نبض العراق

مشروع الفيدراليات العراقية الثلاث .. حل استباقي لم يمر بمرحلة اللامركزية الادارية

p
بقلم
بإختصار
 مشروع الفيدراليات العراقية الثلاث .. حل استباقي لم يمر بمرحلة اللامركزية الادارية

جددت لجنة برلمانية عراقية زارت واشنطن خلال الايام الماضية المطالبة بتقسيم العراق الى اساس ثلاثة اقاليم، كحل لمشاكله الحالية، وهي دعوة كانت تكررت مراراً خلال الاعوام الماضية واعتمدت على فكرة انشاء ثلاثة اقاليم كبرى تتمتع بتجانس ديموغرافي وسياسي (شيعية- جنوب ،وسنية – غرب ووسط، وكردية- شمال).

في الذاكرة الشعبية والاعلامية اقترنت الفكرة باسم نائب الرئيس الاميركي جوزيف بايدن بعد ان كان طرحها عندما كان سناتوراً عام 2007 ولاقت معارضة من لجنة (بيكر – هاميلتون) التي شكلها الرئيس الاميركي السابق جورج دبليو بوش لدراسة الاوضاع في العراق بعد اندلاع الحرب الاهلية العام 2006.

لكن ذلك الاقتران يبدو مضللاً الى حد بعيد، وتم استخدامه اما للدفاع عن الفكرة عبر منحها ابعاد موضوعية ودولية، واما لـ "شيطنتها"  عبر حديث عن ان هدف الحرب الاميركية على العراق العام 2003 هو تقسيم هذا البلد في نطاق "نظرية المؤامرة" التي مازالت فاعلة.

والحقيقة ان فكرة الاقاليم طرحت بصور مختلفة قبل الاحتلال الاميركي للعراق، فكانت من متبنيات القضية الكردية لعقود وتمت ترجمتها بشكل وآخر بمشروع الحكم الذاتي للمناطق الكردية الذي اعلنته السلطات اواسط السبعينات، ومن ثم كانت على جدول اعمال مؤتمر صلاح الدين للقوى العراقية المعارضة عام 1992 ، وبحث في مؤتمر القوى نفسها في لندن العام 2002.

وبعد العام 2003 تم طرح قضية الاقاليم بشكل اكثر وضوحاً، ففي مقابل تحول اقليم كردستان الى امر واقع، فأن قوى شيعية بارزة تصدرها "المجلس الاسلامي الاعلى" تبنت مشروع الاقليم الشيعي باسم "اقليم الوسط والجنوب" بشكل علني ودافعت عنه، في المقابل طرح مشروع الاقليم السني بشكل صريح للمرة الاولى عام 2003 على لسان محافظ الانبار الاسبق فصال الكعود ودفع حياته ثمناً لهذه الفكرة.

النقاشات حول المشروع لم تتوقف بدورها في العراق قبل ان يعيد بايدن طرحه عام 2007 ، كما لم تتوقف بعد ذلك الحين، لكن تطورات حصلت حول متبنيات الطوائف طوال عشر سنوات مضت.

فالشيعة وجدوا ان من العبث تمسكهم بمشروع اقاليم في وقت يسيطرون على الحكومة المركزية بشكل كامل، فانتقل مؤيدوا الاقليم الشيعي الى الاعتراض عليه والدفاع عن دولة مركزية قوية، فيما السنة الذين هاجموا المشروع بدأوا تدريجياً ينتقلون الى تبنيه والدفاع عنه، في مقابل استمرار تمسك الاكراد به كحل للعراق باسره يضمن عدم انتاج سلطة مركزية تعيد انتاج الحكم الشمولي.

وبعيداً عن الخلفيات التاريخية لموضوع تشكيل الاقاليم الفيدرالية في العراق، فأن زيارة الوفد البرلماني العراقي الى الولايات المتحدة كانت مناسبة لاعادة طرح المشروع كحل للازمة السياسية الخانقة التي يعيشها العراق، حيث اكد  رئيس اللجنة القانونية النيابية، خالد شواني في بيان ان "وفداً من اللجنة وخلال زيارته الى الولايات المتحدة التقى بمقر الخارجية الاميركية مع مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الاوسط ومسؤولي ملف العراق في الوزارة لتبادل وجهات النظر حول مستقبل العلاقات بين البلدين في إطار الاتفاقية الإستراتيجية فضلا عن الازمة السياسية في البلاد".

ولفت شواني الى ان "اللجنة ترى في تأسيس ثلاث فيدراليات في العراق سيكون ضمانة لبناء دولة اتحادية موحدة وفق مشروع نائب الرئيس الاميركي جو بايدن".

واوضح ان "وفد اللجنة والمسؤولين الاميركيين اكدوا ضرورة معالجة المشاكل وفق الدستور بما يضمن مشاركة الجميع في صنع القرار واستكمال بناء مؤسسات الدولة الاتحادية".

ويبدو لافتاً ان البيان حاول ايضاً ربط مشروع الاقاليم الثلاثة ببايدن متجاهلاً كل الخلفيات التاريخية السالفة، لكن ذلك ليس جوهر الموضوع بقدر الايحاء بانغلاق الحلول بالكامل في العراق ماعداً حل توزيع النظام الفيدرالي على اساس قومي وطائفي.

فرضية نجاح الفيدراليات الثلاث في حل ازمة العراق يبدو انها تنتمي الى الاحكام المطلقة والعامة المفتقرة الى العمق، وهي الفرضيات نفسها التي اربكت الوضع العراقي منذ العام 2003 وحالت دون تأسيس هوية مستقرة للدولة.

فافتراض ان التجانس المذهبي او القومي في كل اقليم يمكن ان يذيب الصراعات المناطقية والقبلية والسياسية والاقتصادية التي يتوقع ان تنفجر بين المدن وداخل كل مدينة يبدو عمومياً وغير محسوم، مثلما ان مصير التداخل السني الشيعي في مدن البصرة في اقصى الجنوب والموصل في اقصى الشمال اضافة الى مدن ديالى وصلاح الدين وبابل وواسط وكربلاء غير محسوم بدوره، بالاضافة الى ان تخفيف الصراع السياسي حول السلطة في بغداد عبر الاقاليم لن يمنع تفجر صراع من نوع آخر اكثر استعاراً يخص الحدود بين تلك الاقاليم نفسها في ضوء تنازع حدودي كبير بين المدن العراقية، ناهيك عن بروز اشكالية تخص توزيع الثرورة وادارتها.

ومع كل ذلك فأن جوهر المفهوم الفيدرالي مازال موضوع خلاف عراقي كبير، حيث يعتقد المعارضون لها ان الوضع الخاص والمعقد لاقليم كردستان العراق لايمثل بشكل واقعي نموذجاً فيدرالياً وانه اقرب الى الكونفدرالية.

وكل تلك فرضيات بدورها، لكنها في العموم تقفز على تساؤل موضوعي مفاده : هل استنفذ العراقيون كل الحلول البديلة وابرزها على الاطلاق تطبيق نظام لامركزي حقيقي يمنح وضعاً خاصاً لاقليم كردستان وصلاحيات واسعة للوحدات الادارية الاخرى (المحافظات)؟

الجواب بالتأكيد سيكون ، لا، فالقانون الذي يوضح العلاقة بين الحكومة المركزية في بغداد وسلطات المحافظات، لم  يكن جاداً في ضمان نظام لامركزي، ولم يمنح المحافظات استحقاقاتها من الصلاحيات، بل ساهم بدوره في تكريس الصلاحيات لدى سلطة المركز في بغداد وسمح بانتاج الاضطراب السياسي والامني والاقتصادي الذي يعيشه العراق اليوم.

كلمة السر العراقية تكمن في تحويل المحافظات الى وحدات ادارية بصلاحيات واسعة قد تقترب من الصلاحيات الفيدرالية، تحيط ميادين "الامن الداخلي، والاستثمار والاعمار، والخدمات، والتعليم، والخصوصيات الدينية والمذهبية" في مقابل الغاء العديد من الوزرارات المركزية الخدمية والانظمة البيروقراطية التي ورثت من النظام الاشتراكي السابق.

تمكين المحافظات لا يمكن بدوره ان يتم من دون توزيع عادل للثروة وضمان تركز السياسة الخارجية والجيش والامن القومي بيد السلطات المركزية واقرار سلسلة قوانين منظمة ابرزها قانون تشكيل مجلس الاتحاد الذي نص عليه الدستور العراقي ليكون موازياً للبرلمان العراقي ويضبط العلاقة بين المحافظات والاقاليم والسلطة في بغداد.

لم يمر العراق بمرحلة النظام اللامركزي قبل الحكم بفشله والانتقال الى تقسيمه الى ثلاثة اقاليم، وربما يكمن الفشل الامني والتراجع الاقتصادي وانتشار الفساد في عدم المضي بشكل صريح وقانوني وواضح الى خيار الدولة اللا مركزية، وظهور احزاب وقيادات سياسية تحاول التمسك بقوة بالنظام المركزي الشامل.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : biden, bagdad

مشرق عباس كاتب مساهم في نبض العراق على موقع المونيتور. هو كان مدير تحرير مكتب صحيفة الحياة في العراق منذ 2005, وكتبت دراسات ومقالات عن الأزمات العراقية للنشر محلية ودولية. وقد شارك أيضا في تأسيس شركات وسائل الإعلام وإنتاج الأفلام الوثائقية. هو كاتب وصحفي لمدة 15 عاما، وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بغداد.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept