نبض العراق

الشبك... الأقليّة المنسيّة تواجه خطر الانقراض

p
بقلم
بإختصار
تواجه الأقليّة الشبكيّة خطر الانقراض الكليّ، بعد مقتل المئات منها وتهجير أكثر من 3000 عائلة من مدنها الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة (المعروف سابقاً باسم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام أو داعش).

لقد وصل صوت الأقليّة الإيزيديّة إلى العالم بفضل النائب فيان دخيل التي صرخت للعالم أجمع واشتكت ممّا يحصل لأبناء جلدتها تحت سلطة تنظيم الدولة الإسلاميّة. هناك أقليّات عراقيّة أخرى تواجه المصير نفسه أو حتّى أسوأ من ذلك في بعض الأحيان، ولكن ليس لديها من يرفع صوتها للعالم، وهي تواجه قدرها المحتوم تحت سطوة هذا التّنظيم.

لدى العراق عدد من أندر الأقليّات في العالم، التي أصبحت مهدّدة بالانقراض في حال استمرار وضعها السيء جدّاً تحت الاضطهاد والعنف الذي يقوم به تنظيم الدولة الإسلاميّة في سهل نينوى الخصب جدّاً بالتنوّع العراقيّ. ومن تلك الأقليّات جماعة تسمّى بالشبك، وهي ذات ديانة ولغة وثقافة نادرة جعلتها تواجه الاضطهاد لقرون متمادية، وهي الآن تحت عنف هذا التّنظيم تهرب من مناطقها أو تُقتل بأعداد وفيرة.

يعود تاريخ الأقليّة الشبكيّة في سهل نينوى إلى أكثر من خمسة قرون، ولم يعرف أصلها ومنطلقها الرئيسيّ بالتّحديد، ولكن ما تبرزه لغتها وديانتها وثقافتها بأنّها تنتمي في شكل كبير إلى الهويّة العراقيّة المتنوّعة، فهي تتكلّم لغة هندوروبيّة متضمّنة مفردات كثيرة من العربيّة والتركيّة والفارسيّة والكرديّة. أمّا من حيث الديانة فالأغلبيّة تنتمي إلى المذهب الشيعيّ مع وجود فوارق مع بقيّة الشيعة في تقاليدهم الدينيّة، ومن بينها أيضاً أقليّة سنيّة، ولكن يجمعها التراث والتقاليد الصوفيّة في شكل متماسك جدّاً بحيث لا تبرز الفروق المذهبيّة في أوساطها الاجتماعيّة.

وتهتمّ هذه الأقليّة بإشادة التكايا أكثر من إقامة المساجد، والتكايا هو جمع التكية، وهي مفردة صوفية للمكان الخاص بتجمّع المتصوّفين للقيام بالممارسات الدينيّة الخاصّة بهم.

ويقطن الشبك في مجتمع متنوّع مع المسيحيّين والايزيديّين وأقليات أخرى في مدينة تكليف، بعشيقة، بارتلا، قرقوش ومناطق من الموصل. ويصل عددهم بحسب بعض الإحصائيّات غير الرسمية إلى ربع مليون، ولا يوجد منهم في بلاد أخرى سوى العراق.

وقد واجه الشبك اضطهادات عدّة خلال تاريخ الدولة العراقيّة من قبل الأنظمة المختلفة. لقد قام النظام البعثيّ بفرض الهويّة العربيّة عليهم وترغيبهم في الانتماء إلى القبائل العربيّة ليتناسوا أصولهم وهويّتهم الخاصّة بهم. كما أنّ الصور النمطيّة السائدة عنهم في المجتمع العراقيّ قد أثّرت عليهم سلبيّاً في شكل كبير. فقد يعتقد الكثير من عامّة الناس، ممّا قد انعكس في بعض الكتابات والمناهج الدراسيّة ايضاً، بأنّهم جماعة منحرفين ذات معتقدات مغالية وأفكار باطلة وعادات غريبة. وأدّى ذلك كلّه إلى عزلتهم إجتماعيّاً أو ذوبانهم في الهويّات الغالبة والمحيطة بهم.

وقد أصبح الشبك أحد الأهداف الرئيسيّة للجماعات الإرهابيّة، خصوصاً ما يسمّى بتنظيم الدولة الإسلاميّة منذ تأسيسها حتّى الآن. فحسب تقرير وزارة حقوق الإنسان العراقيّ، لقد قتل منهم 6000 نفر منذ عام 2003 حتّى عام 2010. وإنّ سبب استهداف الشبك هو دينيّ وسياسيّ، إذ أن تنظيم الدولة الإسلاميّة يعتبرهم غير مسلمين، شأنهم شأن الإيزيديّة والشيعة من حيث التّعامل. كما أنّ وقوفهم مع التّغيير في العراق بعد عام 2003 وتصويتهم لصالح الدستور العراقيّ جعلهم في موضع العدو للارهابيّين.

وبعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة على الموصل وسهل نينوى، حدثت مجازر كبرى في القرى الشبكيّة لم تصدر حتّى الآن تقارير دقيقة عنها، ولكن يخمّن عدد الضحايا بالمئات. كما جرت حالات اختطاف لعائلات شبكيّة من قبل تنظيم الدولة الإسلاميّة، ولم يعرف مصير المختطفين حتّى الآن. وإن أكثر من 3000 عائلة قد فقدت منازلها فنزحت إلى المدن الشيعيّة في الوسط والجنوب أو إقليم كردستان.

والتقى "المونيتور" بأعداد كبيرة من تلك العائلات في مدينة كربلاء الشيعيّة، وروى بعضهم قصصاً مرعبة عمّا حدث لهم وكيفيّة هروبهم ووصولهم إلى كربلاء. وقال النّاشط المدنيّ الدكتور عبّاس ناجي لـ"المونيتور": "إنّ مدينته الواقعة شمال الناصريّة في جنوب العراق قد استقبلت خمسين عائلة شبكيّة، وما زال العدد يتضاعف في شكل كبير".

وقال الأمين العام لـ"تجمّع الشبك الديموقراطيّ" حنين القدو في 15 يوليو الماضي: "إنّ أبناء القوميّة الشبكية يتعرّضون لإبادة جماعيّة. ونطالب بإجراء وتحرّك سريع لإنقاذ الشبك والأقليّات الأخرى".

وناشد ممثّل الشبك في مجلس النوّاب العراقيّ سالم جمعة "المنظّمات العالميّة التدخّل لإيقاف القمع الجماعيّ للشبك".

وأخيراً، إنّ الفسيفساء العراقيّ المتنوّع قد أصبح مهدّداً بالانقراض، وإنّ الأقليّات الصغيرة تتصدّر هذه القائمة، إذ لا ظهر لها ولا نصير. فالأقليّات العراقية تحتاج إلى دعم فوريّ وغير محدود من المجتمع الدوليّ لتنجو من عمليّة الإبادة الجماعيّة التي تمارس ضدّهم.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : religious minorities, mosul, islamic state, iraq

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept