نبض الخليج

لجوء السوريّين إلى اليمن.. توقيت غير مناسب وهروب من الصحراء إلى النار

p
بقلم
بإختصار
مشهد جديد راح يُسجَّل في شوارع صنعاء خلال الأشهر الأخيرة. مشهد غير متوقّع وغير مفهوم من قبل السكان المحليّين. إنه مشهد العشرات من اللاجئين السوريّين في الشوارع، وغالبيّتهم من النساء والفتيات الجميلات اللواتي يتسوّلن المال والطعام. وصنعاء الممتلئة بفقرائها ولاجئيها الداخليّين والأفارقة، تستقبل مؤخراً اللاجئين السوريّين. لكن الوضع بالنسبة إلى هؤلاء، لا يبدو واعداً بل أشبه بالهروب...

مشهد جديد راح يُسجَّل في شوارع صنعاء خلال الأشهر الأخيرة. مشهد غير متوقّع وغير مفهوم من قبل السكان المحليّين. إنه مشهد العشرات من اللاجئين السوريّين في الشوارع، وغالبيّتهم من النساء والفتيات الجميلات اللواتي يتسوّلن المال والطعام. وصنعاء الممتلئة بفقرائها ولاجئيها الداخليّين والأفارقة، تستقبل مؤخراً اللاجئين السوريّين. لكن الوضع بالنسبة إلى هؤلاء، لا يبدو واعداً بل أشبه بالهروب من الـ"رمضاء إلى النار" على حدّ قول شعري عربي قديم.

تستقبل اليمن نحو مليونَي لاجئ أجنبي على أراضيها، بحسب تصريحات الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. ومعظم هؤلاء من الصومال وإثيوبيا، 250 ألفاً منهم فقط مسجّلون رسمياً كلاجئين. ويذكر بأنه وخلال العام 2012، دخل اليمن نحو 107 آلاف لاجئ بينما وصل العدد خلال الفترة الزمنيّة المتراوحة بين كانون الثاني/يناير وأيار/مايو من العام الجاري إلى 29 ألفاً، بحسب مكتب المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في اليمن.

أما آخر موجات اللجوء إلى اليمن، فجاءت من سوريا وإن بأعداد قليلة مقارنة بموجات القرن الأفريقي. وقد سُجّل 600 سوري فقط، كلاجئين. وبحسب المفوضيّة، دخلت 315 أسرة سوريّة اليمن مؤخراً عبر تركيا ومصر، إلا أن مصادر رسميّة يمنيّة تشير إلى أن عدد هذه الأسر بالآلاف.

لكن ما يغفله كثيرون هو أن تاريخ لجوء السوريّين إلى اليمن يمتدّ لأكثر من ثلاثة عقود،وقد بدأ بعد عمليات التصفية التي نفذّها نظام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد (الأب) ضدّ الإسلاميّين مطلع ثمانينيات القرن الماضي.

وقد شكّلت موجة اللجوء السوريّة الأولى بعد العام 1982، رافداً مهماً لتنظيم الإخوان المسلمين في اليمن حينها. فقد تمّ التعاقد مع هؤلاء اللاجئين كمعلّمين في الغالب، في الهيئة العامة للمعاهد العلميّة التي كان الإخوان المسلمون يديرونها كنظام تعليم مواز للتعليم العام. لكن الظروف لا تبدو نفسها اليوم.

فالتميّز النسبي في المستوى التعليمي لدى القادمين من سوريا إلى اليمن قبل العام 2011، أتاح لهم فرص عمل واسعة مقارنة باليمنيّين أنفسهم. أما بعد العام 2011، فقد اختلف الوضع كثيراً وقد اعتاد سكّان صنعاء مشاهدة عشرات اللاجئات السوريّات يومياً وهنّ يمارسن التسوّل في الشوارع، حتى أن المجلس المحلي لأمانة العاصمة صنعاء اعتبر في اجتماعه الأسبوعي مطلع حزيران/يونيو الجاري،  الأمر ظاهرة مثيرة للقلق ويجب التوقّف عندها.

أحمد، سوري مقيم في اليمن بعدما لجأ إليه مع والده في خلال الموجة الأولى. يقول إن ثمّة أشخاصاً سوريّين يشكّلون ما يشبه الهيئة التنظيميّة لاستقبال اللاجئين السوريّين وإيوائهم في اليمن حالياً، إلا أن عدداً كبيراً من هؤلاء لا يرتضون هذا الأمر لأنه لا يوفّر لهم سوى الحدّ الأدنى من السكن والغذاء. فيقومون بدلاً عن ذلك، بممارسة التسوّل لأنه يعود عليهم بمدخول يومي أكبر. ولأن تعاطف اليمنيّين مع المرأة كبير، فإن التسوّل يقتصر على الفتيات وبعض الأمهات الأكبر سناً. أما الرجال، فلا يلجأون إليه.

وتستعدّ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في اليمن بالتعاون مع الحكومة اليمنيّة، لعقد مؤتمر حول قضايا اللاجئين والمهاجرين من القرن الإفريقي في أيلول/سبتمبر المقبل. وذلك، في ظلّ الجهود الذي تبذلها المفوضيّة لمساعدة الحكومة اليمنيّة على استيعاب موجات اللجوء المتزايدة إليها، في حين تعجز اليمن عن توفير الاحتياجات الأساسيّة لهؤلاء، الأمر الذي يجعل استيعاب اللاجئين في المؤسّسات الصحيّة والتعليمية أمراً بالغ الصعوبة وعالي الكلفة. بالإضافة إلى هذه موجات الاجئين غير اليمنيّين، تُسجَّل موجات نزوح داخليّة بدأت منذ العام 2004 جرّاء حروب صعدة شمالاً، لتتكثّف مع موجات نزوح من أبين جنوباً منذ العام 2011 نتيجة الحروب الدائرة هناك بين الدولة وتنظيم القاعدة. ولكن المناطق التي نزح إليها اليمنيّون، وإن كانت أكثر أمناً إلا أنها تعجز عن توفير الغذاء والدواء لهم وحتى المسكن أحياناً.

وتبرز مشكلة أحدث عهداً ستؤثّر على اللاجئين السوريّين وغيرهم وتتمثّل في تأهّب اليمن لاستقبال مئات الآلاف من المغتربين اليمنيّين في السعودية بعد تطبيق الأخيرة قانون عمل جديد، سواء كان ذلك بدوافع سياسيّة أو في إطار السعي إلى سعوَدة الوظائف هناك. وهذا الأمر لم يلقِ بعد بكامل ثقله على الأرض، وإن بدأت مقدّماته مع وصول آلاف عدّة من المرحّلين من المملكة. وتجدر الإشارة إلى أن أثر ذلك ما زال طفيفاً، لأن عودة هؤلاء لم تكن إلى المدن وإنما غالباً إلى الأرياف الزراعيّة.

وتأتي موجة  لجوء السوريّين إلى اليمن اليوم كما الموجة السابقة، في ظلّ أوضاع متشابهة بين البلدين (سوريا واليمن)، لناحية الصراعات الداخليّة وعدم الاستقرار.

فالموجة الأولى التي حدثت في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، مثّلت واحدة من أقدم موجات اللجوء إلى اليمن –إن لم تكن الأكثر قدماً– إذا ما قصدنا اللجوء الجماعي. فتلك الموجة وصلت إلى اليمن التي كانت خارجة من جحيم حرب أهليّة استمرت أكثر من ثلاث سنوات، في ما عرف بحروب المناطق الوسطى والتي دارت بين حكومة صنعاء وحلفائها من الإسلاميّين من جهة، وبين الجبهة الوطنيّة (اليساريّة) المدعومة من نظام الجنوب اليمني حينها من جهة أخرى. أما اللاجئون السوريّون، فكانوا جزءاً من تنظيم الإخوان المسلمين الذي نفّذ الأسد (الأب) ما عُرف بحرب إبادة ضدّهم، بخاصة في منطقة حماة. لذا أتى استيعابهم من قبل الإخوان المسلمين ولم يتمّ رسمياً أو شعبياً بشكل كبير.

أما الموجة الثانية (الحاليّة) والتي تأتي بعد ثلاثين عاماً من الموجة الأولى، فقد وصلت اليمن التي لم تعد ترتيب وضعها بعد الانتقال من مرحلة حكم الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح إلى وضع جديد نتج عن ثورة الشباب السلميّة في العام 2011. فأطراف الصراع المتعدّدة ما زالت تعيد ترتيب أوراقها للمرحلة القادمة. ومن بين هذه الأطراف قوّتان رئيسيّتان، إحداهما تقف بشدّة إلى جانب الثوّار السوريّين من الجيش الحرّ وحلفائه وهي حزب التجمّع اليمني للإصلاح الإسلامي، أما الأخرى فتقف بالشدّة نفسها إلى جانب نظام الرئيس السوري بشّار الأسد وهي حركة الحوثيّين، حركة دينيّة أيضا لكنها تعتنق الإسلام الزيدي بعكس حزب الإصلاح الذي يعتنق الإسلام السنّي. ولأنه يصعب فرز اللاجئين السوريّين وتصنيفهم بناءَ على انتماءاتهم الدينيّة وولاءاتهم السياسيّة، لم يستوعبهم على الأغلب سوى المواطن اليمني العادي عبر المساعدة الماديّة لمن مدّ منهم يده إليه. وبالتالي، فإن وضعهم أشدّ صعوبة.

ويمكن القول بأن موجتَي اللجوء السوريّتَين وصلتا اليمن في وقت غير مناسب، بعكس كلّ موجات اللجوء من الدول الأخرى (الصومال وإثيوبيا وأرتيريا والعراق).

وتصل نسبة اللاجئين الأجانب في اليمن حالياً إلى نحو 8% من إجمالي عدد سكان البلد البالغ 25 مليون نسمة تقريباً. ويشكّل اللاجئون تحدياً ليس اقتصادياً فقط وإنما أيضاً أمنياً للحكومة اليمنيّة، بخاصة بعد ظهور شباب المحاكم الإسلاميّة في الصومال وإحضار بعض أعضائها إلى اليمن عبر البحر خلال السنوات الأخيرة.

إلى ذلك، طالبت المنظّمات العاملة في مجال الإغاثة وقضايا اللاجئين الحكومة بالتعامل العاجل والاستثنائي مع اللاجئين السوريّين. واليمن عملياً لا تلزم أي مواطن سوري بالحصول على تأشيرة لدخول البلاد، لكن البعض يقول إن مصلحة الجوازات والهجرة في اليمن تعقّد منح الإقامة لمن ليس لديهم معارف من بين المواطنين اليمنيين. فيأتي ذلك في ما يشبه طلب كفالة.

ويتوقّع مكتب المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين في صنعاء أن تستقبل اليمن 48 ألف لاجئ جديد خلال العام المقبل 2014. ومن غير الواضح كيف ستتعامل اليمن مع الأمر، بخاصة مع عجزها في التعامل مع مشاكل اقتصاديّة محليّة شديدة التعقيد وكارثيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : yemeni history, yemen, syrian, security, muslim, hama
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept