أحيا لبنان قبل أيام الذكرى الثامنة والثلاثين لاندلاع حربه الأهلية في 13 نيسان 1975. لكن اللافت أن فعاليات المناسبة تمت فيما لبنان من دون حكومة، ويكاد يكون بلا برلمان، والبعض يرجح أنه يتجه نحو أزمة انتخابات رئاسية بالتأكيد ايضاً في أيار 2014... إلا إذا نجحت المبادرة السعودية الأخيرة. فهل هناك فعلاً مبادرة من هذا النوع؟
بدأ الحديث عن خطوة سعودية توفيقية بين القوى اللبنانية المتصارعة، بعد استقالة رئيس الحكومة الأخيرة نجيب ميقاتي في 22 آذار الماضي. إذ تحدث كثيرون عن أن السعوديين كانوا من بين الجهات الدولية التي شجعت ميقاتي على الاستقالة، أو حتى طلبتها منه. بعدها سجل دور سعودي واضح في تسمية الشخص الذي كلف تشكيل الحكومة الجديدة. فقبل أن تُجرى الخطوات الدستورية اللازمة لذلك، سافر نائب بيروت تمام سلام إلى الرياض، والتقى هناك عدداً من المسؤولين السعوديين، أبرزهم مسؤول الاستخبارات السعودية بندر بن سلطان. بعدها تمت الخطوات الدستورية، وكأنها شكلية، وأُعلن سلام كرئيس حكومة مكلف جديد. حتى أن أحد أبرز أمراء الحرب السابقة، زعيم طائفة الدروز، وليد جنبلاط، قال صراحة أن بندر كان قد طلب منه تسمية شخص آخر ليخلف ميقاتي، لكنه تمكن هو من إقناعه باختيار سلام، وهكذا كان. عند هذا الحد انطلق الكلام عن وصاية سعودية جديدة على لبنان. وتعددت التفسيرات المعطاة لها. البعض قال أن الاندفاعة السعودية جاءت لترث الدور السوري الذي تراجع طيلة سنتين من حروب دمشق الأهلية، ووصل اليوم إلى حالة الانعدام الكلي في لبنان. بعض آخر قدم نظرية "النقزة" السعودية من الدور القطري في سوريا وامتداداً في لبنان. إذ أن الأموال القطرية تذهب إلى قوى جهادية منفصلة عن تلك التي تدعمها السعودية، وتؤدي إلى تكوين حالات أصولية غير منضبطة، يخشى السعوديون أن تتحول مسخاً يرتدعليهم كما حصل مع "الأفغان العرب" وبدايات تنظيم "القاعدة" واسامة بن لادن ابن "النظام" في ولادته. نظرية ثالثة قالت بالانتباه المتأخر للسعودية إلى حوض الغاز المكتشف في شرق البحر الأبيض المتوسط، وقرارها في الآونة الأخيرة، عدم ترك هذا المعطى الاستراتيجي الجديد، لمنافسين لها، أكانت قطر أو تركيا أو حتى روسيا.
أياً كان السبب والدافع، يظل واضحاً أن السعودية عادت لتلعب دوراً محورياً في بيروت اليوم. لكن اللافت أنها تحرص في الشكل على ما يبدو، على ألا تظهر في مظهر الوصية الجديدة، كما على ألا تبدو في موقع المنحاز إلى الفريق السني التابع لها، في صراعه السياسي مع الأفرقاء اللبنانيين الآخرين، وخصوصاً الشيعة والمسيحيين. هكذا كان السفير السعودي في بيروت، على عواض العسيري، يؤكد طيلة الأسبوعين الماضيين، ان المطلوب "حكومة ترضي الجميع". وفي حديث خاص ذكر لي العسيري أن دولته تعمل على التوفيق بين جميع اللبنانيين من دون استثناء. حتى أنه بدا جازماً في نفي رواية جنبلاط عن تدخل مسؤول استخبارات بلاده لتسمية رئيس الحكومة اللبنانية الجديد. وإذ أبدى استغرابه لكلام جنبلاط هذا، وعدم معرفته بالأسباب التي يمكن أن تكون دفعته إلى قوله، شدد على أن بندر بن سلطان غير معني بالملف اللبناني في الرياض. ذلك أن الموضوع اللبناني بحسبه، محصور تعاطيه في وزارة الخارجية السعودية، بين الوزير سعود الفيضل، ونائبه عبد العزيز بن عبدالله . علماً أن في تسمية المسؤول السعودي الأخير كأحد المعنيين بملف بيروت في الرياض، إشارة ذات دلالة بالغة. ذلك أن عبد العزيز هو نجل الملك السعودي الحالي، وهو أحد آخر الأصدقاء السعوديين للرئيس السوري بشار الأسد، وموفد السعودية الأبرز إلى دمشق أيام التفاوض بين البلدين على تسوية للأزمة اللبنانية. وحرص السفير السعودي على الإعراب لي بحزم، عن تفاؤله بالحقبة المقبلة لبنانياً.
هذا التفاؤل تزامن لبنانياً مع مساع سعودية واضحة لتدعيم مهمة تمام سلام، المكلف تشكيل الحكومة الجديدة. خصوصاً بعد ظهور صعوبات في طريقها، نتيجة الفريق الحريري الحليف التقليدي للسعودية، في عدم إعطاء خصومه المسيحيين أو الشيعة الحصص الموازية لتمثيلهم ضمن الحكومة المقبلة. إذ كان لافتاً أنه في مواجهة هذا التصلب من قبل "الوكلاء المحليين" للرياض في بيروت، طلبت السعودية محاورة هؤلاء الخصوم مباشرة. وترجم هذا الطلب في توجه رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الدين الحريري إلى باريس، للقاء البطريرك الماروني بشاره الراعي الموجود هناك لموعد مقرر له مع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند. علماً أنها المرة الأولى التي يلتقي فيها الحريري بطريرك الموارنة منذ كانون الثاني سنة 2011، تاريخ إستقالة حكومة الحريري. وفي معلومات خاصة لموقعنا أن رجل السعودية الأول في بيروت، فاتح المسؤول الكنسي الأقوى في لبنان، بنية فريقه التعاون مع الجميع والانفتاح لتمرير أزمات تشكيل الحكومة والاتفاق على قانون انتخابات ومن ثم إجراء الانتخابات. وفي الوقت نفسه، علم موقعنا أن اتصالات بعيدة عن الإعلام، جرت بين دبلوماسيين سعوديين في بيروت وبين مسؤولين قريبين من حزب الله، التنظيم الشيعي الأقوى لبنانياً، والمناوئ الأبرز للفريق السني الحريري. كما أن لقاءات مماثلة حصلت بين السعوديين وبين مسؤولين من تيار الجنرال ميشال عون، الزعيم المسيحي الأقوى. وعلى الخطين، أعرب السعوديون عن رغبتهم في إطلاق حوار لبناني جامع يؤدي إلى حل لبناني شامل.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.