نبض العراق

تدمير قبر يونس تطهير سلفيّ للحضارة الإنسانيّة

p
بقلم
بإختصار
قام تنظيم الدّولة الإسلاميّة (المعروف سابقاً باسم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام أو داعش) بتفجير وتهديم كامل لمقبرة النبيّ يونس الواقع في شرق مدينة الموصل في 24 يوليو. ويعدّ النبي يونس من الشخصيّات المقدّسة لدى كلّ أتباع الأديان الإبراهيميّة: اليهوديّة، المسيحيّة والإسلام، وكان سبق ذلك عدد كبير من التّفجيرات والهدم لمراكز ثقافيّة وحضاريّة مهمّة في المدينة ومحيطها، منها: مزار...

قام تنظيم الدّولة الإسلاميّة (المعروف سابقاً باسم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام أو داعش) بتفجير وتهديم كامل لمقبرة النبيّ يونس الواقع في شرق مدينة الموصل في 24 يوليو. ويعدّ النبي يونس من الشخصيّات المقدّسة لدى كلّ أتباع الأديان الإبراهيميّة: اليهوديّة، المسيحيّة والإسلام، وكان سبق ذلك عدد كبير من التّفجيرات والهدم لمراكز ثقافيّة وحضاريّة مهمّة في المدينة ومحيطها، منها: مزار منسوب للنبيّ دانيال في غرب الموصل، مرقد أحد أحفاد الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب، مساجد، مزارات، حسينيّات وكنائس كثيرة أخرى. ولا تختصّ هذه الأمكنة بالمسلمين الشيعة أو غير المسلمين فقط، بل معظمها أماكن مقدّسة للمسلمين السنّة أيضاً، وبعضها مختصّ تماماً بالسنّة وحدهم، إضافة إلى أعداد كبيرة من التّماثيل لشخصيّات مشهورة وأماكن ثقافيّة أخرى.

وقد تأكّد "المونيتور" من مصادر داخل المدينة من صحّة هذه المعلومات. كما أنّ ناشطين في المواقع الإجتماعيّة نشروا صوراً ومقاطع فيديو كثيرة تؤكّد مدى حجم الدمار للأماكن الثقافيّة في المدينة. وذكرت مصادر "المونيتور" أنّ "أجواء الحزن والأسف سائدة في المدينة، وهناك أناس كثر بكوا، وهم يشاهدون حدث تدمير مزار النبيّ يونس".

كما أبلغت شركة مونيتور أن يتم الإعلان عن شعب الموصل أنهم يدمرون غدا ضريح "سيث" لابن آدم وحواء وفقا لسفر التكوين في الكتاب المقدس والتقليد الإسلامي أيضا، وأيضا ضريح "سانت جورج "القديس المسيحي الشهير الذي يعتبر كنبي في التقاليد الإسلامية.

ما تقوم به هذه الجماعات يأتي على أساس مبدأ سلفيّ سائد ومشترك بين معظم التيّارات السلفيّة، الجهاديّة منها وغيرها من حيث وجوب تطهير الأرض من دنس الشرك والكفر بالله. وتعتبر هذه الجماعات أنّ المراقد الدينيّة والمزارات وأيّ معلم آخر يرتبط بإنسان معيّن فهو يتضمّن نوعاً من التّقديس له ممّا يعتبره هؤلاء مصداق للشرك بالله.

ويعدّ هدم هذه الأماكن المقدّسة جزءاً من عمليّة الرجوع إلى الإسلام الأصيل واستئصال واجتثاث لكلّ ما هو دخيل على هذا الدين حسب فهمهم السلفيّ. وهذا يناقض الفهم التقليديّ الإسلاميّ عند مختلف المذاهب الإسلاميّة بأنّ الإسلام لا يناقض المقدّسات الأخرى، بل يستوعبها ويعتبرها مقدّسة، خصوصاً حين يكون أصحاب هذه الأماكن المقدسة من الأنبياء المعترف بهم في القرآن مثل النبيّ يونس ودانيال وغيرهما من أنبياء العهدين القديم والجديد. وعليه، لقد استنكرت شخصيّات إسلاميّة عالميّة مثل مفتي جمهوريّة مصر ما يقوم به تنظيم الدّولة الإسلاميّة من هدم للأماكن المقدّسة في بيان، وقد طالب الجهات المسؤولة في العراق والمنظّمات الدوليّة كاليونسكو بـ"التدخّل السّريع والعاجل لحماية المقدّسات الإسلاميّة".

وحدث هدم الأماكن المقدّسة خلال فترة إقامة الدولة السعوديّة في مراحلها المختلفة بوصفها أوّل كيان سياسيّ للسلفيّين في العالم الإسلاميّ. وتمّ تهديم المئات من مزارات صحابة النبيّ وأهل بيته وأماكن تاريخيّة مهمّة أخرى ترتبط بفترات مختلفة من تاريخ الإسلام منذ قيام الدّولة السعوديّة الأولى والثانية وحتّى الآن. وقد تكرّر هذا العمل في سوريّا وأفغانيستان وفي أماكن من العراق التي وقعت تحت سيطرة الجماعات السلفيّة.

وقد هدّد تنظيم الدّولة الإسلاميّة بأنه سيستمرّ في عمليّة هدم الأماكن المقدّسة للديانات والمذاهب الأخرى، وكلّ ما يتعلق بالسنّة ايضاً. وقد أثارت هذه التّهديدات قلقاً كبيراً لدى معظم العراقيّين، وخصوصاً الشيعة والأقليّات الدينيّة والسنّة والتي تشترك في تقديسها واحترامها للمزارات والأماكن الدينيّة.

وهذا يتطلّب من المؤسّسات العالميّة المعنية بحقوق الإنسان المحافظة على الحريّات الدينيّة والتّراث الإنسانيّ، وتحديداً على اليونسكو مثلاً أن تقوم بنشاط أكبر وبجهد أوسع للحدّ من هذا الدمار الشامل الذي يلحق بالتراث وبالحضارة الإنسانيّة، خصوصاً أنّ كثير من تلك الأماكن مشتركة من حيث القداسة، والاحترام متبادل بين كلّ الأديان الإبراهيميّة: اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.

ويتعدّى القلق من هدم الأماكن المقدّسة مجرد أنّها معالم تراثيّة وتاريخيّة فقط، بل يشمل أيضاً الوضع العام للتسامح والتعايش المشترك بين الطوائف الدينيّة المختلفة في العراق. وإنّ عمليّة الهدم هذه تضرّ بتاريخ طويل من التجربة في مجال التّعايش المشترك بين الطوائف العراقيّة، وتستهدف الرموز والمراكز الرئيسيّة التي استقطبت وجمعت تلك الطوائف تحت ظلّها وهيّأت لها أرضيّة للتداول والتّفاهم. وبالنّتيجة، التّعايش المشترك في ما بينها.

كما أنّها تشدّد حال التعصّب والعداء الدينيّ بين مختلف الطوائف، وتثير الأحقاد والعداء بينها، وهذه الحال لا تزول عادة في المدى القريب، وهذا الأمر من شأنه أن يحدث تصدّعات اجتماعيّة وتقسيمات ديموغرافيّة واسعة النّطاق في العراق، بحيث أنّه يقطع العلاقة والتّواصل بين المكوّنات المختلفة ويجعلها في حال شعور بصدام مع الآخر في شكل حادّ جدّاً.

وأخيراً، يبدو أنّ أرض العراق تتّجه نحو تدمير كامل لتراثه التاريخيّ والإنسانيّ، ممّا سيحوله الى صحراء قاحلة ومنقطعة تماماً عن تاريخه الحضاريّ والدينيّ العريق. وهذا كلّه يحدث في ظلّ تعاون غير منظّم بين إرهاب همجيّ، غباء حكوميّ عراقيّ، وصمت وتخاذل دوليّ، وخصوصاً الولايات المتّحدة الأميركيّة التي تخلّت تماماً عن مسؤوليّاتها تجاه الوضع العراقيّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : religion, mosul, judaism, islamic state, islam, iraq, christianity

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept