نبض فلسطين

حاجة الغزّيين للاعمار تدفع مهندس غزّي للعودة إلى الطبيعة واختراع مواد بناء جديدة

p
بقلم
بإختصار
مدينة غزة - ينتظر سلامة بِهار، 56 عاما، البدء في اعمار منزله المكون من ثلاث طبقات في حي الشجاعية شرق غزة والذي تركه بعد أن دمّرته إسرائيل تدميرا كاملا. إلا أنه لا يجد أملا للقيام بذلك بالأفق القريب. قال بِهار لـ"المونيتور" إنه ووفق الآلية المتّبعة لبيع مواد البناء فلن يستطع الحصول عمّا يريد منها بما يتناسب واحتياجاته، ناهيك عن غلاء أسعارها، موضحا :"الآلية التي تدخل بها المواد مجحفة...

مدينة غزة - ينتظر سلامة بِهار، 56 عاما، البدء في اعمار منزله المكون من ثلاث طبقات في حي الشجاعية شرق غزة والذي تركه بعد أن دمّرته إسرائيل تدميرا كاملا. إلا أنه لا يجد أملا للقيام بذلك بالأفق القريب.

قال بِهار لـ"المونيتور" إنه ووفق الآلية المتّبعة لبيع مواد البناء فلن يستطع الحصول عمّا يريد منها بما يتناسب واحتياجاته، ناهيك عن غلاء أسعارها، موضحا :"الآلية التي تدخل بها المواد مجحفة جدا، فمثلا وحدة الاسمنت تبلغ قيمتها للمواطنين المتضرّرين 27 شيقل، لكن من أين نأتي بثمنها بعد تدمير بيوتنا؟، بالإضافة إلى ان الوحدة منها للمواطن العادي تتعدّى قيمتها 150 شيقل، مما يرفع سعر عمليات البناء".

ويشكو أصحاب البيوت المدمّرة من بطء عمليات الاعمار وادخال مواد الاعمار.

ألهمت حاجات سكان قطاع غزة الملحّة هذه المبدعين لإيجاد حلول من الأدوات التي تتوفر في متناول أيديهم علّها تصلح بعض الدمار الذي جلبه ثلاثة حروب متعاقبة شنّتها إسرائيل على غزة خلال السنوات الست الأخيرة كان آخرها في شهر يوليو الماضي ودمّرت أكثر من 84 ألف منزل ما بين كلي وجزئي.

وسعى المهندس عماد الخالدي للبحث عن بدائل فيما يتعلّق بتوفير مواد بناء محلية. حيث بدأ منذ العام 2008 بإجراء تجارب على الكثير من المواد الطبيعية لإمكانية استخدامها بدلا عن الاسمنت، حتى نجح في التوصّل إلى تقنيةٍ قديمة-جديدة.

المهندس الخالدي الذي يعمل خبيرا في استخدام التربة بالعمارة البديلة قال لـ"المونيتور" إن بحثه عن البدائل كان في إطار المواد المتوفّرة بين أيدي سكان القطاع، موضحا :"أردنا أن تكون البدائل محلية وتعطينا القدرة على استخدام ما في اليد لإنقاذ أنفسنا وإيواء السكان المهجّرين، خاصة بعدما دُمّر في الحرب الأولى 2008-2009 حوالي خمسة آلاف وحدة سكنية، فقمنا بفحص تربة القطاع بمختلف أنواعها، ووجدنا تربة مناسبة وغنية بالمواد الطبيعية الرابطة مثل كربونات البوتاسيوم والماغنيسيوم واكاسيد المعادن وحصى الكركار (الرمال المتكلّسة نتيجة عوامل الطبيعة) والرمل".

وأشار إلى أن المواد الطبيعية التي توصّل إليها تفعل فعل الاسمنت على المراحل الزمنية المختلفة، بل وإن صلابتها مضاعفة عشرات المرات منه وتستمر لمئات السنين.

وبيّن :"نقوم بعمل خليط متجانس، حيث نعالج الخصائص الفيزيائية للتربة بالضغط، ونضع عليها المواد الطبيعية الرابطة مثل كربونات البوتاسيوم مع طحن الكركار بشكل ناعم وكمية قليلة من مادة الجبس لعمل تماسك مبدئي أثناء صناعة الطوبة، لكن التماسك القوي يبدأ بعد الاستخدام، وتستمر إلى مئات السنين في التصلّب، وتتضاعف قوتها عشرات المرات، وهذا يعني أن الطوبة كلما تقادم بها الزمن تتصلّب أكثر وتتميّز في خصائصها".

وأنشأ الخالدي في العام 2009 مصنعه الخاص لصناعة الطوب المحلي بمقاسات مختلفة، إذ صمم داخل شركته في بداية الأمر ماكينات تعمل وفق النظام اليدوي، ومن ثم صمّم ماكينة أخرى تعمل بنظام الضغط الهيدروليك الآلي، متابعا :"وبعد ذلك تطوّرنا، واستخدمنا أنظمة الضغط الآلي بشكل كامل، ومع دخول بعض المؤسسات المانحة التي كانت تسعى لإيواء المتضّررين من الحروب لطلب الخدمات أصبح مصنعنا يعمل بطاقة إنتاجية تصل إلى خمسين ألف طوبة يوميا في نطاق مصنع متكامل".

وأشار إلى أنه بات يمتلك في الوقت الراهن مصنعا آخرا بعد قيامه بتطوير التقنية والبدء باستخدام ورش تصنيع صغيرة بسبب عدم وفرة الطاقة سواء النفطية أو الكهربائية، قائلا :"طوّرنا التقنية لإمكانية صناعة الطوب دون الحاجة لأي نوع من أنواع الطاقة، وذلك باستخدام نفس المواد مع إدخال بعض التحسينات حتى نستطيع تجاوز أزمة الطاقة".

وعلى الرغم من قوة المادة المصنوع منها الطوب وجمالية العمارة التي تنشأ عنها، فإن الخالدي يرى أنها لا تعتبر بديلا عن المواد التقليدية في البناء، لافتا إلى أن قطاع غزة عانى من حصار طويل راكم أعداد كبيرة من البيوت المدمّرة، ناهيك عن الزيادة السكانية الطبيعية للقطاع التي تجعله يحتاج إلى نحو ثمانين ألف وحدة سكنية خلال الخمس سنوات القادمة.

متابعا :"وبسبب كثرة الدمار الذي حل بغزة، وضعنا هذا الأمر في تحدي جديد وكبير في مسألة الإيواء تحديدا، فنحن بحاجة إلى ما لا يقل عن ثلاثة آلاف شاحنة يوميا محمّلة بمواد الاعمار إلى قطاع غزة في حال توفرت الجدية بالاعمار، لذلك نذهب الآن إلى استخدام هذه التقنية فقط للمساعدة بالإيواء".

ووضع الخالدي هذه التقنية بمتناول الجميع بقطاع غزة. موضحا :"يتراوح سعر المتر المربع والمشطّب تشطيبا كاملا للمشاريع الخاصة ما بين 350 إلى 400 دولار، أما لمشاريع الإيواء فانه يصل تكلفة المتر المربع منها إلى ما بين 150 إلى 160 دولار، أما للمواطنين العاديين الذين ليس لديهم أضرار ويودون بناء بيوتهم فانه يكلفهم 220 دولار وهو ما يوازي سعر الاسمنت ذاته".

رئيس مجلس إدارة شركة مُشتهى وحسّونة للمقاولات والتي تعد إحدى الشركات الكبرى التي تعمل في مجال البناء في غزة صفوت مُشتهى، أشار إلى أن التقنية الجديدة ستكون جيّدة لو اُستخدمت في قطاع غزة خاصة في ظل ارتفاع أسعار مواد البناء.

وعن الفرق الحقيقي الذي قد ينتج عن استخدام المادة الجديدة والبديلة عن الاسمنت، أوضح مُشتهى لـ"المونيتور" أنها ستوفّر على أصحاب البيوت المدمّرة والمؤسسات الدولية ما قيمته 25% من تكلفة البناء باستخدام المواد التقليدية.

مع أن منتج خالدي هو مثال آخر على استكشاف سكان غزة لحلول مبتكرة للمساعدة على مواجهة الحصار الإسرائيلي-المصري المُشل، غير أنه لا بديل عن ضرورة إنهاء الحصار.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : technology, reconstruction, palestine, displacement, business, blockade

محمد عثمان هو صحفي من قطاع غزّة. تخرّج في العام 2009 من قسم الإذاعة والتلفزيون في كليّة الإعلام في جامعة الأقصى في غزّة، ونال عددًا من الجوائز في فلسطين والعالم العربي، بما في ذلك جائزة الصحافة العربية في دبي في دورتها العاشرة في العام 2011 محتلاً المركز الأوّل عن فئة الصحافة العربية للشباب، وأيضًا جائزة حرية الصحافة من المركز الإعلامي الحكومي في فلسطين في دورتها الأولى للعام 2011. ونال أيضًا جائزة المركز الثالث في مسابقة التحقيقات الاستقصائيّة في قضايا الفساد التي نظّمها في العام 2013 كلّ من مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت وهيئة مكافحة الفساد.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept