تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"موسيقى الزبالة"... شادي رباب يحوّل المخلّفات إلى آلات موسيقيّة

جيتار وساكس فون وفلوت وناي وغيرها.. آلات موسيقية لا تشبه غيرها وأنما صنعت من القمامة.
ShadyRabab.jpg

الأقصر - بالنسبة لمحمّد طه، البالغ من العمر 7 سنوات، يمكن أن تتدفق الموسيقى بسهولة من زجاجة بيبسي فارغة أو ماسورة ستارة نافذة.

كان طه أحد جامعي القمامة - حتى قابل شادي رباب ، وهو شاب لديه فكرة غير تقليدية عن تعليم أطفال الشوارع طريقة العزف وصنع آلات موسيقيّة من القمامة.

يتنافس مشروع "كونسرفتوار الزبالة" ضمن 5 مشاريع للتصفيات النهائيّة على لقب "أبطال الأرض الشباب" للأمم المتّحدة، ضمن مسابقتها للمهتمّين بالبيئة. فكرة "كونسرفتوار الزبالة" الذي يشارك في التصويت منذ 18 حزيران/يونيو الجاري، تبدو غير عاديّة... فرقة موسيقيّة من 70 طفلاً من جامعي القمامة يعزفون الموسيقى على آلات متنوّعة مصنوعة من القمامة نفسها.

في مشهد يبدو كمعلّم وسط أتباعه، يجلس شادي رباب (27 عاماً)، في الساحة الفسيحة أمام تمثالي ممنون، ليعلّم 4 أطفال من جامعي القمامة، طريقة العزف وصنع آلات موسيقيّة. يمسك رباب بمزمار (فلوت)، واضعاً إلى جانبه قيثارة وساكسفون وناي. يدرّب الأطفال على طريقة الأداء بهذه الآلة والتحكّم في الصوت من خلال الثقوب.

بالنظر إلى شكلها، يكتشف الأطفال هذه الآلات سريعاً، "فالقيثارة كانت زجاجة بيبسي فارغة، وهذا الفونكي هو ماسورة ستارة نافذة، باعوها له ضمن مجموعة من الخردوات أخيراً"، كما يقول محمّد طه لـ"المونيتور".

يعرف رباب هؤلاء الأطفال جيّداً منذ فترة ليست قصيرة. فخلال العام الماضي، كانوا يرتادون مركزه "رباب الأقصر" مرّة كلّ أسبوع تقريباً، ليبيعوه بعض الخردوات التي يجمعونها، والتي يستخدمها رباب في مشروعه الضخم الذي أطلقه لصناعة آلات موسيقيّة من القمامة.

يدير شادي مركز "رباب الأقصر" الذي افتتحه منذ عام مع 4 من أصدقائه، وهو مركز لعرض الآلات الموسيقيّة التي يصنعها من القمامة. على جدران المعرض، آلات موسيقيّة معلّقة تبدو غريبة: قيثارة مصنوعة من أسطوانة خشبيّة قديمة وأوتار، آلات نفخ موسيقيّة مصنوعة من زجاجات البلاستيك، ماسورة معدنيّة ومنظّم أسطوانات بوتجاز أصبحتا معاً آلة ساكسفون، وماسورة كهرباء ملفوفة بأحبال، تتحوّل إلى مزمار أيضاً، إضافة إلى بعض عصي البامبو المغطّاة بجلود الأسماك، والتي تحوّلت إلى ناي.

يبدو موقع المركز ملهماً، فعلى الجانب الآخر يقع تمثالا ممنون الشهيران بقصّتهما الطريفة، إذ أنّه حين تصدّع التمثال الأيسر في عهد الحكم الإغريقيّ، بدأ يخرج أصواتاً وكأنّها عزف حزين، نتيجة مرور الهواء من شقوقه.

ويشرح رباب، الذي يعزف الموسيقى منذ 13 عاماً، لـ"المونيتور": "بدأت الفكرة في رغبتي في افتتاح مكتبة للآلات الموسيقيّة، تضمّ أكبر عدد من الآلات وأغربها، لكنّني اكتشفت أنّني ليس لديّ المال الكافي لتنفيذ المشروع"، متابعاً: "البداية كانت فكرة مجنونة، أردت تحويل ربابة لديّ إلى آلة موسيقى كهربائيّة (إلكتريك)، كنت في حاجة إلى بيك أب (pickup) ينقل أصوات الموسيقى، لكنّني اكتشفت أنّ سعره يتخطّى الـ800 جنيه".

يبدأ رباب بالبحث عن طريقة عمل الـ"بيك أب" على الإنترنت. "وجدت الأمر سهلاً، حيث أنا فقط في حاجة إلى مغناطيس صغير وسلك نحاسيّ. بحثت عن بائع خردوات وطلبت منه هذه المكوّنات، فأعطاني إيّاها مقابل 3 جنيهات (0,17 دولاراً)".

يحاول صناعة الـ"بيك آب" بحسب الوصف على الإنترنت، وتنجح التجربة، ويقول: "كنت سعيداً جدّاً. لم يكلّفني الـ"بيك آب" سوى 3 جنيهات فقط، بدلاً من 800 جنيه (44,85 دولاراً)".

يحاول رباب بعد ذلك صناعة مزمار (كلارينت)، يذهب إلى الترعة القريبة منه ويجمع حزمة من سيقان البامبو الذي ينمو على جنباتها، ويتمكّن من صناعته في المنزل.

ويقول: "اكتشفت حينها أنّه يمكنني أن أصنع الكثير من الآلات من القمامة. يمكنني استغلال الهواء في زجاجة البيبسي الفارغة من أجل صناعة آلات النفخ. هناك منطق في الموسيقى، هو أنّ كلّ شيء يمكن أن يخرج صوتاً".

في غرفة جانبيّة في المركز، تقع الورشة التي يصنع فيها رباب آلاته الموسيقيّة. تضمّ الورشة آلات خراطة وقطع وعلب طلاء وبعض السكاكين، إضافة إلى بعض المواسير وزجاجات المياه الفارغة ومخلّفات أخرى يعمل عليها لتحويلها إلى آلات موسيقيّة.

ويقول رباب بابتسامة: "أنا عازف وصانع موسيقى من الزبالة".

يتذكّر رباب آلة تشبه القيثارة صنعها من علبة كعك معدنيّة كانت لجدّته، وأطلق عليها في ما بعد اسم "فريدة" على اسم جدته. آلات أدخلها بنفسه أيضاً يمنحها أسماء أشخاص محيطين به، فإلى جانب فريدة، هناك مملوكة، وهي آلة وتريّة صنعها من الجلد والخشب والأوتار، وهناك فرح، وهي آلة نفخ صنعها أيضاً من زجاجات البلاستيك.

وحتّى الآن، صنع رباب حوالى 100 آلة من القمامة، يعرضها للبيع للجمهور من خلال المركز وعلى الصفحة على "فيسبوك"، منها آلة الفونكي الأستراليّة، وكذلك آلة البوزوك الإيرلنديّة، التي صنعها من دفّ و8 أوتار، وتشبه القيثارة، وآلة نفخ صنعها من زجاجة مياه بلاستيكيّة، والساز المصنوع من الخشب القديم.

في آذار/مارس الماضي، نظّم شادي معرضاً فنّيّاً لآلاته الموسيقيّة في العاصمة اللبنانيّة بيروت، فيما ينظّم معرضه الثاني في بيروت تحت اسم "موسيقى الزبالة" منذ 23 حزيران/يونيو الجاري على مدار يومين.

يستهدف "كونسرفتوار الزبالة" الأطفال على وجه الخصوص، لا سيّما المهمّشين غير القادرين على التعلّم أو شراء آلات باهظة الثمن. يبيّن رباب أنّ الكثير من الآباء يرفضون شراء آلات موسيقيّة لأبنائهم بسبب سعرها الباهظ، وليس لرفض فكرة تعلّم الموسيقى.

لكنّ المشروع يمكنه أن يحلّ هذه المشكلة. "ماذا لو تمكّن كلّ طفل من تصنيع آلة موسيقيّة من المخلّفات ومن دون تكلفة"؟ "ما الذي سيحدث في المجتمع"؟ يتسائل رباب، مستدركاً: "بالتأكيد، سنجد في كلّ حيّ فرقة وستنتشر الموسيقى في شكل واسع".

More from Hossam Rabie

Recommended Articles