نبض لبنان

رجل دين مسلم يصدر فتوى تيوقراطية في بيروت

p
بقلم
بإختصار
أثار مسؤول ديني عن الطائفة الإسلامية السنية في لبنان ضجة كبيرة في بيروت، حين أصدر قبل أيام قراراً دينياً، أو قتوى، يهدد بموجبها كل مسؤول سني في الحكومة أو المجلس النيابي، باعتباره مرتداً عن الإسلام، إذا ما وافق على قانون  يسمح باختيار الزواج المدني في لبنان. الأمر الذي أعاد طرح السؤال: هل صحيح أن لبنان جمهورية تيوقراطية مقنَّعة؟ وهل "مدنية" الدولة اللبنانية مسألة شكلية كاذبة؟ يوم...

أثار مسؤول ديني عن الطائفة الإسلامية السنية في لبنان ضجة كبيرة في بيروت، حين أصدر قبل أيام قراراً دينياً، أو قتوى، يهدد بموجبها كل مسؤول سني في الحكومة أو المجلس النيابي، باعتباره مرتداً عن الإسلام، إذا ما وافق على قانون  يسمح باختيار الزواج المدني في لبنان. الأمر الذي أعاد طرح السؤال: هل صحيح أن لبنان جمهورية تيوقراطية مقنَّعة؟ وهل "مدنية" الدولة اللبنانية مسألة شكلية كاذبة؟

يوم الاثنين الماضي في 28 كانون الثاني، أعلن الشيخ رشيد قباني بعد اجتماع لرجال الدين السنة، فتوى أكد فيها "أن كل من يوافق من المسؤولين المسلمين في السلطة التشريعية والتنفيذية في لبنان، على تشريع وتقنين الزواج المدني، هو مرتد وخارج عن دين الإسلام، ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين". خطورة هذا الموقف تكمن في أمرين: أولاً أن قباني يشغل منصب مفتي الجمهورية اللبنانية، اي أنه المسؤول الديني الرسمي الأول عن المسلمين السنة في لبنان. وثانياً أن الفتوى بالارتداد عن الإسلام، تعني في الشريعة الإسلامية الدعوة غير الصريحة إلى السماح بقتل الشخص المعني. على قاعدة فقهية إسلامية معروفة تقول بأن "حكم الردة القتل".

القصة بدأت قبل نحو أسبوعين، حين كشفت وسائل الإعلام اللبنانية في 19 كانون الثاني، أن مواطنين لبنانيين، هما خلود سكرية ونضال درويش، وهما مسلمان، قررا عقد زواجهما في بيروت، من دون اللجوء إلى سلطاتهما الدينية المختصة بذلك، بل وفق عقد مدني للزواج في ما بينهما. وهي سابقة غير معروفة في لبنان. ذلك أن الدولة اللبنانية منذ قيامها سنة 1920، ومنذ وضع دستور لها سنة 1926، لم تتبن قانوناً مدنياً موحداً يرعى الأحوال الشخصية لمواطنيها بشكل متساو. بل استندت إلى إحدى مواد هذا الدستور، والتي تنص على حماية حقوق الطوائف اللبنانية المختلفة في إدارة أحوال رعاياها الشخصية، من أجل ترك هذا المجال مقتصراً على صلاحيات المؤسسات الدينية المختلفة. وعبر عقود طويلة أعلنت الدولة اللبنانية اعترافها بثماني عشرة طائفة رسمية، لكل منها قانونها الخاص للأحوال الشخصية، تطبقه على مؤمنيها، بعيداً عن الدولة ومؤسساتها. هكذا يولد المواطن اللبناني بوثيقة مذهبية صادرة عن سلطته الطائفية، ويتزوج لدى طائفته، وتشرِّع له طائفته كيف يرث وكيف يورث، وكيف يتبنى ولداً أو يطلق... إلى ما هناك من مسائل جوهرية في مختلف مراحل حياته، تنظمها سلطات الطوائف، بمعزل عن مؤسسات الدولة اللبنانية. وهذا ما يفرض عملياً منع شخصين من طائفتين مختلفتين من الزواج في لبنان. إلا إذا بادر أحدهما إلى تغيير دينه. وهو ما جعل البعض يختصر الأمر بالقول: حتى حب المسيحي لمسلمة ممنوع في لبنان بموجب القانون !

أكثر من ذلك أعطت الدولة تلك المؤسسات الدينية صلاحيات تشريعية خاصة بها. أي أن كل طائفة تضع بنفسها، وبواسطة سلطتها الدينية، القوانين الخاصة التي تريد أن يخضع لها مؤمنوها، وتكتفي الدولة بتبنيها وإصدارها وكأنها قوانين رسمية لبنانية. هذا فضلاً عن امتيازات أخرى، مثل إعفاء الأملاك التابعة لبعض الطوائف من الضرائب، وكذلك كل ما يعود إليها من استيراد يعفى من الرسوم الجمركية. فضلاً عن اعتبار السلطات الدينية الإسلامية، جزءاً من إدارة الدولة اللبنانية الرسمية. بحيث يتقاضى موظفوها، وما يسمى قضاتها الشرعيون، رواتب من الدولة اللبنانية، بصفتهم موظفين من الفئة الأولى، أو ما يوازي رتبة مدير عام في الدولة. وهو الأمر الذي قيل تاريخياً أن المسلمين وضعوه شرطاً لقبولهم بقيام لبنان منفصلاً عن دولة عربية أو إسلامية أوسع، بين العامين 1920 و1936. وهذا ما يفسر أن المسؤول الديني عن أي من المذاهب الإسلامية في لبنان، يحمل لقب "مفتي الجمهورية".

وعبر عقود طويلة من تاريخ لبنان، حاول كثيرون تغيير هذا الواقع، بالبدء تدريجياً، عبر إقرار قانون اختياري للأحوال الشخصية. اي وضع قانون يسمح لمن يشاء من اللبنانيين، الزواج في لبنان خارج القيد الطائفي والمؤسسات الدينية. علماً أن هذا الأمر قائم عملياً، عبر ذهاب اللبنانيين إلى خارج لبنان، وعقدهم زيجات مدنية هناك، ومن ثم العودة وتسجيل عقد الزواج المدني في بيروت. وهو ما يعد مفارقة غريبة. إذا أن الدولة اللبنانية تقبل تسجيل زواج مدني معقود خارج أراضيها، لكنها ترفض وضع قانون يسمح لمن يشاء بعقد زواج كهذا على أراضيها. حتى أن مسألة طريفة باتت شائعة في بيروت، وتتمثل في الحملات الإعلانية على لوحات الطرق اللبنانية، لشركات سياحية، تعلن عن تنظيم رحلات للزواج المدني في قبرص القريبة، بأسعار مخفضة وتشجيعية !!

سنة 1969 كانت محاولة أولى لطرح مشروع القانون الاختياري للزواج المدني. يومها وقف النائب صاحب الاقتراح على منبر المجلس النيابي صارخاً : "أريد نائباً سنياً واحداً يوقع معي هذا الاقتراح". لكنه لم يجد، قبل أن يرد عليه رئيس الحكومة السني: "هذا مخالف للقرآن". بعدها سنة 1997 كانت محاولة ثانية. إذ نجح يومها رئيس الجمهورية الراحل، الياس الهراوي، في إقرار مشروع قانون اختياري للأحوال الشخصية في مجلس الوزراء. بعدما صوت لصالحه ثلثا الحكومة، كما يقتضي الدستور. لكن رئيس الحكومة يومها، رفيق الحريري، رفض توقيع المرسوم، تمهيداً لإحالته إلى المجلس النيابي للمصادقة عليه. وظل الحريري حتى اغتياله سنة 2005 يحتجز ذلك المرسوم بلا توقيع، خلافاً لأي أصول قانونية أو دستورية.

قبل اسبوعين سجل اختراق ثالث، لكنه الأكثر جدية. إذ لجأ المواطنان المذكوران خلود ونضال،من أجل عقد زواجهما بشكل غير طائفي، إلى محام ناشط في المجتمع المدني من أجل تطوير علمانية الدولة. ووجد المحامي المذكور اجتهاداً قانونياً يقول أن القانون الأساسي الذي سمح للطوائف الدينية باحتكار شؤون مؤمنيها، والموضوع سنة 1936 من قبل الانتداب الفرنسي للبنان، كان قد نص على ضرورة وضع قانون لاحق للأفراد الذين يريدون البقاء خارج أي مؤسسة دينية. لكن هذا القانون لم يوضع. وبالتالي اعتبر المحامي نفسه، انه يمكن اللجوء إلى قانون العقود التجارية والمدنية اللبناني، للاستعاضة به عن القانون المفقود. فنظم زواج الشاب والفتاة وفق هذا القانون وأرسله إلى السلطات الرسمية لتصديقه، مما فجر المشكلة وأربك المسؤولين الرسميين ودفع رجل الدين المذكور إلى ثورتهه. حتى أن رئيس الحكومة الحالية، نجيب ميقاتي أعلن في جلسة لحكومته في 22 كانون الثاني، وبغضب ظاهر، رفضه مناقشة المسألة وتأكيده أن أي قانون اختياري للزواج المدني لن يطرح طالما هو رئيس للحكومة.

تفاعل الموضوع بشكل كبير بين اللبنانيين. واحتل مساحات شاسعة على صفحات الإعلام الاجتماعي. كما أثار موجة سخط كبيرة لدى الناشطين من أجل علمانية الدولة. لكن بعض المسرولين يقول أن القضية مفتعلة. فالشيخ قباني الذي أثار الضجة المذكورة، أمامه استحقاق انتخابي بعد أسابيع، لاختيار مفت جديد أو التجديد له في موقعه. وهو يواجه صعوبات كبيرة على هذا الصعيد. فضلاً عن كون اسم ابنه قد ارتبط منذ عامين بملفات فساد كثيرة طاولته هو أيضاً. ولذلك يوحي البعض بأن الضجة التي أثارها هذا الشيخ هي من نوع المزايدة المذهبية وإثارة العصبيات بما قد يساعد على إعادة انتخابه وبقائه في منصبه. غير أن ذلك لم يخف الجزء الآخر من المعضلة: كيف تكون الدولة اللبنانية دولة غير تيوقراطية، طالما أن المؤسسة الدينية هي جزء من مؤسسة الدولة، وطالما أن تلك المؤسسات تملك حق الشتريع الخاص بمعزل عن الدستور والقوانين اللبنانية، وطالما أن المواطن اللبناني لا يخضع للدولة في اي من أحواله الشخصية، بل لمؤسسته الدينية مباشرة، من دون حقه ولو باختيار سبيل آخر، تحت طائلة تهديده بفتوى القتل؟؟  مسألة تضاف إلى ظاهرة التطرف الديني والأصولي المحيطة بلبنان، بما يرسم علامات مقلقة، لا يخرقها إلا أشخاص شجعان، مثل خلود ونضال، اللذين استحقا أكثر من مبروك !

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : theocracy, marriage, fatwa

جان عزيز كاتب مساهم في صفحة "نبض لبنان" على موقع المونيتور. وهو كاتب عمود في صحيفة الأخبار اللبنانية ومقدم برنامج حواري سياسي أسبوعي على محطة OTV التلفزيونية اللبنانية. وهو يدرّس أيضًا الإعلام في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) وجامعة الروح القدس - الكسليك في لبنان.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept