تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ما السرّ الذي دفع السيسي إلى السماح بعودة الإعلاميّين الموقوفين؟

سمح النظام الحاكم في مصر بعودة الاعلامين الموقوفين لشاشات التلفزيون تزامنا مع اقتراب انتخابات الرئاسة لعام 2018، وهو ما اعتبره سياسيو مصر أنها محاولة لتلميع صورة السيسي في ظل تراجع شعبيته.
issa.png

القاهرة — يعود خلال تشرين الثاني/نوفمبر الجاري عدد من الإعلاميّين المصريّين إلى شاشات التلفزيون، بعد إيقافهم لمهاجمتهم النظام الحاكم ومجلس النوّاب، وتزامناً مع قرب الانتخابات الرئاسيّة 2018.

ويعرف الإعلاميّون العائدون بـ"أباطرة التوك شو"، لما لهم من حضور وجماهيريّة كبيرة بين المصريّين، وأبرزهم الكاتب الصحافيّ ابراهيم عيسى، الذي كان آخر ظهور له على شاشة قناة القاهرة والناس، في كانون الأوّل/ديسمبر 2016، بسبب انتقاده مجلس النوّاب، مما دعا البرلمان المصري إلى اتهامه بانتهاك قانون العقوبات، وحينها ادّعت القناة، في بيان في 1 كانون الثاني/يناير الماضي، أنّه اعتذر عن عدم الاستمرار في تقديم برنامجه التلفزيونيّ على شاشتها اعتباراً من مطلع كانون الثاني/يناير 2017.

وأعلنت شبكة قنوات ON TV في 26 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، المملوكة من رجل الأعمال المصريّ أحمد أبو هشيمة الملقّب بـ"رجل النظام"، تعاقدها مع عيسى لتقديم برنامج جديد عبر شاشتها، ينطلق في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، مؤكّدة أنّ البرنامج لن يتطرّق إلى مناقشة القضايا السياسيّة.

وكذلك، في 16 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، أعلنت شركة "تواصل" المالك الجديد لشبكة قنوات الحياة، عودة الإعلاميّ عمرو الليثي إلى الظهور على شاشة الحياة في ثوبها الجديد.

ووقف برنامج الليثي عقب إذاعته مقطع فيديو لسائق التوكتوك الشهير، في 12 تشرين الأوّل/أكتوبر 2016، والذي قال خلاله السائق: "تشاهد التلفزيون، تجد أنّ مصر مثل فيينّا... لكن عندما تنزل إلى الشارع، تجدها مثل الصومال". وهو ما أثار جدلاً واسعاً، أدّى إلى غياب الليثي من دون مبرر، وعلّلت القناة في بيان في 15 تشرين الأوّل/أكتوبر 2016، أنّ الليثي بدأ عطلته السنويّة، واستمرّ غيابه حتّى أعلن الليثي في 1 أيّار/مايو 2017، خلال صفحته الشخصيّة على موقع التواصل الاجتماعيّ "فيسبوك"، انتهاء تعاقده مع القناة.

ولم تقتصر عودة الإعلاميّين على الليثي وعيسى فقط، بل أعلنت رئيسة تحرير برنامج الإعلاميّ محمود سعد، والمعروف بتأييده النظام، في 25 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي عودته إلى قناة النهار، والتي أعلن مصدر فيها أنّ عودته في نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، بعد فترة غياب نحو عامين، إذ رحل سعد عن برنامج آخر النهار، الذي كان يقدّمه على الشاشة ذاتها، بعد أن عرض صورة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقت أن كان رئيسا للمخابرات الحربية، ومحمود حجازي عضو المجلس العسكري آنذاك، مع نشطاء ثورة 25 يناير، وتساءل إن كانوا خونة فلماذا اجتمعوا بهم؟ مطالبًا بمناقشة أمورهم وعودتهم إلى الوطن، وبعدها أعلن في 25 كانون الأوّل/ديسمبر 2015، أنّه لن يكمل مشواره، مؤكّداً أنّه تمتّع بحرّيّة كبيرة طوال فترة عمله في القناة.

وقالت مصادر مقرّبة من إدارة قنوات ON TV لـ"المونيتور" فضّلت عدم الكشف عن هويّتها، إنّ عودة الإعلاميّين تأتي في ظلّ سماح النظام الحاكم لهم بتقديم البرامج مرّة أخرى للادّعاء بوجود التعدّدية، وأنّ النظام يقبل النقد، إضافة إلى استغلال ظهورهم قبل فترة الدعاية في الانتخابات الرئاسيّة 2018، وكي يقال إنّ الرئيس عبد الفتّاح السيسي يقبل الآراء المعارضة له كافّة.

وأكّد أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة أنّ السماح بعودة هؤلاء الإعلاميّين في الوقت الحاليّ مرتبط باقتراب الانتخابات الرئاسيّة، بهدف تجميل صورة الرئيس، مشيراً إلى أنّ النظام يأمل تعويض شعبيّة السيسي التي تناقصت بشدّة خلال الفترة الأخيرة، بادّعاء عودة الحرّيّات والمناخ الديمقراطيّ.

وقال نافعة في تصريحات إلى "المونيتور": "هناك شكوك في تغيير مناخ القمع الحاليّ، فهو مناخ مضادّ للحرّيات وأيّ وسيلة للتعبير عن الآراء بحرّيّة... فلا توجد أقلام أو أحزاب سياسيّة تستطيع ممارسة المعارضة، ولا يمكن لأحد أن يتظاهر... فالتغيير الحاليّ ما هو إلّا أمر موقّت لغرض محدّد، هو استعادة ولو جزء من شعبيّة الرئيس قبل الانتخابات الرئاسيّة 2018، وادّعاء أنّ النظام يفتح الباب للآراء كافّة ويتقبّل الرأي الآخر".

وعن تغيير نمط برنامج عيسى من سياسيّ إلى اجتماعيّ، قال نافعة إنّه لا يمكن أن يحدث لأنّ عيسى عرفت عنه جرأته في تقديم المشاكل السياسيّة، ومحاولة تغيير محتوى برنامجه من الممكن أن تؤدّي إلى نتائج عكسيّة، وتأكيد قمع النظام للحرّيّات.

وأظهرت نتائج استطلاع للرأي أجراه المركز المصريّ لبحوث الرأي العامّ "بصيرة"، حول تقييم أداء الرئيس بعد مرور 28 شهرا على تولّيه الرئاسة، والذي نُشر في تشرين الأول 2016 انخفاض نسبة الراضين عن أداء السيسي إلى 68%، مقابل 82% في الاستطلاع الذي أجراه المركز قبل شهرين، بينما 24% غير راضين عن أداء الرئيس المصري، ولم يستطع 8% الحكم عليه. وشكّل ارتفاع الأسعار السبب الرئيسي وراء عدم الرضى.

وفي استطلاع آخر أجراه المركز بشأن مدى رضا المصريين عن الأداء العام للدولة، في 13 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، كشف أنّ 55% من الشعب راضي عن أداء الدولة العام.

وقال أمين اسكندر، عضو المكتب السياسيّ لحزب الكرامة الذي يرأسه المرشّح الرئاسيّ السابق حمدين صباحي، إنّ عودة الإعلاميّين ينقسم إلى محورين، أوّلهما أنه يبدو أنّ النظام الحاكم وقعت عليه ضغوط كبيرة من جانب الولايات المتّحدة الأميركيّة والدول الأوروبّيّة بسبب قمع الحرّيّات في مصر، إضافة إلى وجود خلافات داخليّة في النظام، والتي جعلته يتّخذ قرار عزل رئيس أركان الجيش محمود حجازي.

وأضاف في تصريحاته إلى "المونيتور": "حالة النقد عنيفة جدّاً للنظام في الداخل، خصوصاً على صفحات التواصل الاجتماعيّ، والتي وصلت إلى حدّ الشتائم البذيئة، فمشاكل الشعب متضخّمة، وتزداد يوماً بعد الآخر، فقانون الطوارئ وكتم الأنفاس لم يحلّ أيّ مشاكل مثل الإرهاب".

وتابع: "المحور الثاني هو أنّ النظام يدرك جيّداً أنّ قمع الحرّيّات أضرّت بشعبيّة الرئيس السيسي، وهو ما يمثّل خطراً قبل الانتخابات الرئاسيّة المقبلة، فهو يريد أن يسخّن الأجواء السياسيّة ليظهر أنّه ربح منافسة في شكل ما".

وأكّد أنّ ابراهيم عيسى لن يقبل أن يكون "أراجوزاً" للنظام، فهو لا يستطيع أن يلعب دور مجمّل وجه النظام الحاكم، لذلك فعودته في الوقت الحاليّ تصبّ في مصلحة السيسي، فهجومه – في الحدود التي سوف تسمح بها السلطات – يجعلها تدّعي بثقة أنّها تتقبّل الرأي الآخر.

وأوضح: "النظام الحاليّ يعادي المثقّفين والإعلاميّين وأصحاب الآراء، وخطّة نجاح السيسي في الانتخابات مرتّبة للغاية ومحسومة لصالحه، وتتضمّنها عودة بعض الإعلاميّين الذين يستطيعون تسخين المشهد السياسيّ، وهو ما يهدف النظام إلى استغلاله قبل بدء الجولات الداعية إلى الانتخابات الحاليّة، ليحفظوا ماء الوجه على الصعيد الداخليّ والدوليّ بقول إنّهم يقبلون الآراء كافّة وإنّه هناك مساحة من الحرّيّات يسمحون بها".

More from Sarah El Shalakany

Recommended Articles