بعد الحضور الدبلوماسي والعسكري لموسكو في المتوسّط ومنطقة المشرق، كان طبيعياً أن يأتي دور الحضور الكنسي. فروسيا التاريخيّة حملت دوماً راية النسر ذي الرأسَين الاثنَين: الدولة والكنيسة. وهو ما تجسّد في الأيام الماضية في بيروت. المتروبوليت هيلاريون مسؤول العلاقات الخارجيّة في الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة أو وزير خارجيّتها، زار العاصمة اللبنانيّة والتقى مسؤولين رسميّين وسياسيّين ودينيّين وحمل أكثر من رسالة. أبرزها أن موسكو قرّرت التصرّف فعلياً كما لو أنها حامية للجماعات المسيحيّة في الشرق ومدافعة عنها وممثلة شرعيّة وربما وحيدة لهذه الجماعات على المستوى الدولي.
في لقاء مغلق عقده في مقرّ إقامته في أحد فنادق العاصمة اللبنانيّة وشارك فيه "المونيتور"، تحدّث المتروبوليت هيلاريون بوضوح كامل عن خلفيات زيارته وأهدافها. بدأ بتقديم وجهة النظر الروسيّة الرسميّة حول "ما سمّي الربيع العربي، فهو ليس عمليّة طبيعيّة ناتجة عن تطوّرات داخليّة في الدول التي شهدت أحداثه. ما حصل كان أقرب إلى مخطّط خارجي نفذته جهات خارجيّة للسيطرة على هذه الدول، بدءاً من حرب العراق سنة 2003". واعتبر أن نتيجة ذلك "لم يكن وصول الديمقراطيّة إلى تلك البلدان، بل سيطرة الفوضى الكاملة التي كان مسيحيّو هذه الأوطان أوّل من دفع ثمنها، اضطهاداً وقتلاً وتهجيراً". وذكر أنه وفق معلومات كنيسته، تسعة أعشار مسيحيّي العراق هُجّروا منه نتيجة حربه. الأمر نفسه حصل لاحقاً في ليبيا ومن ثم مصر أخيراً، والآن سوريا. فحيث يسيطر مسلحو المعارضة يُفرض على المسيحيّين الهجرة أو الموت. كأن تقاطعاً في المصالح حصل بين بعض إدارات الغرب العلمانيّة بالكامل وبين أنظمة الخليج الإسلاميّة، للذهاب في هذا الاتجاه". وخلص هيلاريون إلى التأكيد على أن من أهداف ومبادئ ومصلحة روسيا الاتحاديّة "بقاء مسيحيّي الشرق في بلدانهم وتعايشهم السلمي مع مواطنيهم المسلمين، بعيداً عن محاولات الزعزعة الخارجيّة". وشرح أن في ذلك أهميّة قصوى لروسيا نفسها حيث تعيش جماعات مسلمة كثيرة، كذلك لكنيسته ذاتها التي تمتدّ على أكثر من دولة من روسيا إلى أوكرانيا وبيلاروسيا وصولاً إلى مولدوفيا ودول البلطيق ودول آسيا الوسطى. وهي بالتالي تعرف بهذا الانتشار الكنسي، مناطق يعيش فيها المسيحيّون كأكثريّة بالإضافة إلى مناطق أخرى يعيشون فيها كأقليّة. لذلك فإن نجاح مسيحيّي الشرق في تعايشهم مع مواطنيهم المسلمين ضرورة ونموذج حيوي لرعايا الكنيسة الروسيّة المجاورة، كما للدولة الروسيّة نفسها. وإذ دعا مسيحيّي الشرق إلى "الصمود في أرض أجدادهم وإلى عدم الهجرة والحفاظ على نموّهم الديموغرافي، وخصوصاً إلى الوحدة في ما بينهم كمسيحيّين"، أكّد وقوف موسكو كنيسة ودولة إلى جانبهم مكرراً "لن نترككم. لن تكونوا وحدكم".
لكن بمعزل عن الكلام المعلن للضيف الروسي، لفتت أكثر من مسألة في زيارة الأسقف الموسكوبي إلى بيروت، أولها اختيار هذا الرجل لهذه المهمّة. فالمسؤول الكنسي الأرثوذكسي شاب في الخامسة والأربعين من عمره، صعد في هرميّة كنيسته بشكل صاروخي وفي فترة زمنيّة قصيرة نسبياً حتى بات يشغل اليوم المنصب نفسه الذي كان قد شغله بطريرك موسكو الحالي كيريللس، قبل وصوله إلى سدّة البطريركيّة. وهو ما يؤهله لمتابعة طويلة المدى للملفات التي يتولاها، ويفتح أمامه أيضاً مستقبلاً واعداً في كنيسته. ثم إن كفاءة هيلاريون لشغل وظيفته واضحة: يتقن سبع لغات، ومطّلع على مختلف ملفات السياسة الدوليّة، ومتحدّث لبق ودبلوماسي مميّز... لكن نقطة أخرى بدت واضحة أكثر في كلامه ألا وهو ذكره المتكرّر والمكثّف لاسم [الرئيس الروسي فلاديمير] بوتين، عند كل فقرة وفكرة. حتى بدا وكأنه مسؤول رسمي أكثر منه كنسي. وهو ما أعطى أكثر من بعد لطبيعة وجوده في هذا الموقع الكنسي، كما لطبيعة حركته في اتجاه المنطقة.
مسألة ثانية كانت لافتة، وهي تركيز الأسقف الروسي على وحدة المسيحيّين. وهو ما ترجمه باجتماع مطوّل مع البطريرك الماروني في لبنان، رئيس أكبر كنيسة شرقيّة تابعة لروما. ولم تكن مصادفة ربما، أن المتروبوليت هيلاريون غادر من بيروت إلى روما حيث كان له موعد مقرّر مع البابا فرنسيس صباح الاثنين في 11 تشرين الثاني/نوفمير الجاري. اجتماع مع رأس الكنيسة الكاثوليكيّة في العالم، سيكون وضع مسيحيّي الشرق في طليعة جدول أعماله، بحسب ما قال هيلاريون. لكأن موسكو دولة وكنيسة، تفكّر كالآتي: كما شكّلت الأزمة السوريّة الكيميائيّة فرصة لنوع من "مصالحة" روسيّة-أميركيّة مهّدت لعودة قويّة لموسكو إلى الساحة الدوليّة شريكاً على مستوى القطبيّة العالميّة، كذلك يمكن لمسألة مسيحيّي الشرق أن تقدّم الفرصة لموسكو أيضاً لتحقيق "مصالحة" كنسيّة أرثوذكسيّة-كاثوليكيّة قد تكون ضروريّة وحيويّة لروسيا نفسها من أجل استكمال عوامل هذه العودة شرق أوسطياً وأوروبياً وعلى المستوى العالمي. ففي ظلّ انحسار البعد المسيحي في السياسات الغربيّة ومع تقدّم المنسوب الإسلامي في هويات وسياسات ودول العالم الإسلامي، قد تكون تلك المصالحة بين موسكو والفاتيكان فرصة للأولى من أجل تكريس نفسها قطباً مسيحياً في مواجهة العالم الإسلامي على مستوى كوكبنا بكامله.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.