نبض العراق

العبادي و"الفضائيّون": كشف المكشوف!

p
بقلم
بإختصار
خطا رئيس الحكومة العراقيّة حيدر العبادي خطوة متقدّمة وجريئة إلى الأمام عندما أعلن بتاريخ 30/11/2014 في البرلمان العراقي عن وجود 50 ألف جنديّ وهميّ في الجيش العراقيّ، ووصفهم بأنّهم "جنود فضائيّون". تكمن قيمة هذه الخطوة في مصطلح "الفضائيّين" نفسه، فهذا المصطلح يتداوله العراقيّون منذ عام 2003، وتضاعف استخدامه بعد عام 2006، على سبيل الفكاهة بالإشارة إلى الموظّفين والجنود الوهميّين الذين...

خطا رئيس الحكومة العراقيّة حيدر العبادي خطوة متقدّمة وجريئة إلى الأمام عندما أعلن بتاريخ 30/11/2014 في البرلمان العراقي عن وجود 50 ألف جنديّ وهميّ في الجيش العراقيّ، ووصفهم بأنّهم "جنود فضائيّون".

تكمن قيمة هذه الخطوة في مصطلح "الفضائيّين" نفسه، فهذا المصطلح يتداوله العراقيّون منذ عام 2003، وتضاعف استخدامه بعد عام 2006، على سبيل الفكاهة بالإشارة إلى الموظّفين والجنود الوهميّين الذين سجّلت أسماؤهم في سجلّات الرواتب، ولكن لا أثر لهم واقعيّاً.

وأن يكون المصطلح متداولاً طوال هذه الفترة، وتحوّل إلى جزء من الثقافة الشعبيّة العراقيّة، بل دخل إلى اللهجة العراقيّة الساخرة التي تسخدم بإفراط، دليل كافٍ على تأصّل هذه الظاهرة، واتّساعها، وتشعّبها في مؤسّسات الدولة المختلفة.

فالرئيس العبادي عاد في 8 كانون الأوّل/ديسمبر الجاري لتأكيد تمسّكه بمحاربة هذه الظاهرة، عندما قال من كربلاء: "هناك أعداد من الفضائيّين في وزارات حكوميّة أخرى، وأنا ماضٍ في حملة الإصلاحات وكشف أولئك الفضائيّين... هناك حملات أثيرت وستثار لتسقيطي(...)، لكنّني لن أنثني حتّى لو كلّف الأمر اغتيالي".

وأضاف أنّ "موضوع الفضائيّين جريمة مزدوجة أوّلها جريمة هدر مال عام، وثانيها أنّهم ارتكبوا جريمة قتل غير متعمّد، لأنّهم تسبّبوا في الإخلال بالأمن".

وجاء تحدّي العبادي الذي اقترن بتحذير صريح من تعرّضه للاغتيال حسب قوله، متزامناً مع تصريحات أطلقها رئيس الوزراء العراقيّ السابق ونائب رئيس الجمهوريّة الحاليّ نوري المالكي، نفى فيها وجود "الفضائيّين"، وقال: "لا صحّة لهذه المعلومة مطلقاً، والجيش سليم من الفضائيّين، إلّا من حالات نادرة تتمّ ملاحقتها ومعاقبة المسؤولين عنها".

مبدئيّاً، يجب التذكير أنّ قضيّة الجنود الوهميّين الذين يتواجدون كأسماء فقط في الوحدات العسكريّة ويدفعون أموالاً (غالباً ما تكون مرتّباتهم) لمرؤوسيهم، هي ظاهرة قديمة في العراق، وتعود إلى تسعينيّات القرن الماضي، حيث سمحت الحكومة حينها تحت ظلّ العقوبات الاقتصاديّة التي فرضتها الامم المتحدة بسبب غزو العراق للكويت في اب 1990 على النظام السابق، للقادة العسكريّين والضبّاط بأخذ مبالغ ماليّة من جنودهم مقابل منحهم إجازات طويلة، وتطوّر الأمر حتّى أصبحت الأجور الحقيقيّة لنوّاب الضبّاط والضبّاط من أصغر الرتب إلى أكبرها مقترنة بالأموال التي يتقاضونها من الجنود.ف يحينها يوجد العشرات والمئات من شهادات الجنود العراقيين في تلك الفترة يوكدون عن ظاهرة الفساد في تلك الايام.

إنّ ذلك هو أصل عميق للظاهرة، اقترن حينها، بأصل آخر يتعلّق بانتشار الفساد في مفاصل الدولة ومؤسّساتها، وتوغّل ظواهر الرشوة والابتزاز والمحسوبيّة، واستخدام الموقع الرسميّ للحصول على مكاسب شخصيّة.مصطلح الجنود الفضائئين اصبح يستخدم عن حالة الفساد في العام 2003.

وكان من المفترض أن تتغيّر الدولة مع تغيير نظام الحكم عام 2003، لكنّ ما حصل واقعاً، أنّ التغيير لم يطل تقاليد الفساد العميقة في الدولة العراقيّة، بل تسبّبت الفوضى وتغيير القيادات الوسطيّة في المؤسّسات الأمنيّة والمدنيّة، وتحوّل المؤسّسات إلى حصص لأحزاب وأشخاص يفتقرون الى الخبرة وإلى نيّة الإصلاح، بانفتاح ظواهر الفساد في أقصى حالاتها.

الرئيس العبادي يخوض حرباً حقيقيّة ضدّ فساد الدولة قبل الحرب ضدّ الإرهاب، استناداً إلى قاعدة منطقيّة ما زالت تقول إنّ الفساد كان السبب الرئيسيّ في تمكّن تنظيم "داعش" من السيطرة على مساحات واسعة من العراق.

لم يفعل العبادي في الحقيقة أكثر من اعترافه كرئيس حكومة، بواقع يعرفه العراقيّون صغيرهم وكبيرهم، عن تحوّل المؤسّسة العسكريّة والمؤسّسة الأمنيّة والمؤسّسات المدنيّة الأخرى إلى ضيع لأحزاب ومناجم ذهب لمافيات فساد مرتبطة بها.

فضح العبادي المفضوح، وكشف المكشوف.

المطلوب عراقيّاً اليوم، أن تتحوّل تصريحات العبادي حول الكتلة الوهميّة وغير المنتجة في مؤسّسات الدولة المختلفة، إلى فعل قانونيّ يتبنّاه البرلمان العراقيّ، ويعمل عليه المسؤولون التنفيذيّون.

في شكل يكاد يكون قاطعاً، إنّ انفضاح هذه الشبكة ومن يقف خلفها سيفتح الطريق لانفضاح بؤر الفساد الحقيقيّ والعميق في الدولة العراقيّة، والسماح لها بالتحرك برشاقة لمحاربة التطرّف وبناء قاعدة رصينة للتعايش بين فئاتها الاجتماعيّة المختلفة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : soldiers, salaries, reform, iraqi military, iraqi central government, iraq, haider al-abadi, corruption
مصطفى الكاظمي كاتب عراقي متخصص في الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الانسان. لديه خبرة واسعة في مجال توثيق الشهادات الحية وأرشفة الأفلام الوثائقية المرتبطة بالممارسات القمعية. كتب العديد من الكتب منها: مسألة العراق، أنشغالات أسلامية ، علي ابن ابي طالب الامام والانسان و اهمها كتاب  ” انشغالات أنسانية “  الذي تم اختياره في عام 2000 من قبل الاتحاد الأوروبي كأفضل كتاب كتبه لاجئ سياسي.  
 
 
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept