تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يؤثّر فوز مقتضى الصدر على العلاقات الروسيّة العراقيّة؟

تشير البراغماتيّة التي يعتمدها مقتدى الصدر في العراق إلى أنّ العلاقات بين موسكو وبغداد ستستمرّ – أو حتّى تتوطّد – عندما تتشكّل الحكومة الجديدة.
RTX26I9C.jpg

تقيّم موسكو بدقّة نتائج الانتخابات النيابيّة التي جرت في العراق يوم 12 أيار/مايو لتحديد تأثيرها المحتمل على علاقات روسيا مع العراق.

أشادت وزارة الخارجيّة الروسيّة بالانتخابات باعتبارها "محطّة مفصليّة على الطريق نحو الاستقرار في البلاد"، مضيفة أنّها تأمل "تشكيل حكومة جديدة تمثيليّة ذات أهليّة قانونيّة في العراق في المستقبل القريب".

وجاء في البيان الرسميّ الصادر من موسكو ما يأتي: "من جهتنا، سنكون مستعدّين للاستمرار في منح العراق الصديق الدعم الفعليّ لمقاومة الإرهاب الدوليّ، والمساهمة بشكل خاصّ في استمرار التعاون الروسيّ العراقيّ المتعدّد الجوانب".

قد نعتقد للوهلة الأولى أنّ تحالف "سائرون" الذي يقوده مقتدى الصدر، والذي فاز بأكثريّة المقاعد، لا يتمتّع بعلاقات بارزة مع موسكو. لكنّ ذلك لا يعني أنّ الأحزاب المنتمية إلى "سائرون" لا تستطيع السعي إلى بناء هذه العلاقات. ما هو ضروريّ في هذه المرحلة، كما يبدو في موسكو، هو مراقبة عمليّة تشكيل الحكومة العراقيّة الجديدة بصبر، علماً أنّ التحالف يواجه بعض المشاكل في هذا الإطار. وتشير تصاريح الصدر بشأن الحاجة إلى بناء علاقات براغماتيّة مع اللاعبين الآخرين على الساحة العراقيّة إلى أنّ رجل الدين الشيعيّ النافذ قد يعتمد مقاربة مماثلة في السياسة الخارجيّة في حال تشكيل الحكومة الجديدة. وإذا حصل ذلك، فستكون أمام موسكو فرصة جيّدة للحفاظ على مستوى علاقاتها مع بغداد، ولتوطيدها حتّى.

تتعلّق مشكلة الصدر وتحالفه بعدد من العوامل المتداخلة التي قد تؤثّر على تحديد الأولويّات في السياسة الخارجيّة العراقيّة في المستقبل. أوّلاً، لم يفز تحالف "سائرون" بالأكثريّة المطلقة الضروريّة للترويج لأجندته الخاصّة حصريّاً. وقد دفع ذلك بالصدر إلى المناورة، ساعياً إلى تحقيق المصالحة مع القوى الأخرى، مع تقديم تنازلات في نهاية المطاف. ثانياً، يُعتبر تحالف "سائرون" متنوّعاً. وقد ساعده هذا التنوّع، بطرق عدّة، على الفوز بالأصوات التي حصل عليها، لكنّه يدلّ أيضاً على نقاط الخلل في هذا التحالف. فقوى الدفع المختلفة في داخل التحالف - كالحزب الشيوعيّ العراقيّ، مثلاً – قد لا تتّفق في ما بينها، لكنّ كلّاً منها قادر على التركيز على مصالحه الخاصّة بدلاً من "الخطّ العامّ". ثالثاً، كلّما يبرز رجل قويّ في السياسة العراقيّة، يسعى اللاعبون السياسيّون الآخرون إلى تقييد قدراته، وينبغي أن يدرك الصدر ذلك. ويعني ذلك في مجال السياسة الخارجيّة العراقيّة، الحفاظ على عدّة خطوط ومسارات متوجهة نحو مراكز قوى عالميّة وإقليميّة متعدّدة في الوقت عينه.

ومن الخطأ الاعتقاد أنّ اليساريّين في تحالف الصدر قد يكونون الأكثر مساهمة في تعزيز العلاقات الروسيّة العراقيّة. فالعنصر الأكثر أهميّة هنا، كما ترى روسيا، هو وجود قوى علمانيّة في التحالف من شأنها أن تؤثّر إيجابيّاً على أجندة العراق الداخليّة.

ويرى العراقيّون، بغضّ النظر عن آرائهم السياسيّة، أنّ وجود موسكو ضمن هذه التوجّهات هو أمر مفيد. فنفوذ روسيا في البلاد محدود نسبيّاً، ولا يثير بالتالي مخاوف كبيرة. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر الكثيرون أنّ روسيا مفيدة في ما يتعلّق بالتعاون العسكريّ التقني.

قال مدير مكتب الصدر، ابراهيم الجابري، لوكالة الأنباء الروسيّة "ريا" في 15 أيار/مايو: "سوف نسعى إلى تعزيز القدرات الدفاعيّة وإنفاذ القانون في بلدنا من أجل حمايته من المخاطر الخارجيّة والداخليّة".

وعند سؤاله عن رؤيته للمستقبل مع روسيا وإيران والولايات المتّحدة، أجاب قائلاً: "لدينا علاقات ممتازة مع روسيا ومع إيران أيضاً. وأطلقنا حملة هجوميّة ضدّ القوى الاحتلاليّة، أي الحكومة الأميركيّة، لكنّنا لسنا ضدّ الشعب الأميركي. لن نسمح لأيّ دولة – أكانت إقليميّة أم غيرها – بالتدخّل في شؤون العراق الداخليّة".

وتشير خلفيّة الصدر وآراؤه إلى أنّه لن يكون شريكاً سهلاً لروسيا. لكن قد يتبيّن أنّ براغماتيّته وجدّيته هما الصفتان المطلوبتان لتحقيق النتائج الفضلى.

وفي خلال أحد الاجتماعات الأولى التي قام بها السفير الروسيّ مكسيم مكسيموف عند وصوله إلى بغداد سنة 2017، أشاد المشرّع العراقيّ حكيم الزميلي بدور روسيا في دعم الحكومة العراقيّة في الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش). وتحدّث الزميلي، الذي يترأس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان والمقرّب من الصدريّين، عن "ضرورة بناء علاقات وديّة بين البلدين ومدّ جسور التعاون في قطاع الاقتصاد والخدمات".

وفي شهر شباط/فبراير، أدلى الزميلي بتصريح آخر لفت انتباه دول إقليميّة عدّة، بالإضافة إلى الولايات المتّحدة. ففي معرض حديثه عن حقّ العراق "في امتلاك أسلحة متطوّرة من أجل الدفاع عن أراضيه ومجاله الجويّ ضدّ الهجمات الجويّة" في وجه استخدام داعش المحتمل للطائرات من أجل تنفيذ هجمات على الأماكن المقدّسة، قال: "يعتزم العراق امتلاك منظومة مثل "أس-400" للدفاع عن الأرض والأماكن المقدّسة والمجال الجويّ. ونحن جدّيون بشأن ذلك". ونفى لاحقاً السفير العراقيّ في روسيا، حيدر منصور هادي، أن تكون موسكو وبغداد تناقشان هذه المسألة. لكنّ مجرّد التطرّق إلى هذه الفكرة يدلّ على إمكانيّة توطّد العلاقات بين البلدين في هذا المجال.

ومن التطوّرات التي تستحقّ المراقبة كيفيّة سير العلاقات على الصعيد المؤسّسيّ، نظراً إلى التغييرات في الحكومتين.

فقبل فترة وجيزة، كان نائب رئيس الوزراء الروسيّ دميتري روغوزين ووزير الخارجيّة العراقيّ ابراهيم الجعفري يترأسان معاً اللجنة الروسيّة العراقيّة الحكوميّة المشتركة للتعاون التجاريّ والاقتصاديّ والعلميّ التقني. لكن بعد الانتخابات الرئاسيّة في روسيا، نُقل روغوزين إلى منصب المدير العامّ لوكالة الفضاء "روسكوسموس"، ما يعني أنّ شخصاً جديداً قد يصبح رئيساً مشتركاً للجنة من الجانب الروسيّ. ومن المحتمل أيضاً أن يخسر الجعفري منصبه كوزير للخارجيّة نظراً إلى التغييرات المحتملة من الجانب العراقيّ.

لكنّ روسيا والعراق حقّقا تفاعلاً ثنائيّاً كبيراً، ولديهما رؤية مشتركة للشؤون الإقليميّة. وفيما قد تتطلّب التعيينات الجديدة في البلدين إدخال بعض التعديلات على طريقة عمل المؤسّسات الثنائيّة، من المستبعد أن تؤدّي إلى تغييرات جذريّة.

بالإضافة إلى ذلك، تستمرّ شركات الطاقة الروسيّة مثل "غازبروم نفط" و"لوك أويل" في العمل على الرواسب النفطيّة الكبرى في العراق، وهو أمر تنظر إليه بغداد بإيجابيّة. إنّ كلّ ما ورد ذكره آنفاً يدفع موسكو إلى الاعتقاد بأنّ الحكومة التي ستتشكّل في العراق من المستبعد أن تتخلّى عن فكرة شراء الأسلحة الروسيّة وتلقّي الدعم من أجل تطوير الحقول النفطيّة وتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار.

وإنّ المسألة الوحيدة التي قد تتطلّب حلاً جدّياً هي وضع شركة "روس نفط" في العراق. برز مؤشّر آخر على اهتمام الشركة الطويل الأمد بتنفيذ عمليّات في العراق في 23 أيار/مايو، عندما نشرت "روس نفط" معلومات عن اكتشاف فرعها "باش نفط إنترناشونال بي في" حقلاً نفطيّاً جديداً يدعى "سلمان" في جنوب غرب العراق. ولم تكشف الشركة عن حجم الاحتياطات بالتحديد، لكنّها قالت إنّها تعتبر هذا الاكتشاف "خطوة مهمّة نحو تطوير المراحل الأولى السابقة لإنتاج النفط في الخارج".

ومن المحتمل أن يتمّ إدراج الحقل الجديد في الأجندة الثنائيّة. وبالتالي، ستحافط موسكو على موقفها المتمثّل بمشاركة جميع اللاعبين العراقيّين، والأهمّ، مؤسّسات الدولة، بشكل ثابت ومنهجيّ فيما سيستمرّ العراق في رؤية قيمة روسيا في مجال مختلف – من أجل بناء قاعدة أكثر صلابة لتوطيد العلاقة بين البلدين.

More from Ruslan Mamedov

Recommended Articles