من مفارقات الوضع العراقي وهو أمر نادر تاريخياً أن المرجعيّة الدينيّة في النجف لم تطالب بالحكم الديني بل هي تخالفه مخالفة شديدة، في حين أن الحكومة العراقيّة ذات الميول الدينيّة تتّجه نحو استخدام الشعارات والمطالبات الدينيّة لتغطية فشلها في الحكم. وحين تطالب مرجعيّة النجف الحكومة بالعمل على تحقيق المطالب المدنيّة للمواطنين، تواجَه بتهديدات وبهجوم عنيف من قبل الحكومة، وذلك بأشكال مختلفة.
لقد صرّح آية الله علي السيستاني في أكثر من مرّة منذ بدء العمليّة السياسيّة في العراق ما بعد العام 2003، أنه يطالب بدولة مدنيّة في العراق وأنه ضدّ استخدام الدين أو رجال الدين في المجال السياسي. وعليه، لم يسمح لأي من المنتمين إلى مرجعيّته من الدخول في العمليّة السياسيّة بشكل مباشر أو غير مباشر، كذلك لم ينحز لأي جهة من الجهات السياسيّة. وقد اكتفى بتقديم النصح للحكومة، بهدف حثّها على القيام بمسؤولياتها المدنيّة تجاه المواطنين.
في آخر تصريح لشخصيّة حكوميّة ضدّ مرجعيّة النجف، قال أحد الأعضاء البارزين في ائتلاف "دولة القانون" عزّت الشابندر إن المرجعيّة لا تملك أيّ صلاحيّة لتنتقد عمل الحكومة وتعترض على فشلها في الإدارة، وثمّة ضرورة لوضع حدّ لجميع المنابر التي تحاول تشويه سمعة الحكومة العراقيّة. وحين وُجّهت له انتقادات واسعة، ردّ بأنه ليس الوحيد الذي ينتقد المرجعيّة، بل إن عدداً كبيراً من قادة الائتلاف لديهم الرأي نفسه لكنهم لا يصرّحون به. وقد سبق هذه التصريحات قيام السيستانيمنذ سنتَين بإغلاق بابه في وجه الحكومة العراقيّة ولم يسمح لأي شخصيّة حكوميّة بلقائه، معبراً بذلك عن سخطه وعدم رضاه عن الأداء الفاشل للحكومة. وفي خلال هذه الفترة كشف الممثلان الرسميّان للسيستاني في كربلاء السيّد أحمد الصافي والشيخ عبدالمهدي الكربلائي، عن رؤيته للأوضاع العامة في البلاد. فقد انتقد السيّد أحمد الصافي في الرابع من آب/أغسطس الجاري الوضع الأمنيّ المنهار في البلاد وسوء الخدمات الاجتماعية التي يحظى بها المواطنون، مطالباً الحكومة العراقيّة بأن تتمتّع بقليل من الشعور الوطني والإحساس بالمسؤوليّة. وفي وقت لاحق، اعتبر الشيخ عبد المهدي الكربلائي عمليّة تهريب السجناء من سجنَي التاجي وأبو غريب "فضيحة"، مطالباً باتخاذ إجراءات مؤثّرة من قبل الحكومة لضبط الوضع العام في البلاد.
وكان السيستاني قد طالب في خلال اعتصامات المناطق السنيّة في العراق، الحكومة العراقيّة بالاستماع إلى مطالب المتظاهرين والتفاعل معها إيجابياً، محذراً من استخدام العنف تجاههم. وقد منع مكتب السيستاني الحكومة العراقيّة من حلّ البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة، إذ من شأن ذلك أن يؤثّر أكثر على تهميش السنّة وأن يؤدّي إلى صعود عدد أكبر من المتشدّدين من كلّ الجهات في البرلمان المقبل، في ظلّ الظروف المتأزّمة التي تشهدها البلاد.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.