الدراما العراقيّة تواصل الهبوط وكبار كتّابها وفنّانيها يقاطعونها احتجاجاً

تتنافس القنوات التلفزيونية العربية كل عام على شراء وعرض اعمال درامية من مصر وسورية ودول الخليج العربي. أما الدراما العراقية فهي غير مطلوبة وبعيدة عن هذا التنافس، وتكتفي بالانزواء في محطات محلية وهي تعاني الضعف والهزال. إنه واقع مرير تعانيه صناعة الدراما العراقية، ويتنازع بشأنه المعنيون على الدوام.

al-monitor .

المواضيع

tv, movie, iraqi corruption, film production, film, entertainment, drama

أكت 17, 2014

تتنافس القنوات التلفزيونيّة العربيّة كلّ عام على شراء أعمال دراميّة من مصر وسوريا ودول الخليج العربيّ وعرضها. أمّا الدراما العراقيّة فهي غير مطلوبة، وبعيدة عن هذا التنافس، وتكتفي بالانزواء في محطّات محلّية، وهي تعاني الضعف والهزال. إنّه واقع مرير تعانيه صناعة الدراما العراقيّة، ويتنازع في شأنه، المعنيّون على الدوام.

ويبدو أنّ معضلة الدراما العراقيّة معقّدة إلى الحدّ الذي يجعل تشخيصها أمراً عسيراً. فكلّ طرف من أطراف الصناعة الدراميّة، يلقي باللوم على الآخر، محمّلاً إيّاه المسؤوليّة عن تدهور هذه الصناعة، وعن سبب انحطاطها وفقدانها هويّتها حيث اخذ هذا الطرح بالشيوع في وسائل الاعلام مؤخراً.

فبعض الممثّلين يلقي اللوم على المنتجين والكتّاب ويلقي الكتّاب اللوم على المنتجين، فيما يلقي بعضهم اللوم على المخرجين.

أمّا المخرجون فينأون بأنفسهم عن المسؤوليّة، ويحمّلونها باقي مفاصل الصناعة الدرامية، كما فعل المخرج حسن حسني الذي، وخلال ندوة لمناقشة واقع الدراما العراقيّة عقدت في دمشق في 20 آذار/مارس 2010، شخّص ستّة أسباب لتدهور الدراما العراقيّة ليس الإخراج من بينها.

وعلى الرغم من اتّفاق الجميع على أنّ سوء الإنتاج سبب رئيسيّ لضعف الدراما العراقيّة، فإنّ القناة العراقيّة الرسميّة، وهي المنتج الأكبر للدراما العراقيّة، تبدو غير آبهة بما يقال، حين تحتفي بما أنجزته حتّى الآن، وتسمّيه ذروة ما وصل إليه الإنتاج الدراميّ.

واحتجاجاً على هذا الواقع، اضطرّ عدد من كبار الفنّانين إلى الانسحاب من المشهد، ومقاطعة الأعمال الدراميّة الحاليّة.

وارتأى آخرون الهجرة، فيما توقّف عدد من كبار الكتّاب، كفاروق محمّد وحامد المالكي وأحمد هاتف عن الكتابة، وهم يعتاشون على مدخراتهم الشخصية كما كشف الكاتب حامد المالكي للمونيتور.

ولعلّ انسحاب المبدعين الكبار من المشهد، لا يسهم في حلّ المشكلة، بل قد يؤدّي إلى تأزيمها أكثر، إذ ستخلو الساحة لآخرين مبتدئين، وقليلي خبرة. وربّما، تبدأ معالجة الموقف من نظرة واقعيّة، كما يرى الممثّل سمر قحطان. ففي حوار هاتفيّ مع "المونيتور" في 5 تشرين الأوّل/أكتوبر من بغداد، اعترف قحطان بأنّ الدراما العراقيّة لا ترقى إلى مستوى مثيلاتها العربيّة، وأنّ مشهدها سوداويّ، غير أنّ الحلّ يبدأ من النظر إليها بواقعيّة. فالدراما العراقيّة حديثة الولادة، وفقاً لتعبيره. ويرى قحطان أنّه لا يمكن قياس الدراما العراقيّة قبل عام 2003، إذ كانت هناك دولة مسيطرة على الإنتاج، وكانت هناك قناة وحيدة، ولا يتجاوز مجموع ما ينتج في العام الواحد العملين، لذلك تسخّر الإمكانات لإنجاحها. وإنتاج بهذه الشحّة، كما يرى، لا يمكن اعتباره صناعة دراميّة هامّة أو مؤثّرة. ولكن ما حدث بعد عام 2003، أنّه تمّ افتتاح عدد كبير من القنوات التلفزيونيّة، وتصاعد الطلب على الإنتاج الدراميّ. ولمّا كان عدد الفنّانين الأكفّاء في المجال الدراميّ محدوداً، اضطرّ المنتجون والقنوات الجديدة، إلى الاستعانة بمن يصفهم بالمبتدئين والطارئين على الحقل الدراميّ.

ويتساءل سمر قحطان باستغراب: "هل يسأل المشرفون على قناة العراقيّة، حين يقرّرون إنتاج خمسة عشر مسلسلاً تلفزيونيّاً في العام الواحد، من أين نأتي بكادر فنّي يغطّي كلّ هذه الأعمال"؟ ويرى قحطان أنّه في الإمكان معالجة جزء كبير من المشكلة، بتوزيع ميزانيّة هذه الأعمال على عملين أو ثلاثة تتمتّع بجودة النصّ، وتمنح لمنتجين أكفّاء، ويسخّر لها كادر فنّي كفوء يتقاضى أجره باحترام.

