تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

احتجاجات الأقصى توحّد أبناء القدس

لقد تعاونَ فسلطينيو القدس في ما بينهم من أجل تأمين استمرارية الاحتجاجات ضد القيود التي تفرضها إسرائيل على المسجد الأقصى.
Palestinians shout slogans during a protest over Israel's new security measures at the compound housing al-Aqsa mosque, known to Muslims as Noble Sanctuary and to Jews as Temple Mount, in Jerusalem's Old City July 20, 2017. REUTERS/Ronen Zvulun - RTX3C765

لم يتوقع أحد أن تتحوّل الاحتجاجات في القدس ضد القيود التي تفرضها إسرائيل على الدخول إلى المسجد الأقصى، الذي يُعتبَر المقام الديني الثالث في الإسلام، إلى نواة تحرّكٍ جديد لأبناء القدس.

على غرار معظم الثورات الشعبية، انطلقت الاحتجاجات الأخيرة من خلال فعل تحدٍّ قام به أبناء المجتمع المحلي لأنهم لم يعودوا يستطيعون تحمّل الإذلال الذي يتعرّضون له بصورة يومية. كان مجهوداً متواصلاً، وسرعان ما توصّل إلى حلٍّ لمشكلة ضاغطة، ووجد هذا الحل لاحقاً طريقه إلى التنفيذ.

كتب محمد دراغمة، وهو مدرّب إعلامي في جامعة بيرزيت ومحلّل بارز للشؤون الفلسطينية، في تعليق عبر صفحته على موقع "فايسبوك" في 22 تموز/يوليو الجاري، أن ما يجري في القدس يحمل العلامات كافة التي تؤشر إلى انتفاضة جديدة: "كانت حركة شعبية لناحية أن عائلات بكاملها شاركت في الصلوات اليومية خارج أبواب المسجد الموصدة أمامها. وجد الناس طريقة للتعامل مع قضايا سياسية بارزة وكذلك مع مسائل محض دنيوية إنما ضرورية مثل الغذاء والماء، وأبدوا في الوقت نفسه حرصهم على تشكيل لجان تتولى، عن طريق التناوب، مهام التنظيف بعد الوقفات الاحتجاجية".

يُشار إلى أن سكان القدس الشرقية، وعددهم 350 ألف نسمة، من دون قيادة منذ سنوات، فإسرائيل تمنع القيادة الفلسطينية في رام الله من أن يكون لها أي انخراط جدّي معهم. منذ اتفاق أوسلو في العام 1993، الذي أرجأ تسوية مسألة القدس إلى مرحلة لاحقة، عملت إسرائيل على عزل أبناء القدس عن قيادتهم الوطنية. لا تستطيع الحكومة الفلسطينية زيارة القدس أو عقد اجتماعات فيها، والأهم من ذلك، يُحظَر على الحكومة الفلسطينية تمويل أي نشاط في المدينة. على سبيل المثال، جرى في حزيران/يونيو 2013 وقف الدعم الذي كان يُقدَّم إلى الحكومة الفلسطينية من أجل تنظيم مهرجان دمى للأطفال. وفي تلك الفترة، أُغلِق المسرح الوطني الفلسطيني بموجب أوامر طارئة صادرة عن الشرطة الإسرائيلية بسبب إقامته علاقات مع السلطة الفلسطينية من دون إذن.

يشعر سكّان القدس الشرقية، الذين تحوّلوا إلى يتامى على الصعيد السياسي، بأن عليهم الاعتماد على أنفسهم وعدم ترقُّب وصول منقذ من الخارج لنجدتهم.

في إطار النزاع الراهن حول الوصول إلى المسجد الأقصى، الجهات الدينية هي التي تتولى قيادة المجهود الآيل إلى معالجة المسألة. فقد تصدّرت الهيئة الإسلامية العليا، ومكتب مفتي القدس، وسواهما من المؤسسات الدينية، فضلاً عن بعض القادة المرموقين في القدس، المشهد عبر إصدار البيانات والنهوض بأعباء القيادة المعنوية والفلسفية في هذه الأزمة.

في حين أفصح القادة الإسلاميون المحليون عن مواقفهم خلال الاحتجاجات اليومية، قدّم الشباب والمنظمات الأهلية المحلية الدعم الضروري. نظراً إلى طبيعة الاحتجاجات، وطالما أن أجهزة الكشف المعدنية قيد العمل خارج المسجد الأقصى، تُقام جميع الصلوات عند أقرب مسافة ممكنة من المسجد يُسمَح للمؤمنين بالوصول إليها. لقد أصبحت الصلوات الخمس خلال النهار محور الأنشطة المنظَّمة، ومحط الاهتمام من الوسائل الإعلامية، وحظيت بالدعم من الرأي العام.

قال خليل العسلي، وهو صحافي محلي ورئيس تحرير الموقع الإلكتروني "أخبار البلد"، لموقع "المونيتور" إن ما حصل في 21 تموز/يوليو في مدينة القدس القديمة وخارجها، جعل عينَيه تغرورقان بالدموع. فقد روى: "فتح أصحاب المحال التجارية متاجرهم، بدلاً من إقفالها كما يفعلون عادةً يوم الجمعة، وقاموا بتزويد النشطاء الشباب بكميات غير محدودة من الماء والمواد الأساسية الأخرى. تشكّلت لجان دعم محلية في كل واحد من الأحياء، وكانت مهمتها التنظيم وتزويد المحتجين بالماء والطعام وسجادات الصلاة وكذلك تنظيف الشوارع".

بحسب العسلي، لم يكن عمّال البلديات الإسرائيليون موجودين على الأرض، وكان النشطاء المحليون يحرصون على أن يتمكّن عشرات آلاف المؤمنين القادمين من مختلف أنحاء المدينة، من الصلاة في شوارع نظيفة.

وقد برزت هذه الأنشطة الشديدة التنظيم كما عقارب الساعة، في المنطقة الواقعة خارج باب المجلس. زار موقع "المونيتور" المكان في 20 تموز/يوليو، حيث لاحظنا الطريقة التي يتنظّم بها الشباب المحليون ويؤمّنون الدعم الضروري من أجل استمرارية الحركة الاحتجاجية. وقد وُضِعت كراسٍ بلاستيكية ليتمكّن المحتجون والزوار من الجلوس عليها بين صلاة وأخرى.

في باب المجلس، كانت جالية صغيرة من الأفارقة – جاءت إلى القدس في القرن التاسع عشر قادمةً من تشاد والسودان ونيجر والسنغال – تؤمّن منظومة الدعم الكاملة للمحتجّين؛ وكان يتم تقديم الماء البارد والقهوة بصورة منتظمة. أثناء وجود موقع "المونيتور" هناك، قدّموا لنا صبّاراً طازجاً نُزِعت عنه القشرة. ومع كل جولة من الشراب أو الفواكه، كان أحد أعضاء الجالية يجول على الموجودين مع كيس بلاستيكي يضع فيه الأكواب الفارغة وغيرها من النفايات من أجل الحفاظ على نظافة المكان.

مهدي عبد الهادي، مؤسس ومدير "الجمعية الأكاديمية الفلسطينية لدراسة الشؤون الدولية"، هو من القادة غير الدينيين القلائل الذين وُجِّهت إليهم دعوات من اللجان الإسلامية المختلفة لحضور اجتماعات تُتَّخذ خلالها قرارات متعلقة بالاحتجاجات وتصدر عنها بيانات بهذا الخصوص.

ساهم عبد الهادي، من خلال ما يتمتع به من خبرة، في صياغة البيانات وتزويد القادة الدينيين بالسياق والتوجيه السياسيَّين. وسرعان ما استقطب عبد الهادي، الذي يقيم علاقات ممتازة مع القيادة في رام الله وفي العاصمة الأردنية عمان، اهتمام وسائل الإعلام لدى انضمامه إلى المحتجين خارج باب الأسباط في 20 تموز/يوليو.

وقد تطرق، في بيان صحافي مرتجل في 20 تموز/يوليو، إلى الجوانب السياسية والاجتماعية للاحتجاجات. وفي ما يختص بدور القادة المحليين والشباب والمجتمع الأهلي، أثنى عبد الهادي على المبادرة المحلية التي أبصرت النور في القدس في 14 تموز/يوليو عندما أغلق الإسرائيليون المسجد الأقصى أمام المؤمنين، مضيفاً: "على الرغم من أن شعبنا يتيمٌ سياسياً منذ خمسين عاماً، إلا أنه لم يعد يتطلع إلى الآخرين لإنقاذه، بل قرّر أن عليه أن يبادر إلى التحرك بنفسه".

فيما تتباطأ وتيرة الاحتجاجات أو حتى تتوقّف بعدما نُزِعت أجهزة الكشف المعدنية – في إطار اتفاق جرى التوصل إليه بين إسرائيل والأردن في 25 تموز/يوليو – فإن القيادة الجديدة التي نشأت وروحية الاتّكال على الذات التي أبصرت النور في الأيام الأخيرة، سوف تستمران في السنوات المقبلة، ولا شك في أنهما ستشكّلان الأساس لقيادةٍ محلية القدس هي أحوج ما يكون إليها.

More from Daoud Kuttab

Recommended Articles