووقتما وكيفما يشاء، لكن يوجد قيود على هذا الحقّ، وتوجد إجراءات تجعل المرأة لها الحقّ أيضاً، مثل الرّجل في بعض الأحيان، في الطلاق. إنّ الرّجل لا يطلّق تعسّفاً من دون أيّ سبب، ونطمح إلى أن يكون هناك قانون يعوّض المرأة عن الطلاق التعسفيّ".

وبيّن الجوجو أنّه يعمل في محاكم قطاع غزّة بـ"التّفريق بحكم القاضي" للضرر الّذي يتنوّع ما بين عدم الإنفاق والسجن والهجران والعيوب الجنسيّة وغيرها، مشيراً إلى أنّ هناك نوعاً آخر لإنهاء الحياة الزوجيّة، وهو ما يُعرف بالخُلع.

وقال: "الخُلع الذي يوجد في المحاكم الشرعيّة معروف باسم الخُلع الرضائيّ وليس القضائيّ، إذ أنّ النّوع الأخير يلزم تعديل قانون من المجلس التشريعيّ. ولقد اجتهدنا أن يكون الخُلع قضائيّاً، ووضعنا مسودّة للقانون المعدّل بنكهة فلسطينيّة تحاكي الواقع وتنسجم مع العادات والتّقاليد، إلاّ أنّ تعطيل المجلس التشريعيّ حال دون إقراره، وهو مكوّن من ثلاث موادّ".

أضاف: "أمّا الخُلع الرضائيّ فيكون عبر افتداء الزوجة نفسها من خلال التّنازل عن حقوقها أو بعضها، مقابل تطليق زوجها لها بالإتّفاق في ما بينهما، والقاضي ينفّذ الإتّفاق الّذي تمّ، وهذا النّوع موجود منذ إنشاء المحاكم الشرعيّة ووفق قانون الأحوال الشخصيّة العثمانيّ الموجود منذ أيّام الحكم العثمانيّ لفلسطين".

ولفت الجوجو إلى أنّ سجلات المحاكم الشرعيّة في قطاع غزّة والمكلّفة بمتابعة قضايا الزواج والطلاق وثّقت مئات الحالات سنويّاً من النّساء اللواتي ينتزعن حقهنّ بالانفصال عن أزواجهنّ عن طريق الخُلع الرضائيّ من خلال افتداء أنفسهنّ بالمال، غير أنّه يوجد الكثير منهنّ ممّن بقين "معلّقات" لسنوات طويلة ينتظرن سنّ قانون يعتقهنّ من أزواجهنّ، ويوجد من مضى على تعليقهنّ أكثر من عشرين عاماً. ورغم أن هذا النوع من الطلاق يعتمد على الاتفاق بين الزوجين بسبب عدم رغبة الزوجة بالاستمرار بالحياة الزوجية، غير أن العامل المادي يبقى عائقا امام الكثير منهن لاعتماد هذا النوع على افتداء الزوجة لنفسها بالمال، لذا تبقى الفرصة متاحة فقط للنساء المقتدرات مادياً.

وأكّد أنّ قانون الخلع أيضاً في حال سنّه يبقى مقتصراً فقط على بعض النساء ذوات الدّخل المرتفع، قائلاً: "لا يسعف هذا القانون بعض النساء، لأنّ الخُلع يكون من خلاله بعِوض ماليّ، والبعض لا يمتلكن المال، فالقانون قد يحلّ بعض المشاكل، وليس كلّها".

ورغم حاجة المئات من النّساء إلى تطبيق قانون الخلع، الّذي يخلصهنّ من الظلم الواقع عليهنّ داخل البيوت الزوجيّة، إلاّ أنّ ثقافة المجتمع من جهة، والمحافظة على أسرهن من جهة أخرى، تبقيان حاجزاً أمامهنّ في ما لو أردن تطبيق قانون الخلع الرضائيّ أو القضائيّ في ما بعد.

ومن جهتها، أشارت المحاميّة النظاميّة والشرعيّة إصلاح حسنيّة إلى أنّ هناك الكثير من النّساء اللّواتي يردن التخلّص من حياتهنّ الزوجيّة، غير أنّ غالبيتهنّ يتحمّلن للحفاظ على بيوتهنّ، وقالت لـ"المونيتور": "لكن حينما تصل الأمور إلى مشاكل كبيرة وأبواب مغلقة فإنهنّ يطلبن الطلاق، لكن نسمّيه هنا التّفريق بحكم القاضي الشرعيّ إذا كان الأزواج لا ينفقوا عليهنّ واستنفذن كلّ الطرق القانونيّة، إضافة إلى الغياب الطويل للأزواج عن الزوجات وغيرها من الأسباب".

أضافت: "معظم النّساء تحكمهنّ ظروفهنّ الماديّة والأسريّة، فهناك الكثير منهنّ يضحّين من أجل البقاء مع أبنائهنّ، إضافة إلى أنّ الظروف الماديّة لا تعطيهنّ الفرصة للخلع. لذلك، لا يتوجّهن إليه".

وكذلك، لفتت الكاتبة والنّاشطة النسائيّة ومديرة مؤسّسة المرأة المبدعة في غزّة دنيا الأمل إسماعيل إلى أنّ الخُلع المعمول به في غزّة ساهم بالتّغيير في شكل جزئيّ ولنساء معيّنات ممن يستطعن ردّ ما دفعه الزوج من مهر وهدايا، غير أنّ النّساء الفقيرات لا يستطعن الاستفادة من الخُلع، ويبقين يرزحن في المعاناة، وقالت لـ"المونيتور": "حتّى النّخبة من النّساء في غزّة لديها الكثير من المحاذير الإجتماعيّة، الّتي تحول دون لجوئها إلى الخُلع. وأعتقد أنّه ينطبق عليها ما ينطبق على السيّدات العاديّات، وهو الخوف من عبء تفسير السلوك المقبول دينيّاً بطريقة أخرى، ممّا يمنع النساء من الإقدام على هذه الخطوة".

ورأت إسماعيل أنّه إذا وجدت أرضيّة إجتماعيّة خصبة، وتقبّل المجتمع خطوة الخُلع، فإنّ الكثير من النساء لديهنّ الرّغبة في الانفصال عن الأزواج، وقالت: "لكنّ الخوف من وصمة الطلاق يجعلهنّ يفكّرن ألف مرّة قبل الإقدام على هذه الخطوة. ولكي يكون الخُلع فاعلاً، نحتاج إلى ثقافة اجتماعيّة مستنيرة واستعادة ترويج المفاهيم الصحيحة للدّين الإسلاميّ. وإنّ طلب المرأة للطلاق هو مشروع دينيّ ومفهوم إنسانيّ، ويمكن أن يحدث".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : women's rights, women's issues, sharia, poverty, palestine, marriage, gaza strip, divorce

محمد عثمان هو صحفي من قطاع غزّة. تخرّج في العام 2009 من قسم الإذاعة والتلفزيون في كليّة الإعلام في جامعة الأقصى في غزّة، ونال عددًا من الجوائز في فلسطين والعالم العربي، بما في ذلك جائزة الصحافة العربية في دبي في دورتها العاشرة في العام 2011 محتلاً المركز الأوّل عن فئة الصحافة العربية للشباب، وأيضًا جائزة حرية الصحافة من المركز الإعلامي الحكومي في فلسطين في دورتها الأولى للعام 2011. ونال أيضًا جائزة المركز الثالث في مسابقة التحقيقات الاستقصائيّة في قضايا الفساد التي نظّمها في العام 2013 كلّ من مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت وهيئة مكافحة الفساد.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept