نبض اسرائيل

على الولايات المتّحدة تشجيع النّاخبين الإسرائيليّين على السّعي لإنهاء النزاع

p
بقلم
بإختصار
في وقت يستعدّ فيه الناخبون الإسرائيليون للانتخابات، يجب ألا يكرّر الرئيس الأميركي باراك أوباما الدّعم غير المشروط الذي أعلنت عنه وزيرة الخارجيّة السّابقة هيلاري كلينتون لإسرائيل: عليه بدلاً من ذلك أن يظهر للناخبين الثمن الذي يترتّب على رفض قادتهم التّفاوض مع الفلسطينيّين.

ألقت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية السّابقة ومرشّحة محتملة للانتخابات الرّئاسيّة الأميركيّة للعام 2016، خطابًا في منتدى سابان في واشنطن يوم 5 كانون الأوّل/ديسمبر، قالت فيه إنّ "الحكومة الأميركيّة ستواصل دعمها لإسرائيل بغضّ النظر عن الفريق الذي يفوز بالانتخابات". وقالت لاحقًا في خطابها إنّ "حلّ الدّولتين يبقى مفهومًا مهمًا وضروريًا". تطرح كلمات كلينتون عدّة تساؤلات: هل على الولايات المتّحدة مواصلة دعم إسرائيل حتّى عندما يكون النّظام في القدس "مملوكًا" من حكومة لا تفوّت أيّ فرصة لتخرّب مفهوم حلّ الدّولتين؟ وهل يمكن اعتبار تقديم المساعدة لحكومة تخرّب مصالح الولايات المتّحدة في الشّرق الأوسط وتعمل وفق وجهة نظر- بالنّسبة إلى الولايات المتّحدة – تؤذي مصالحها الحيويّة الخاصّة، "تصرّفًا ودّيًا" تجاه إسرائيل؟ وهل يمكن متابعة السّياسة الخارجيّة الفعّالة من دون استعمال سياسة "العصا والجزرة"، أي الثواب والعقاب؟

لن نجد الإجابة على هذه الأسئلة في ساحة الصّراع العربي الإسرائيلي، ولا في قناة واشنطن-القدس، فهي تكمن في السّياسات الأميركية الداخليّة. هذه ليست المرّة الأولى التي تضع فيها كلينتون أصوات الأميركيّين اليهود ومواردهم الماليّة نصب عينيها. وعندما نقارن مظاهر التّعاطف التي أبدتها كسّيدة أولى في البيت الأبيض تجاه الفلسطينيّين، مع المقاربة المؤيّدة لإسرائيل التي اعتمدتها كمرشّحة لمقعد مجلس الشّيوخ الأميركي عن ولاية نيويورك (التي تضمّ أكبر تجمّع لليهود في الولايات المتّحدة)، يصعب تصديق أنّنا نتحدّث عن الشّخص عينه. وإذا أردنا ظاهريًا الدّفاع عنها، يمكننا القول إنّها تعمل وفق قواعد اللّعبة الدّيمقراطيّة الأميركيّة.

كان جورج بوش الأب آخر سياسي أميركي تجرأ على الرّبط بين تقديم المساعدة لإسرائيل وموقف الحكومة الإسرائيليّة تجاه المسألة الفلسطينيّة، وقد أُجبِر على الاكتفاء بولاية رئاسيّة واحدة. عانى بوش هزيمة مفاجئة في انتخابات العام 1992 لصالح السياسي الشاب بيل كلينتون من أركانساس، وعزا عدد كبير من المعلّقين الأميركيّين هزيمة بوش إلى واقع أنّه اشترط تقديم المساعدة الاقتصاديّة لإسرائيل – 10 مليارات دولار كضمانة قرض مخصّصة لاستيعاب موجة ضخمة من المهاجرين من الاتّحاد السوفياتي السابق – بتجميد المشروع الاستيطاني. ويمكن القول إنّ هيلاري كلينتون، بعد أن شهدت العواقب الوخيمة التي تعرّض لها منافس زوجها السّياسي آنذاك، حاولت هي نفسها جاهدة تفادي أصغر الأخطاء حتّى. ومع أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواظب على تدمير مفهوم الدّولتين كما يواظب على بناء المستوطنات، لن تتفوّه كلينتون بكلمة سيّئة عنه خشية أن تزعج النّشطاء السياسيّين والمساهمين اليهود، ففي النهاية، أيّ انتقاد علني لحكومة إسرائيليّة وسط حملة انتخابيّة سيُعتبَر على الأرجح تدخّلاً في الشّؤون الإٍسرائيليّة الدّاخليّة.

عندما طلب بوش الأب في العام 1992 أن تقوم إسرائيل بتجميد بناء المستوطنات، قال حزب الليكود إنّ ذلك يُعدّ تدخّلاً في الحملة الانتخابيّة الإسرائيليّة. من جهة أخرى، إنّ تقديم المساعدة الاقتصادية على الرّغم من رفض حكومة اسحاق شامير تجميد البناء الاستيطاني كان ليشكّل على الأقلّ تدخّلاً مساويًا في الحملة الانتخابيّة للأسباب عينها؛ فهو كان سيسمح لليكود بالادّعاء بأنّه قادر على تعميق الاحتلال مع التّظاهر في غضون ذلك بإجراء مفاوضات سلام والحصول على تأييد الولايات المتّحدة في الوقت عينه مقابل سياسة الرفض. ما السّبب الذي قد يدفع بالنّاخبين الإسرائيليّين إلى استبدال مثل هذه الحكومة "الناجحة"؟ بالفعل، إنّ فرض "عقوبات على المساعدة" أقنع عشرات آلاف الناخبين الإسرائيليّين المتأرجحين بأنّ الليكود لم يؤذ فقط العلاقات مع الولايات المتّحدة، بل أذى أيضًا أمنهم الاقتصادي الخاصّ، فأطاح حزب العمل بالليكود من الحكومة، وطوّر العملية الدبلوماسية مع الفلسطينيّين وأعاد إصلاح العلاقات مع الولايات المتّحدة.

أثبت الحافز الأميركي فعاليّته في خلال الأزمة المحيطة باتفاقيّتي فكّ الاشتباك في منتصف سبعينيّات القرن الماضي بعد حرب أكتوبر، ولولا التّهديد بـ"إعادة تقييم" العلاقة الخاصّة مع الولايات المتّحدة، لما كانت الحكومة الإسرائيلية على الأرجح وقّعت على اتفاقيّتي فصل القوّات مع مصر وسوريا.

توصّل بعض مستشاري الرّئيس باراك أوباما إلى استنتاج بأنّ الوقت قد حان لتذكير الإسرائيليّين بمن هو المسؤول، وقد شجّعوا الرئيس على وضع مخطّط تفصيليّ لاتّفاق دائم بين إسرائيل وفلسطين. هم يوصون بأن تشمل العمليّة جدولاً زمنيًا محدّدًا لإنشاء دولة فلسطين على أساس خطوط العام 1967 ومبادرة السلام العربيّة. وبحسب الخطّة، ستُعطى "الجزرة" للفريق الذي يتبنّى المخطّط، وستكون "العصا" هي مصير الجهة العاصية. عندما يتوجّه النّاخب الإسرائيلي إلى صناديق الاقتراع، سيعرف ما إذا كان يصوّت للجزرة أو العصا. بالإضافة إلى ذلك، سيتخيّل بوضوح كلّ من القيادة الفلسطينيّة والشّعب الفلسطيني نهاية الاحتلال، مع المزايا التي تتبع ذلك، مقابل استمرار النّزاع وما يتضمّنه من تبعات.

ساهمت الأزمة في العلاقات بين جورج بوش الأب ورئيس الوزراء الراحل شامير في سقوط الليكود، أمّا الشرخ بين نتنياهو وبيل كلينتون فساعد رئيس الوزراء السّابق إيهود باراك على إعادة حزب العمل الإسرائيلي إلى السّلطة. أوباما من جهته لا يتمتّع إلا بتأثير بسيط على الرأي العام الإسرائيلي، هذا إن كان له أيّ تأثير على الإطلاق، ويراه بعض الإسرائيليّين كرئيس ضعيف يعيش حالة ضياع في ما يتعلّق بالشرق الأوسط؛ وهناك أيضًا من يعتبر أوباما مسلمًا معاديًا لإسرائيل. لذلك، ومن أجل وقف انجراف الشّعب الإسرائيلي نحو التّيّار اليميني، على أوباما فرد جناحيه على نطاق أكبر وإعادة إحياء الرّباعي الذي يشمل الاتّحاد الأوروبي، وروسيا، والأمم المتّحدة، والأهمّ من ذلك، عليه التّزوّد بالدّعم الألماني. وحتّى شخص بارع في نشر الإشاعات مثل نتنياهو سيواجه صعوبة في إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأنّ المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل، أكبر مناصرة لإسرائيل، قد تتعاون مع أعداء إسرائيل.

أوباما، مثل هيلاري كلينتون، يرى في حلّ الدّولتين الطريق الوحيد لضمان مستقبل إسرائيل كدولة يهوديّة وديمقراطيّة، ولتحقيق مصلحة الولايات المتّحدة في إنهاء النزاع. لكن أوباما، على عكس كلينتون، لا يتخوّف من أنّ مواجهة محتملة مع الحكومة اليمينيّة في إسرائيل ستلقى أصداء سلبيّة لدى النّاخبين الأميركيّين. وهو يستطيع أن يسمح لنفسه بتحفيز الناخبين الإسرائيليّين لدعم الأحزاب التي تقدّم بديلاً عن الحكومة الحاليّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : us-israel relations, two-state solution, likud party, israel, hillary clinton, elections, benjamin netanyahu
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept