تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السيسي ومرسي وطنطاوي يلتقون في فيلم سينمائيّ

أثارت الأنباء عن الفيلم الأوّل الذي يجسّد شخصيّات عبد الفتّاح السيسي ومحمّد مرسي ومحمّد حسين طنطاوي جدلاً واسعاً في الشارع المصريّ، إلّا أنّ ذلك الجدل مع ما تناقلته وسائل الإعلام من أنباء عن ضخامة الإنتاج وعن ترشيح نجوم الشباك لبطولة الفيلم، لم تعفيه من التساؤل الذي لاحق كلّ الأفلام التي تناولت أحداث الزخم السياسيّ في مصر وهو: هل ينجح فيلم في التأريخ للثورة بعد سنوات معدودة من وقوعها؟
People wave Egyptian flags during a pro-democracy rally at Tahrir Square, in Cairo March 4, 2011. Egypt's new Prime Minister-designate Essam Sharaf told thousands of protesters in Tahrir Square on Friday that he would work to meet their demands and saluted the "martyrs" of the country's revolution. REUTERS/Peter Andrews (EGYPT - Tags: CIVIL UNREST POLITICS IMAGES OF THE DAY) - RTR2JFEF

القاهرة – تسابقت وسائل الإعلام طيلة شهر أيّار/مايو 2017 على الحصول على تسريبات لمعلومات عن الفيلم الأوّل الذي يرصد الصراعات السياسيّة بين ثورتي 25 كانون الثاني/يناير 2011 و30 حزيران/يونيو 2013 وهو "أيّام الغضب والثورة". وعلى الرغم من أنّها ما زالت مجرّد تسريبات، إلّا أنّها لاقت اهتماماً واضحاً من الجماهير، كونها ارتبطت بتجسيد أوّل رئيس مصريّ في فيلم سينمائيّ أثناء فترة حكمه، وهو الرئيس عبد الفتّاح السيسي.

كانت البداية عندما نشرت جريدة اليوم السابع خبراً في 7 أيّار/مايو قالت فيه إنّ عملاً سيجمع العديد من الفنّانين المصريّين يجري التحضير له ليكون الإنتاج الأضخم في تاريخ السينما المصريّة، ويروي تفاصيل الأحداث السياسيّة التي حدثت في مصر منذ 25 كانون الثاني/يناير 2011 وحتّى 30 حزيران/يونيو 2013، ويجسّد فيه الممثّل الشهير أحمد السقا دور الرئيس السيسي، بينما يجسّد الممثّل أحمد رزق دور الرئيس المعزول محمّد مرسي، ويجسد الفنّان نبيل الحلفاوي شخصيّة وزير الدفاع الأسبق المشير محمّد حسين طنطاوي، كما يظهر فيه الممثّل المصريّ الأشهر عادل إمام بشخصيّته الحقيقيّة، إلى جانب الممثّل الشهير محمّد رمضان وعدد آخر من النجوم الذين يجسّدون شخصيّات خياليّة، وهو من تأليف السيناريست الشهير وحيد حامد ومن إخراج المخرج الشابّ محمّد سامي.

وفي 12 أيّار/مايو ومن خلال البثّ الحيّ للفنّان محمّد رمضان عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعيّ "تويتر" للردّ على أسئلة جمهوره، قال إنّه يتمّ التحضير لعمل سيجمعه بأحمد السقا ومن تأليف وحيد حامد وإخراج محمّد سامي، من دون أن يكشف عن تفاصيل العمل وما يدور حوله أو باقي أسماء المشاركين.

وخلال شهر أيّار/مايو، تسابقت الصحف والبرامج التلفزيونيّة على الحصول على أخبار الفيلم الجديد من مصادر مقرّبة من صنّاعه، من دون الكشف عن أسمائهم، بعدما أصبح حديثاً للشارع المصريّ، وما زالت الأخبار تتوالى وسط حالة من الصمت التامّ من صنّاع الفيلم عن الإدلاء بأيّ تصريحات رسميّة.

وكسر حالة الصمت الفنّان أحمد رزق في تصريحات صحافيّة له إلى مجلة عين المشاهير الفنّيّة في 24 أيّار/مايو، قال فيها: "أشارك في فيلم "أيّام الثورة والغضب" للكاتب الكبير وحيد حامد، الذي أعتقد أنّه سيكون من أهمّ الأعمال السينمائيّة في مصر، لكن للأسف لن أستطيع الإفصاح عن الشخصيّة بسبب ظروف الفيلم التي تمنعنا من ذلك".

ويبقى السؤال الذي يتكرّر مع كلّ عمل يتناول أحداث أيّ من الثورتين: هل تكفي الفترة من عام 2011 وحتّى عام 2017 لتشرع السينما في التأريخ لأحداث الثورة وتأثيراتها على المجتمع أم لا؟

وللإجابة عن ذلك التساؤل، تواصل "المونيتور" مع الناقد السينمائيّ نادر عادلي، حيث قال: "الفترة من عام 2011 وحتّى الآن محدودة للغاية وليست كافية للتأريخ للحدث، فالعديد من المواطنين حتّى الآن ما زالوا حائرين بين تأييد تلك الأحداث أو رفضها، وأظنّ أنّ السينمائيّين مثل أيّ مواطن مصابون بالحيرة نفسها".

وتابع بقوله: "على سبيل المثال، بعض مؤيّدي حسني مبارك يرون أنّ ثورة 25 كانون الثاني/يناير كانت مؤامرة من أجهزة مخابرات أجنبيّة على مصر، وهو أمر لم يتسنّ الكشف عن مصداقيّته حتّى الآن، كذلك يرى مؤيّدو نظام الإخوان المسلمين أنّ مؤسّسات الدولة تآمرت عليهم، ويرى بعض الثائرين أنّهم كانوا ضحيّة صفقات سياسيّة بين الإخوان المسلمين والمجلس العسكريّ في عامي 2011 و2012. الرؤية مشوّشة وحتّى لو كان بين صنّاع السينما من يتبنّى موقفاً نهائيّاً في خصوص تلك الأحداث، فلن تتوافر له الأدلّة الكافية على وجهة نظره لإقناع الجمهور بها في عمل سينمائيّ".

ولدى سؤاله عن مشروع فيلم "أيّام الغضب والثورة"، قال: "الأخبار عن الفيلم مثيرة للاهتمام، لأنّ وحيد حامد سيناريست مخضرم وأظنّه قادراً على رؤية مشاهد الثورتين من زوايا إنسانيّة واجتماعيّة غير متوقّعة، من دون أن يقع في فخّ أن يكون مؤرّخاً بعد فترة غير كافية كما أوضحت سابقاً، من الأفضل أن ننتظر في الحكم على تجربة وحيد حامد حتّى نراها".

ولدى سؤاله عن الأعمال التي تناولت ثورة 25 كانون الثاني/يناير وأحداث الزخم حتّى 30 حزيران/يونيو وما بعدها، قال: "معظم الأعمال كانت اجتهادات ضعيفة للغاية. قدّمت السينما المصريّة الثورة في أفلام "حظّ سعيد" (2012) و"تك تك بوم" (2011) و"بعد الموقعة" (2012)، إلّا أنّها تناولت الحدث التاريخيّ في شكل سطحيّ وغير عميق، وحتّى فيلم "اشتباك" (2016) لا يصحّ أن يوصف بأنّه تأريخ لفترة ما بعد 30 حزيران/يونيو، وإنّما هو رصد للصدام بين الأمن والإخوان المسلمين في الشارع المصريّ، وهي تفصيلة واحدة ودقيقة من مشهد ما بعد 30 حزيران/يونيو".

وقال الناقد الفنّيّ رامي عبد الرازق لـ"المونيتور": "المدّة من ثورة 2011 وحتّى الآن غير كافية للتأريخ لأنّ أغلب صنّاع السينما عاصروا تلك الفترة وكان لهم رأي فيها، والمعاصر هو أسوأ مؤرّخ لأنّه لا تتوافر في تقييمه للحدث الحياديّة، كما لن تتوافر له العديد من الحقائق والتفاصيل حول الأحداث الجارية".

وتابع: "لا بدّ من مزيد من الرصد للأحداث، خصوصاً أنّ البعض يتوقّع أنّها ما زالت مستمرّة وأنّ استقرار نظام لمدّة 3 سنوات ليس دليلاً كافياً على انتهاء الحراك الثوريّ، ولا بدّ أن ينظر السينمائيّون إلى تجارب السينما عن حركة الضبّاط في 23 تمّوز/يوليو 1952، فمعظم الأفلام التي تناولتها في فترة الخمسينيّات كانت ضعيفة وكانت غالبة عليها نبرة الخطابة والتلقين مثل فيلم "ردّ قلبي"، ولم ينضج تناول السينما لأحداث تمّوز/يوليو 1952 إلّا من خلال تحويل روايات نجيب محفوظ إلى أفلام مثل "ميرامار"، و"اللصّ والكلاب" و"ثرثرة فوق النيل"، وهي أعمال كتبها محفوظ في الستّينيّات بعدما توقّف عن الكتابة لفترة طويلة بعد عام 1952، ليعود بتجارب ناضجة قائمة على رصد دقيق للتغيّرات".

وحاول مراسل "المونيتور" الاتصال بكل من محمد سامي ووحيد حامد إلا أنه لم يلق استجابة من أي منهما، ومن خلال التواصل مع مصادر مقربة من المخرج محمد سامي، قال أحدهم لـ"المونيتور": "الفيلم لا يؤرخ للفترة السياسية بالمعنى التقليدي الذي فهمه الناس، فالفيلم لن يعرض تفاصيل اجتماعات قيادات الإخوان للتحضير للانتخابات البرلمانية في 2012 أو للانتخابات الرئاسية على سبيل المثال أو اللحظات التي سبقت عزل مرسي في 30 يونيو".

وتابع: "الفيلم يرصد حالة الزخم السياسي في مصر من خلال الجانب الإنساني، أو قصص حقيقية أو خيالية لمواطنين عايشوا تلك الأحداث سواء عانوا منها أو سعدوا بها، ومسألة أن يجسد بعض الممثلين شخصيات حقيقية مثل الرئيس السيسي والمشير طنطاوي ومحمد مرسي ليست أساس الفيلم وهي مجرد عامل مساعد ربما يلجأ صناع الفيلم لاستخدامه وتوظيفه بشكل محدود في إطار رصد الثوررتين من خلال الشارع المصري وحياة المواطنين، وهو أمر لا يحتاج إلى سنوات كي يفرج عن معلومات سرية أو غير معروفة في الوقت الحالي لأنها حالة نرصدها ونعايشها يوميا وهي أمر مختلف عن التأريخ بمعنى رصد التفاصيل والتغيرات السياسية التي ما زالت العديد من تفاصيلها خفية وتحتاج إلى مزيد من الوقت".

وبسؤاله عن موعد عرض الفيلم، قال: "الفيلم إنتاج ضخم وبه العديد من التفاصيل الفنية المعقدة ونتمنى أن يعرض في موسم إجازة نصف العام القادمة (يناير وفبراير 2018)، وأتمنى ألا يتسرع الجمهور أو النقاد بانتقاد الفيلم قبل مشاهدته، فهو ليس فيلم سياسي ولا تاريخي ولا يهدف طاقم العمل إلى لعب دور المؤرخين، وإنما هي تجربة إنسانية تسلط الضوء على بعض الظواهر الاجتماعية والحياتية التي صاحبت الثورتين وتعامل معها العديد من المواطنين في حياتهم اليومية أثناء تلك الفترات وهم على يقين من حدوثها دون تأريخ ".

وعلى الرغم من أنّه ما زال من المبكر الحكم على فيلم "أيّام الثورة والغضب"، كما قال الناقد السينمائيّ عادلي، إلّا أنّه يبدو أنّ هناك إجماعاً على أنّ الوقت لا يزال مبكراً على أن تؤرّخ السينما للثوّرات المصريّة.

More from David Awad

Recommended Articles