نبض العراق

تحالف عابر للطوائف في العراق.. ولكن!

p
بقلم
بإختصار
لا تأتي من العراق أخبار مفرحة كثيرة. وخبر سعي أحزاب سياسيّة سنيّة وشيعيّة إلى إعلان كتلة واحدة عابرة للطوائف تخوض الانتخابات المقبلة، لا بدّ من أن يكون "مفرحاً". لكن أسئلة عميقة تدور حول هذه الخطوة وجديّتها، وما إذا كان هدفها بالفعل هو العبور ببلد مزّقته الصراعات والخلافات الطائفيّة إلى مرحلة جديدة. وبصرف النظر عن الجهات التي تسعى إلى تبنّي هذه الخطوة، تشير التسريبات الإعلاميّة...

لا تأتي من العراق أخبار مفرحة كثيرة. وخبر سعي أحزاب سياسيّة سنيّة وشيعيّة إلى إعلان كتلة واحدة عابرة للطوائف تخوض الانتخابات المقبلة، لا بدّ من أن يكون "مفرحاً".

لكن أسئلة عميقة تدور حول هذه الخطوة وجديّتها، وما إذا كان هدفها بالفعل هو العبور ببلد مزّقته الصراعات والخلافات الطائفيّة إلى مرحلة جديدة.

وبصرف النظر عن الجهات التي تسعى إلى تبنّي هذه الخطوة، تشير التسريبات الإعلاميّة إلى جهتين وهما "ائتلاف دولة القانون" بزعامة رئيس الحكومة نوري المالكي (شيعي) و"القائمة العراقيّة العربيّة" بزعامة نائب رئيس الحكومة صالح المطلك (سنّي).

ويمكن التذكير هنا بتجربة زعيم "القائمة العراقيّة" إياد علاوي (شيعي) الذي تنقّل بين تحالفات عدّة بحثاً عن كتلة عابرة للطوائف، وانتهت كتلته "العراقيّة" إلى اعتبار نفسها ممثّلة للسنّة العراقيّين، لكنها تفتّتت عملياً لصالح تمثيل سنّي صريح عبر ائتلاف "متّحدون" الذي يقوده رئيس البرلمان أسامة النجيفي.

وفي الأساس، الأطراف التي شكّلت المحاولات السابقة لتخطّي الاعتبارات الطائفيّة في العراق وكذلك الأطراف التي تسعى إلى محاولات جديدة، تُعدّ جميعها جزءاً من المشكلة المذهبيّة في العراق. فتحالفاتها السابقة والحاليّة، وخلافاتها أيضاً، قادت وما زالت إلى المزيد من الشدّ الطائفي في بلاد ترزح تحت وطأة التباسات تاريخيّة واجتماعيّة. وقد أسهمت النخب السياسيّة العراقيّة في تأجيجها منذ تحمّلها مسؤوليّة قيادة العراق في العام 2003، ولم تنجح في إخمادها ومعالجتها وإرسالها إلى دفاتر التاريخ كما كان الجميع يأمل مع نهاية نظام ديكتاتوري حكم العراق لأكثر من ثلاثة عقود واستثمر ما استثمر لتعميق الشروخ الاجتماعيّة.

إن محاولات التأسيس لمرحلة جديدة في العراق مع اقتراب الانتخابات العامة في العام 2014، تذكّر بتلك المحاولات التي جرت في انتخابات العام 2010.

فبعد التجربة الانتخابيّة الأولى نهاية العام 2005، وجدت النخب السياسيّة أن التعبير عن نفسها عبر الكيانات الإسلاميّة التقليديّة لم يعد يتماشى مع مزاج المواطن العراقي. فلجأت في نسخة العام 2010 إلى طرح نفسها كتيارات مدنيّة، لكنها تمسّكت بالدوران داخل حلقة المكوّن الاجتماعي نفسها. وأقرب الظنّ أن الأطراف نفسها تحاول قراءة مزاج الشارع العراقي مرّة أخرى اليوم، والتماشي مع مطالباته بإنهاء حقبة التأسيس الطائفي. وربما تعود القوى نفسها بعد الانتخابات المقبلة للانفصال عن بعضها البعض ولإعلان تشكيلات مذهبيّة الطابع على غرار تجربة "القائمة العراقيّة".

لكن التجارب الكبيرة لا يتمّ تأسيسها كردود فعل انتخابيّة. والحديث عن كتلة عابرة للطوائف في العراق، يجب أن يرتبط برؤية لا تعتمد توافقات فوقيّة بين قيادات سياسيّة، وإنما قبل ذلك إلى اندماج حقيقي وفعّال ودائم بين القواعد نفسها.

لم تشر تجربة العراق السياسيّة خلال الأعوام العشرة الماضية، إلى حصول اندماج على مستوى القواعد والرؤى والأفكار والمناهج الحزبيّة في أية مرحلة من التحالفات السياسيّة.  وهو ما سهّل في كلّ مرحلة الانفصالات المتكرّرة بين المتحالفين بتغيّر البيئة التي ساهمت بتحالفهم.

لا يعني هذا عدم تشجيع التسريبات التي تحاول الحديث عن تحالفات عابرة للطوائف في العراق، لكن من الضروري الحديث عن عدم توريط الجمهور العراقي في مغامرات سياسيّة متكرّرة غير محسوبة ولا تقوم على أسس عميقة ودائمة.

ويبقى الأصل في التأسيس الحقيقي لمستقبل بلد متنوّع إثنياً ودينياً وطائفياً كالعراق، هو ضمان عدالة حقيقيّة وعميقة تشمل الجميع من دون استثناء. وفكرة التحالفات العابرة للطوائف يجب أن تستند إلى فكرة العدالة نفسها، لا إلى معطيات سياسيّة متغيّرة قد تتمّ قراءتها أحياناً باعتبارها محاولات لتقليص مساحة العدالة الاجتماعيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : sunni-shiite conflict, sectarian, saleh, iraqiya
مصطفى الكاظمي كاتب عراقي متخصص في الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الانسان. لديه خبرة واسعة في مجال توثيق الشهادات الحية وأرشفة الأفلام الوثائقية المرتبطة بالممارسات القمعية. كتب العديد من الكتب منها: مسألة العراق، أنشغالات أسلامية ، علي ابن ابي طالب الامام والانسان و اهمها كتاب  ” انشغالات أنسانية “  الذي تم اختياره في عام 2000 من قبل الاتحاد الأوروبي كأفضل كتاب كتبه لاجئ سياسي.  
 
 
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept