تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سباعنة يرسم السياسة والقضيّة الفلسطينيّة في لوحات كاريكاتيريّة

يعدّ كتاب "أبيض وأسود، كاريكاتيرات سياسيّة من فلسطين" لرسّام الكاريكاتير محمّد سباعنة الأوّل من نوعه عربيّاً، وهو بمثابة اختصار مكثّف بالرسم، للقضيّة الفلسطينيّة سياسيّاً واجتماعيّاً تحت الاحتلال، استمرّ العمل على إعداده 3 سنوات وحظي بإشادة عالميّة.
24958810_10154853126440806_3631609972919531391_o.jpg

رام الله – الضفّة الغربيّة: ما ان اعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب في 6 كانون اول/ ديسمبر اعترافه بالقدس عاصمة لاسرائيل، ونقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس، حتى بدأ فنان الكاريكاتير الفلسطيني محمد سباعنة في رسم اللوحات الكاريكاتيرية ردا على القرار، سواء لصحيفة الحياة الجديدة التي يعمل بها، او على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك" والتي تحظى بتفاعل كبير.

وامتازت بعض رسومات سباعنة بالسخرية والاستهزاء من الرئيس ترامب وانحيازه لاسرائيل، وبعضها اظهرت تحديا فلسطينيا له، ففي احدى لوحاته يظهر سباعنه ترامب بزي بابا نويل الذي يحمل معه كيس من الهدايا ويقف امامه جنديا اسرائيليا بدا مذهولا، وهو ينظر الى كيس الهدايا التي ظهر منه هلال المسجد وصليب الكنيسة في اشارة الى المسجد الاقصى وكنيسة القيامة، وفي لوحة اخرى يظهر رأس ترامب مرسوما بشكل كبير وفمه مفتوحا ويأخذ شكل ( تواليت) بينما يقف امامه طفل فلسطيني صغير يلبس الكوفية الفلسطينية ويبول في فمه، في اشارة الى ان ما يصدر عن ترامب عبارة عن قاذورات، وفي لوحة اخرى يظهر سباعنة العرب من خلال يرتدي لباس العرب وهو مرتمي ويقبل بسطار عسكري يرمز للولايات المتحدة، ويقوم بتقديم فلسطين كقربان له.

ويعد سباعنة احد اشهر وابرز رسامي الكاريكاتير في الضفة الغربية وقطاع غزة في السنوات الاخيرة، فقد ولد سباعنة الذي تنحدر اصوله من مدينة جنين شمال الضفة الغربية في الكويت عام 1979، وعاد الى الضفة الغربية بداية تسعينات القرن الماضي وحصل على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة تخصص ديكور وتصميم داخلي في جامعة النجاح الوطنية عام 2002، وشارك في العديد من المؤتمرات والمعارض العالمية وهو عضو "لجنة التقييم في مسابقة فلسطين الدولية للإعلام"، وعضو في "الشبكة العالمية لفناني الكاريكاتير كارتون موفمنت. ويعمل موظفا اداريا في الجامعة العربية الامريكية في مدينة جنين، ورسام كاريكاتير في صحيفة الحياة الجديدة.

وكان سباعنة قد أطلق في 14 تشرين الثاني/نوفمبر كتابه الذي يعدّ الأوّل من نوعه عربيّاً ويحمل اسم "أبيض وأسود، كاريكاتيرات سياسيّة من فلسطين" في متحف محمود درويش في مدينة رام الله وسط الضفّة الغربيّة، الصادر عن دار النشر الأميركيّة Just World Books.

ويأتي إطلاق الكتاب وتوقيعه في فلسطين باللغة الانجليزية، بعد 6 أشهر من إطلاقه في الولايات المتّحدة الأميركيّة باللغة الانجليزية في 1 أيّار/مايو 2017، والذي صاحبه برنامج فعاليّات شمل 22 لقاء في 15 مدينة أميركيّة، إضافة إلى 6 لقاءات خاصّة، في أهمّ جامعات الولايات المتّحدة الأميركيّة، بينما يدرس سباعنة ترجمة الكتاب الى اللغة الالمانية العام المقبل.

كما يمتاز الكتاب بأنّه تضمّن 180 لوحة فنّيّة، 90% منها لم تنشر من قبل في أيّ مكان، استغرق إعدادها 3 سنوات، بينما البقيّة أعدّها سباعنة طيلة 5 أشهر في السجون الإسرائيليّة بعد اعتقاله أثناء عودته من الأردن في 16 شباط/فبراير2013، حيث حكمت عليه محكمة اسرائيلية بالسجن لمدة 5 شهور بتهمة الاتصال مع جهات معادية دون ان توضح من هي تلك الجهات او طبيعة الاتصالات.

وعلى الرغم من المدّة القصيرة التي مرّت على إصدار الكتاب، إلّا أنّ سباعنة نال عليه جائزة مهرجان الأستاك السادس للرسوم الصحافيّة والكاريكاتير في فرنسا في 30 أيلول/سبتمبر، والذي اعتبر الكتاب بحسب ما قال سباعنة لـ"المونيتور" إنجازاً عالميّاً متميّزاً لأنّه "شكّل إضافة هامّة ونوعيّة إلى فنّ الكاريكاتير على مستوى العالم، لما تضمّنه من إبراز لقضايا شعبه ووطنه، وللرسائل الإنسانيّة والثقافيّة التي احتواها"، إذ تخلّل المهرجان معرض من ثلاثين لوحة لسباعنة تناولت معاناة الشعب الفلسطينيّ تحت الاحتلال.

وحظي سباعنة الذي يعمل في جريدة الحياة الجديدة الفلسطينيّة، في 14 تشرين الثاني/نوفمبر بتكريم فلسطينيّ كبير من اتّحاد الكتّاب والأدباء، ونقابة الصحافيّين في مدينة رام الله، سبقه تكريم من محافظة رام الله في 31 تشرين الأوّل/أكتوبر تقديراً لجهوده في إنجاز الكتاب.

وقال سباعنة إنّ ما يميّز كتابه هو تضمينه لوحات وفق تقنية تستخدم لاول مرة في فنّ الكاريكتير في فلسطين، وهي تقنية الحفر على "اليونوليوم"، والتي عادة ما تستخدم لإنتاج اللوحات الفنّيّة، وهي تعد احدى تقنيات فن الحفر النافر، واللينو خامة خاصة للحفر والطباعة، وتتوفر بها إمكانيات كبيرة في إبراز الكثير من العناصر الفنية مثل الملمس والظل والخط والشكل واللون.

وولدت فكرة الكتاب في ذهن سباعنة، كما يقول، في عام 2015 أثناء إقامته معرضاً فنّيّاً في واشنطن، حين شجّعه رسّام الكاريكاتير في صحيفة "ذي إيكونومست" كيفن كالوغر على إطلاق الكتاب بعد رؤيته لوحات المعرض، ولوحات بدأ برسمها سباعنة ولم تعرض ضمن مشروع رسوماته لعدم اكتمالها، فحثه على انتاج المزيد وعدم نشرها بل وضعها في كتاب ويقول سباعنة: "كيفن كالوغر حثّني على طباعة كتاب يكون موجّها إلى العالم، ومنذ ذلك الوقت عملت على الكتاب وبدأت أتواصل مع دور نشر عالميّة، إلى أن جاءت الموافقة من دار النشر الأميركيّةJust World Books ووقّعنا العقد معها في عام 2016.

ويعد الكتاب بــ"مثابة نافذة عريضة تتيح للجمهور في كل العالم الاطّلاع على جوانب الحياة في فلسطين تحت الاحتلال، ومعرفتها، ليس فقط المؤيدين للقضية الفلسطينية ، بل الاهم منهم الذين لا يعلمون شيء عن فلسطين بهدف كسب تعاطفهم وتأييدهم " كأحد اساليب الخطاب للعالم كما يقول سباعنة، مشيراً إلى أهمّيّة تعزيز هذا الخطاب وتنويعه

ويتكوّن الكتاب من 5 فصول، يعد الفصل الأوّل اهمها على الاطلاق وهو عبارة عن لوحة كبيرة مقسّمة إلى مقاطع متتالية بعنوان "قصّة فلسطين"، يصوّر كلّ مقطع مرحلة في تاريخ فلسطين منذ عام 1922 حتّى عام 2016، بحسب سباعنة. اذ يصور المقطع الأول بداية الانتداب البريطاني لفلسطين، وما تضمنته تلك الحقبة من سياسات الجيش البريطاني آنذاك من تنفيذ عقوبات جماعية ضد السكان كهدم المنازل وعمليات الإعدام وبعد ذلك النكبة والتهجير عام 1948، وهجرة اليهود الى فلسطين، وانطلاق حركات التحرر الوطني الفلسطيني في الستينيات، فتكثر الرموز في هذه المقاطع كالطائرات الحربية، والمشانق، وخيمة اللجوء والمفتاح، كما يصور المقاطع التالي مغادرة الفلسطينيين الفدائيين بيروت عام 1982 بعد اجتياحها، فيما يجسد المقطع الذي يليه انطلاق انتفاضة الحجارة عام 1987، بينما يجسد المقطع الويتبعه مقطع يظهر توقيع اتفاقية اوسلو بين اسرائيل ومنظمة التحرير عام 1993، وبعد ذلك اندلاع انتفاضة الاقصى عام 2000، بينما يصور اخر مقطعين المرحلة ما بين 2004 و2016 والتي شهدت تعاظم الاستيطان في الضفة الغربية والقدس واكتمال جدار الفصل العنصري والحروب التي شنت على غزة.

وحظي كتاب سباعنة بإشادة أهمّ رسّامي الكاريكاتير في العالم بحسب ما نشرته دار النشر Just World Books على موقعها الالكتروني من اراءا لهؤلاء الفنانين، إذ قال مات ووركر الفائز بجائزة "بوليتزر" عن الكاريكاتير السياسي في عام 2012 حول الكتاب: "على الرغم من أنّ الرسّام محمّد سباعنة يعمل في بيئة مليئة بالتناقضات الإيديولوجيّة، فضلاً عن الضغوط السياسيّة، إلّا أنّه ما يزال قادراً على إنتاج رسوم انتقاديّة وذات رؤية ثاقبة، كما أنّ مثابرته وشجاعته تشكّلان إلهاماً لرسّامي الكاريكاتير حول العالم".

وقال الفنّان جو ساكو، وهو فنّان كومكس ومنتج كتاب "هوامش في غزة Footnotes in Gaza " كما نشر الموقع الالكتروني لدار نشر Just World Books "كلّ رسوم سباعنة قويّة تذهب مباشرة إلى جوهر الواقع الصارخ للحياة الفلسطينيّة تحت الاحتلال الإسرائيليّ. هذه هي الطريقة التي يقاوم بها الفنّان".

ولا يزال سباعنة يحصد نجاح كتابه، إذ كشف أنّه سينشر طبعة جديدة من ذات الكتاب خاصّة لبريطانيا وأوروبّا في مطلع العام المقبل عن دار الساقي للنشر في بيروت بالتعاون مع دار نشر Just World Books، لافتاً إلى أنّه تجري مشاورات لترجمة كتابه بكل محتوياته ورسوماته إلى اللغة الألمانيّة ولغات أجنبيّة أخرى.

وينهمك سباعنة حاليّاً كما قال، في مشروع فنّيّ جديد، لرسم جداريّات كاريكاتيريّة كبيرة سيعرضها في معرض بلجيكا الدوليّ في أيّار/مايو 2018، حيث أنجز لوحة تتحدّث عن تاريخ القضيّة الفلسطينيّة كالتي ضمنها في الكتاب (جدارية كبيرة)، ويعمل على إعداد جدارية ذات موضوع إنسانيّ عالميّ، كما يقول.

ولطالما كان الكاريكاتير أحد أهمّ الفنون الفلسطينيّة والصحافيّة في التعبير عن القضايا السياسيّة، إذ قال سباعنة: "فنّ الكاريكاتير الفلسطينيّ هو فنّ طليعيّ في العالم العربيّ، والكاريكاتير الفلسطينيّ تأثّر طيلة السنوات الماضية بالوضع السياسيّ العامّ".

وكثير ما اثار سباعنة الجدل في رسوماته السياسية والاجتماعية، في السنوات الاخيرة التي شهدت انقساما داخليا انعكس على الاعلام الفلسطيني ورساميه وفنانيه وصحفييه، اذ قال سباعنة "الجدل هو الاختلاف على مسألة ما، ولذلك ليس بالضرورة ان تكون اعمالي متفق عليها من جميع الجمهور الفلسطيني، خاصة ان الجمهور نفسه منقسم سياسيا وجغرافيا، فمن المؤكد ان يكون هناك انقسام وجدل واختلاف على لوحاتي "

وشدّد سباعنة على ضرورة توافر المهارة والقدرة الفنّيّة وأهميّته لدى رسّام الكاريكاتير، لإنتاج لوحة فنّيّة تعبّر عن القضيّة التي يتحدّث عنها، مشيراً إلى أنّ لوحاته ذات القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة تحظى بالمتابعة الأكبر كونها تلامس هموم الناس.