ويبدو أنّ المشكلة تبدأ من سياسة الإنتاج. ولا ينكر أنّ القنوات التلفزيونيّة العراقيّة تعمل الآن وفق مبدأ الكمّ، فهي تتكاثر وتحتاج إلى تغطية أكبر عدد من الساعات التلفزيونيّة. ويؤكّد سمر قحطان هذا الرأي، حيث يتتبّع المسار الذي أدّى إلى انحطاط الدراما، فيقول: "القناة المنتجة لا تهمّها الجودة، بل يهمّها إشغال الساعة التلفزيونيّة، لذلك فهي لا تمانع تكليف كاتب غير متخصّص، أو إحالة العمل إلى منتج جشع، يحيله بدوره إلى مخرج ضعيف يقبل بشروطه، وينتهي الأمر إلى ممثّلين مبتدئين وطارئين. ولنتخيّل بعد ذلك نوعيّة العمل الذي يتلقّاه الجمهور".

ولكن، بالنسبة إلى آخرين، فإنّ النظرة الواقعيّة هذه يجب أن تتوسّع، لتغطّي كامل المشهد، فهو أوسع وأكثر تعقيداً ممّا يظنّ. وهذا ما يراه السيناريست حامد المالكي، وهو ممّن اختاروا التوقّف عن الكتابة منذ عامين. وتحمل وجهة نظر المالكي قدراً من السخط على الواقع، الذي أوصل الدراما العراقيّة إلى هذه الحال المزرية. ويقسّم حامد المالكي في حوار عبر البريد الالكتروني مع "المونيتور"، مشاكل الدراما العراقيّة إلى تقنيّة وإداريّة. فنظراً إلى غياب تقاليد الصناعة الدراميّة وأسسها، فإنّ الضعف بات يطغى على كلّ مفاصل صناعة الدراما في العراق. فهناك الاستسهال في الاختيار والمعالجة والإنتاج، وهناك موظّفون يتحكّمون في شكل الإنتاج ونوعه وكيفيّته، وهم لا يفهمون شيئاً عن الأمر، حسب تعبيره. ويقول: "لدينا مخرجون يوظّفون تقنيّات وأساليب إخراجيّة قديمة ومملّة، فيما يغلب على ممثّلينا طابع الأداء المسرحيّ. ولدينا فوق هذا كلّه، منتجون جشعون يبحثون عن النصّ الرخيص، بصرف النظر عن مقدار رداءته".

وإذ يسود الاعتقاد بأنّ نظام صدّام حسين كان يتحكّم بتوجّهات الدراما العراقيّة، فواقع الحال يشير إلى أنّ زواله لم يأت بجديد مفيد على الدراما العراقيّة. فما يفترض أنّه حريّة، تحوّل إلى فوضى، وهذا ما يعضده حامد المالكي في حواره مع "المونيتور". فلدى قناة العراقيّة، على سبيل المثال، عقدة "النظام السابق"، فهي تدعو الكتّاب، وتطلب إليهم أن يكتبوا نصوصاً ضدّ النظام السابق. ويتساءل المالكي: "ألم يكن النظام السابق يجمع الكتّاب، ويطلب إليهم كتابة نصوص تدين الفترات التي سبقت صعود البعث إلى السلطة"؟

ولو أنّ الأمر اقتصر على هذا، يقول المالكي، لهان الأمر، فهناك مشكلات خطيرة غير منظورة. ولكنّه يعتذر عن الخوض فيها لاسباب تتعلق بسلامته الشخصية كما صرح للمونيتور.

ولعلّ ما يعزف المالكي عن قوله، يصرّح به آخرون! فهل يمرّ الأمر من دون المرور على موضوع الفساد الذي يستشري في الكثير من مرافق الدولة العراقيّة؟ فصناعة الدراما العراقيّة هي إحدى ضحايا الفساد.

والطريف أنّه، وخلال ندوة عقدتها هيئة النزاهة العراقيّة في 17 آذار/مارس 2014 في مقر اتحاد الادباء العراقيين في بغداد، ودعت فيها إلى إشراك الدراما العراقيّة في موضوع مكافحة الفساد المستشري في البلاد، حدثت مشادة، لأنّ بعض الحضور اعترض على المشروع، قائلاً إنّ الفساد ينخر في الدراما العراقيّة بذاتها!

يعيد دخول عامل الفساد على خطّ الدراما العراقيّة، ترتيب الأولويّات. فعلى الرغم من أهميّة العمل على تطوير مهارات الكوادر الفنيّة العراقيّة وكفاءاتها، وأهميّة وضع سياسة إنتاج تحكمها تقاليد عمل متطوّرة، فإنّ الأولويّة هنا ستكون لمحاربة الفساد في هذه الصناعة ومحاسبة المتسبّبين به.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

لماذا تدرّب الأوقاف أئمّتها على المهارات الإعلاميّة؟
عمرو مصطفى | الإسلام والسياسة | أكت 25, 2019
"إن شئت كما في السماء" يمثّل فلسطين في "أوسكار 2020"
أحمد أبو عامر | فنون و ترفيه | سبت 4, 2019
يواجه زعيم منظمة بدر هادي العامري معارضة قوية من داخل منظمته
عمر الجفال | الفساد والمحسوبية | ماي 4, 2019
الأزمات الماليّة تعصف بالفضائيّات الفلسطينيّة
أحمد ملحم | | أبر 12, 2019
"نتفلكس" في السوق المصريّة: "صاحب مكان" في ثوب "وافد جديد"
احمد فؤاد | فنون و ترفيه | مار 27, 2019

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020