تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف تتناسب علاقة موسكو والرياض مع المشهد في الشّرق الأوسط

مع كلّ ما يجري في الخليج حاليًا، يعيد بعض اللّاعبين دراسة تحالفاتهم ويعزّزون الدّعم.
Russian President Vladimir Putin shakes hands with Saudi Deputy Crown Prince and Defence Minister Mohammed bin Salman during a meeting at the Kremlin in Moscow, Russia, May 30, 2017. REUTERS/Pavel Golovkin/Pool - RTX388UH

إنّ الزّيارة الأخيرة التي قام بها ولي ولي العهد محمد بن سلمان ووزير الدّفاع السعودي إلى موسكو لم تتصدّر العناوين. لكن نظرًا إلى التطوّرات الحاليّة مع قطر في الخليج، اكتسبت الزّيارة أهميّة جديدة.

حتّى وقت قريب، كانت تُعتبَر "يد أميركا" وراء كلّ الأحداث في الشّرق الأوسط تقريبًا. لكن الآن بعد أن عزّزت موسكو مكانتها الإقليميّة، أصبحوا يرون "يد روسيا" هنا وهناك: فما إن اندلعت أزمة قطر في 5 حزيران/يونيو حتّى اقترح البعض أنّ الأمير ناقش مع الكرملين قرار السعوديّة بالابتعاد عن قطر، وهو أمر مستبعد جدًا.

رحّب الرّئيس فلاديمير بوتين بضيفه ترحيبًا حارًا عندما وصل الأمير يوم 30 أيار/مايو. وقد اتّسمت بياناتهما العلنيّة بالوديّة بشكل خاصّ، كما هو الحال عادة في اجتماعات كبار المسؤولين. أثنى بوتين على التوسّع السّريع في العلاقات، مشدّدًا على أنّه منذ بداية العام 2017، ازداد التّعاون الاقتصادي بنسبة 130%، بحسب ما أفادت به وكالة أنباء تاس المملوكة للدّولة.

ومع تطرّقه إلى العلاقات السّياسيّة والعسكريّة، ذكّر بوتين الصّحفيّين بأنّ الدّولتين تبحثان عن سبل لحلّ الأوضاع المعقّدة، "لا سيّما في سوريا"، وبأنّ "اتّفاقيّات الطّاقة مهمّة جدًا لدولتينا".

أكّد سلمان بدوره على التّعاون مع روسيا في مجال الطّاقة بقوله إنّ "النّقطة الأهمّ هي أنّنا نبني أساسًا متينًا لتحقيق الاستقرار في سوق النّفط وأسعار الطّاقة وهذا يخلق فرصًا جيّدة لبناء مستقبلنا الاستراتيجي". وهو وصف أيضًا المرحلة الحاليّة في العلاقات الثّنائيّة كـ"واحدة من بين الأفضل".

بالفعل، تتناقض علاقة اليوم بشدّة مع العلاقات الاقتصاديّة السّابقة غير الموجودة عمليًا، والتي كانت محدودة في تسعينيّات القرن الماضي وأوائل القرن الحادي والعشرين. وتجدر الإشارة إلى أنّ اقتصاد الدّولتين يدفعه إنتاج النّفط إلى حدّ كبير ولم يكن من مجال كبير أمام التّعاون آنذاك.

بالإضافة إلى ذلك، يكنّ المسلمون الرّوس احترامًا كبيرًا للعائلة الملكيّة السّعوديّة. ومع التّركيز المتجدّد على الدّين في روسيا، يكتسب هذا الإخلاص أهميّته الخاصّة. الجدير بالذّكر أنّ السّلطات في المناطق الرّوسيّة ذات الأغلبيّة المسلمة تقوم بزيارات منتظمة إلى السعوديّة حيث تلتقي أبرز مسؤولي البلاد في محاولة لتعزيز مكانتهم في المجتمع الرّوسي المسلم.

إلا أنّ ما نتج من تفاعلات بين الدّولتين كان غريبًا بعض الشّيء في السّنوات الأخيرة. فالعلاقات الطيّبة يرسّخها عدد من الاتّفاقيّات التي لم يطبّق إلّا القليل منها. وتسعى الدّولتان إلى بناء الثّقة التي تعتبرانها ضروريّة للغاية. فقد كانت لكلّ من موسكو والرياض نظرتان مختلفتان إلى السّاحة الدّوليّة وحتّى وقت قريب، وجدتا نفسيهما على طرفي نقيض في معظم القضايا الإقليميّة.

لكنّ الوضع تغيّر الآن إذ إنّ الحياة تعلّم الدّولتين النّظر بعيون مفتوحة إلى التطوّرات الرّاهنة. وفي حين ما زالت آراء روسيا والسّعوديّة متناقضة بشأن عمليّة السّلام الرّوسيّة ودور إيران الإقليمي، هما نجحتا في إيجاد أرضيّة مشتركة إلى حدّ ما. فخفّضت موسكو من حدّة خطابها بشأن اليمن والبحرين، وهي تقوّي العلاقات الوديّة مع مصر المتحالفة مع السّعوديّة، وكذلك التّعاون مع المملكة بشأن الحكومة اللّيبيّة الممزّقة. في النّهاية، واجه كلّ من روسيا والسّعوديّة مشاكل اقتصاديّة مماثلة سببها هبوط أسعار النّفط، ما مهّد الطّريق أمام تقاربهما وأمام "تحالف نفطي" ربّما يكون واعدًا.

على الرّغم من النّهج المتناقضة إزاء المسائل الإقليميّة، نالت الحملة العسكريّة الرّوسيّة في سوريا احترام الرّياض. وبالتالي بدأت المملكة تنظر إلى موسكو من بعض النّواحي كبديل محتمل لواشنطن التي تبيّن أنّه لا يمكن الاعتماد عليها في عهد إدارة الرّئيس باراك أوباما.

وفي هذا السّياق، تكتسب اللّقاءات المتكرّرة بين الأمير السّعودي وبوتين أهميّة خاصّة.

مع أنّ سوريا كانت رسميًا البند الرّئيسي في جدول أعمال الاجتماع، لم تُستكمَل أيّ ترتيبات رسميّة بشكل نهائيّ. ولكنّ الأهمّ من ذلك هو أنّ الجانبين امتنعا عن انتقاد أحدهما الآخر.

بحسب بعض المصادر المطّلعة في موسكو التي تحدّثت مع المونيتور، كان من المفترض أن يمضي سلمان وقتًا أطول بكثير في العاصمة الرّوسيّة. ويتّضح اليوم أنّ التطوّرات الدّراماتيكيّة التي تُطبَخ في الخليج بشأن قطر دفعته على الأرجح إلى تقصير مدّة زيارته.

مع فشل الاجتماع في إنتاج أيّ صفقة جديّة، سمح ببعض التكهّنات حول أجندة الأمير الفعليّة في ما يتعلّق بموسكو. يبدو واضحًا تمامًا أنّ سلمان عمد إلى الوصول إلى موسكو بعد وقت قصير على زيارة الرّئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المملكة يومي 20 و21 أيار/مايو. فحتّى الاستقبال الحارّ الذي لقيه ترامب في السّعودية مع فرش السجادة الحمراء، ما كان بإمكانه إغلاق فجوة المصداقيّة بينهما. فالرياض لا تثق تمامًا بواشنطن. ونظرًا إلى المستقبل غير المؤكّد لرئاسة ترامب واستراتيجيّته للشّرق الأوسط التي ما زالت مبهمة، إنّ وضع كلّ بيض المملكة في سلّة واحدة سيكون خطوة غير مدروسة، على أقلّ تقدير.

وهنا تدخل مصر في هذا السّيناريو التّكهّني.

يفترض بعض الخبراء في موسكو أنّ الحكومة المصريّة بحاجة إلى أسلحة موسكو لكنّها غير قادرة على تحمّل كلفتها. لكنّ الرياض، القادرة على دعم مصر، تشارك في إنشاء مناطق أمنيّة في سوريا، ما قد يظهر كوسيلة لتقييد مطامح إيران بفرض سيطرتها في سوريا. إلا أنّ السّعوديّة، وهي دولة ضعيفة عسكريًا غارقة في الحرب اليمنيّة، تفضّل أن تعهد إلى حليف موثوق، من المفترض أن يكون مصر، بدور حفظ السّلام في المناطق الأمنيّة. وهذا سيعطي مصر فرصة تعزيز مكانتها الإقليميّة وزيادة ثقة الشّعب في حكومتها التي تتخبّط في مشاكل اقتصاديّة كبيرة.

وهذا التّفسير يتناسب مع التطوّرات الرّاهنة في الخليج.

روسيا على علاقة جيّدة بقطر وإيران، عدوّة السّعوديّة اللّدودة. وإنّ ارتباط قطر المزعوم بالإرهاب وبإيران هو سبب نبذها في الخليج. بحسب بيانات صادرة عن وزارة الخارجيّة الرّوسيّة، ليست موسكو على استعداد للتدخّل في الأزمة التي تجتاح قطر - والتي تناسب الرياض - لكن ذلك لا يعني بأيّ شكل من الأشكال أنّ دعم روسيا لإيران يضعف. ما يمكن أن يعنيه هذا هو أنّ روسيا تريد رؤية السّعوديّة كممثّل رئيسيّ لمصالح الأنظمة الملكيّة في الخليج العربي، وفي هذه الحالة على روسيا أن تخدم مصالح السّعوديّين الشّرعيّة في المنطقة.

More from Vasily Kuznetsov

Recommended Articles