تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هجوم إدلب... فاتورة إنسانيّة مرتفعة

تثار مخاوف من أزمة إنسانيّة قد يتسبّب بها هجوم واسع على إدلب، فيما تبدو قدرات المنظّمات الإنسانيّة التي تعدّ خطط الاستجابة ضئيلة أمام الأزمة المتوقّعة.
GettyImages-1016749078.jpg

إدلب – سوريا: يحمل أحمد بركات (35 عاماً) ما بقي سليماً من مقتنيات منزله المدمّر في وسط بلدة "أورم الكبرى"، على بعد 36 كيلومتراً غربيّ مدينة إدلب، وحيث تحوّل مربّع سكنيّ يحوي أكثر من 15 منزلاً ريفيّاً إلى أكوام من الحجارة والأسقف المهدّمة، بفعل ثلاث غارات روسيّة استهدفت البلدة يوم الجمعة الماضي في 10 آب/أغسطس.

لقد زار "المونيتور" البلدة في 14 آب/أغسطس. ورغم مرور أيّام على الحادثة، لكنّ طواقم الدفاع المدنيّ لا تزال تعمل على إزاحة الأنقاض وفتح الطرق، بالتعاون مع السكّان.

وقال بركات، الذي تغطّي طبقة من الغبار شعره ووجهه، وعيناه محمرّتان، والتعب والحزن ظاهران على تراسيم وجهه، في حديث لـ"المونيتور"، بينما كان يهمّ للرحيل على متن سيّارة تحمل بعضاً من بقايا منزله: "في لحظة واحدة، تتحوّل حياتك إلى جحيم... قبل مغيب شمس يوم الجمعة، جاءت الطائرة وقصفت حارتنا، كنت أظنّ ذلك محض أحلام، لكنّه حقيقة بالفعل (...) العشرات من جيراني قتلوا وأصيبوا، عائلة كاملة من آل العبود لم يبق منها أحد".

أضاف: "لم يعد منزلي صالحاً للسكن، رغم أنّه لم يدمّر بشكل كامل، سأذهب لأقطن عند أقاربي، ريثما أجد مكاناً آوي إليه".

قتل في بلدة "أورم الكبرى" 36 شخصاً، نصفهم تقريباً من الأطفال، من جرّاء الغارات، والذهول بادٍ على وجه كلّ من يمرّ في موقع "المجزرة"، وهو وصف يطلقه الأهالي، عندما يتجاوز ضحايا القصف العشرات.

تشرف كلٌ من روسيا وتركيا وإيران على اتفاق خفض التصعيد. ومنذ دخول منطقة إدلب الاتفاق في 15 أيلول/سبتمبر من عام 2017، كان هناك انخفاض ملحوظ في عدد "المجازر"، رغم أنّ القصف وتحليق الطيران لم يتوقّفا تماماً.

ووصل إلى أنقرة وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف، في 14 آب/أغسطس، للبحث في ملف إدلب ومواضيع أخرى، وقال في مؤتمر صحافيّ مشترك مع نظيره التركيّ مولود جاويش أوغلو: "نأمل بحلّ مسألة إدلب من خلال التعاون... والتغلّب على الجماعات الإرهابيّة بما فيها جبهة النصرة".

وحذّر مولود جاويش أوغلو من قصف إدلب، وقال: "إنّ قصف كلّ إدلب وقصف المستشفيات والمدارس وقصف المدنيّين وقتلهم بذريعة وجود إرهابيّين سيخلق أزمة خطيرة".

وجاءت مجزرة أورم الكبرى ضمن موجة من التصعيد بالطائرات الحربيّة والمدفعيّة الثقيلة، كانت قد بلغت ذروتها يوم الجمعة في 10 آب/أغسطس، حيث استهدفت سلسلة من الغارات بلدات ومدناً عدّة في محافظة إدلب، الأمر الذي تسبّب أيضاً بمقتل 9 أشخاص في مدينة خان شيخون - جنوب إدلب، إضافة إلى عشرات الضحايا والجرحى الذين سقطوا في بلدات أخرى عدّة.

تسيطر فصائل المعارضة على هذه المنطقة، التي تضمّ محافظة إدلب، إلى جانب مساحات صغيرة من أرياف حلب وحماة واللاذقيّة المجاورة. بينما يتوعّد رئيس النظام السوريّ بشّار الأسد باستعادة هذه المنطقة، فهي على رأس أولويّات جيشه، بعد استعادته درعا والقنيطرة جنوب البلاد.

ويخيّم هدوء حذر على محافظة إدلب، بعد التصعيد الدامي يوم الجمعة، الذي خلّف 53 قتيلاً وعشرات الجرحى، في مناطق متفرّقة، الأمر الذي يثير مخاوف من حجم الفاتورة الإنسانيّة من قتلى ومصابين ومشرّدين، والتي قد يتسبّب بها هجوم على إدلب، التي يقطنها 3.6 مليون نسمة من بينها مليون طفل.

وحذّر مدير منظّمة الدفاع المدنيّ السوريّ رائد الصالح من أنّ العدد الكبير للسكّان والنازحين القاطنين في إدلب، قد يسبّب "الكارثة الأكبر من نوعها في سوريا"، إذا ما حصل هجوم عسكريّ على المحافظة، وقال لـ"المونيتور" في اتصال عبر الإنترنت: "نحن مستعدّون وجاهزون للقيام بعملنا، وإنقاذ الأرواح (..). على مرّ السنوات الماضية، استجبنا للعديد من الأزمات في سوريا، لكنّ اليوم في إدلب هناك كثافة سكانيّة هي الأكبر”

وتعمل منظّمة الدفاع المدنيّ السوريّ المعروفة باسم "الخوذ البيضاء" على إجلاء الضحايا وإسعافهم إلى المستشفيات عقب كلّ عمليّة قصف. ولديها في محافظة إدلب حوالى 80 مركز إنقاذ وإطفاء، حسب رائد الصالح.

وإضافة إلى الخوذ البيضاء، فإنّ منظّمات إنسانيّة أخرى، مثل: "إحسان للإغاثة والتنمية" و"بنفسج" و"مرام للإغاثة والتنمية" و"Syria charity" وغيرها تعمل على إقامة المخيّمات وتأمين الغذاء والشراب، في حال حصول موجات نزوح للسكّان. وتعقد منظمة "منسّقو الاستجابة شمال سوريا" كلّ شهر اجتماعاً مع المنظّمات بهدف تبادل الإحصاءات وتقييم الوضع ورسم الخطط.

وقال مدير منظّمة "منسّقو الاستجابة شمال سوريا" محمّد الشامي لـ"المونيتور": "لا تستطيع المنظّمات العاملة في إدلب احتواء الأزمة الإنسانيّة التي قد تحصل من جرّاء الهجوم الواسع الذي يجري الحديث عنه (...)، الأمر يفوق استطاعة المنظّمات، إنّه يتطلّب جهوداً دوليّة وحكومات".

وأشار محمّد الشامي إلى أنّ موجة من النزوح قد بدأت بالفعل، في المناطق القريبة من خطّ التماس بين المعارضة والنظام جنوب إدلب، موضحاً أنّ 3 آلاف عائلة نزحت في 14 آب/أغسطس بفعل القصف المتبادل هناك.

وفي هذا السياق، قال عضو إدارة منظّمة "بنفسج" فؤاد سيّد عيسى لـ"المونيتور": "بدأنا بالفعل بدراسة مجموعة من السيناريوهات التي قد تحصل في إدلب، بالتعاون مع منظّمات إنسانيّة عدّة، وكلّ ذلك يقع في إطار التحضير والدراسة لا أكثر".

أضاف:" لم ننشء مخيّمات تحسّباً للهجوم، فليست لدينا القدرة على ذلك (..). نحن لا نستطيع تحمّل أعباء أيّ كارثة إنسانيّة جديدة قد تحصل، لأنّنا مع المنظّمات الأخرى لم نتمكّن حتّى الآن من استيعاب الكوارث السابقة التي حصلت نتيجة تهجير سكّان من غوطة دمشق وحمص ودرعا وغيرها...".

وتضمّ محافظة إدلب كلّ المُهجّرين الرافضين إجراء تسوية مع النظام في مناطقهم التي سيطر عليها، ففضّلوا النزوح إلى هنا، حيث تسيطر المعارضة، الأمر الذي يشير بقوّة إلى أنّ أيّ مواجهة عسكريّة ستكون دامية، إذ ليس لهؤلاء مكان آخر يذهبون إليه، فيبدو الحديث عن اتفاق أو تفاهم بين المعارضة والنظام حول إدلب أمراً مستبعداً.

وفي هذا السياق، قال ناجي أبو حذيفة، الناطق باسم الجبهة الوطنية للتحرير، وهي أكبر تحالف لفصائل المعارضة في إدلب:" نحن لا نأمن جانب النظام ولا نثق بالروسي ونستعد لأي هجوم (..) وقمنا بتعزير خطوط الدفاع على الجبهات كافة، وأعددنا خططاً عسكرية دفاعية وهجومية".

وأضاف في تصريح صحفي:" قد نتفاهم مع النظام سياسياً إذا تحققت أهدافنا"، وكان "أبو حذيفة" قد وضح لـ "المونيتور" في 6 تموز/يوليو إن " الجبهة الوطنيّة للتحرير تلتزم بأهداف الثورة السوريّة ومبادئها، وتسعى إلى إسقاط نظام بشّار الأسد ومحاسبته على إرهابه وقتله الشعب السوريّ".

More from Mohammed al-Khatieb

Recommended Articles