تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإسلاميّون في المغرب يقدّمون تنازلات قاسية ويقبلون بحكومة القصر

تحول الإسلاميون إلى أقلية داخل الحكومة التي يقودونها بحصولهم على قطاعات وزارية هامشية في مقابل حصول التكنوقراط والأحزاب المدعومة من القصر على أغلب الحقائب الوزارية، هذه الهزيمة في معركة تشكيل الحكومة بعد الفوز في الانتخابات من شأنها تعزيز التناقضات الداخلية داخل الحزب، والتي سيحسمها المؤتمر القادم للحزب المنتظر في سبتمبر المقبل.
Abdelilah Benkirane, secretary-general of Morocco's Islamist Justice and Development Party (PJD) speaks during a new conference at the party's headquarters in Rabat, Morocco early October 8, 2016. REUTERS/Youssef Boudlal - RTSRB02

كان بلاغ القصر الملكيّ في 15 آذار/مارس الماضي بمثابة الإعلان الرسميّ عن نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية الإسلاميّ المغربيّ. فقد جاء إعفاء زعيمه عبد الإله بنكيران من طرف العاهل المغربيّ محمّد السادس من تكليفه بمهمّة تشكيل الحكومة، وتعيين الرجل الثاني في الحزب نفسه سعد الدين العثماني عوضاً عنه، ليضع حدّاً لخمسة أشهر من الممانعة التي أظهرها الإسلاميّون أمام اشتراطات باقي الأحزاب المدعومة من القصر.

ويظهر أنّ الإسلاميّين قد أرغموا على التسليم بالأمر الواقع لأنّ أيّ معارضة للواقع الجديد ستعني دخولهم في شكل مباشر في مواجهة صداميّة مع الملكيّة، وهو ما يتعارض مع السقف السياسيّ للحزب، ليقبلوا بصيغة تعايش قاسية جدّاً مع القصر تمنحهم دوراً محدوداً جداً في المشهد السياسيّ لا يتناسب وحجمهم الانتخابيّ وجماهريّتهم.

وقبل العثماني إشراك حزب الاتّحاد الاشتراكيّ اليساريّ في الائتلاف الحكوميّ، مخالفاً بذلك نهج زعيم الإسلاميّين بنكيران الذي أقسم بأنّه لن يشرك الحزب الاشتراكيّ في الحكومة ما دام رئيساً لها، مهما كانت الظروف لأن الحزب لم يتفاوض بشكل مباشر من أجل مشاركته في الحكومة وإنما انضم إلى تكتل الأربعة أحزاب، ليختار بذلك الإسلاميّون الانحناء أمام العاصفة وتقديم تنازلات مؤلمة قد تكون تداعياتها قاسية على مستقبل الحزب، خصوصاً بعدما خرجت إلى العلن تعليقات متذمّرة من داخل الحزب تصف هذه التنازلات المقدّمة بـ"الخيانة"، وبنقض مسار الأمين العامّ للحزب بنكيران الذي ظلّ منذ الإعلان عن نتائج انتخابات 7 تشرين الأوّل/أكتوبر من السنة الماضية التي فاز فيها حزب العدالة والتنمية يرفض "الالتفاف على الإرادة الشعبية"، والإذعان لشروط مجموعة الأحزاب الأربعة (التجمّع الوطنيّ للأحرار، الاتّحاد الدستوريّ، الحركة الشعبيّة، والاتّحاد الاشتراكيّ)، التي قدّم صديق الملك وزعيم التجمّع الوطنيّ الأحرار عزيز أخنوش نفسه مفاوضاً عنها.

فعلى الرغم من إظهار بنكيران خلال مرحلة المفاوضات نوعاً من المرونة من خلال التخلّي عن شرطه المتمسّك في حزب الاستقلال في الحكومة، وبالقبول بحزب الاتّحاد الدستوريّ فيها، إلّا أنّه رفض تقديم المزيد من التنازلات وصعّد لهجة خطابه ضدّ بقيّة الأطراف السياسيّة التي كان يتّهمها بعرقلة تشكيل الحكومة، ولمّح في أكثر من مرّة إلى وجود محاولة لإعادة تشكيل خارطة سياسيّة جديدة تحوّل حزب العدالة والتنمية إلى أقلّيّة داخل الحكومة على الرغم من فوزه بأكثر من 125 مقعداً برلمانيّاً، وهو الأمر الذي حصل في النهاية بحصول الكتلة الحزبيّة التي عرفت ب G4 التي يقودها أخنوش على القطاعات الاستراتيجيّة في الحكومة، كالاقتصاد والماليّة والفلاحة والتجارة، وحصلت مجموعة عزيز أخنوش المتكونة من الأحزاب الأربعة على ما مجموعه 17 حقيبة وزارية،، فيما حصل الإسلاميّون على 11 وزارة فقط في الحكومة المتكوّنة من 39 وزيراً، والتي عيّنها الملك مساء الأربعاء.

ويعتقد الباحث المتخصّص في العلوم السياسيّة والأستاذ الجامعي في جامعة القاضي عياض في مراكش عبد الرحيم العلّام أنّ الأهداف التي كان يريدها القصر من وراء عمليّة تعطيل تشكيل الحكومة بقيادة بنكيران قد تحقّقت كلّها، وأبرزها: تحجيم الإسلاميّين وجعلهم أقلّيّة داخل الحكومة التي يرأسونها، ومنحهم وزارات هامشيّة، والتخلّص من بنكيران باعتباره زعيماً يحظى بشعبيّة جارفة وشخصيّة مزعجة عصيّة على الترويض، على الرغم من ولائها إلى الملكيّة، ثمّ خلق أزمة داخليّة داخل حزب العدالة والتنمية.

وتابع العلّام متحدّثاً إلى "المونيتور": "لا شكّ في أنّها الأزمة الداخليّة الحقيقيّة الأولى التي يواجهها الحزب الإسلامي منذ تأسيسه الفعلي سنة 1998.التنازلات الكثيرة التي قدّمها الحزب في اللحظات الأخيرة، إضافة إلى القبول بتعيين شخص آخر كبديل لزعيمه تضع الحزب أمام إكراهات عدّة، القبول بالشروط التي رفضها زعيمه سابقاً وكأنّه إدانة له، وتأكيد على سرديّة خصومهه التي كانت تحمّل بنكيران شخصيّاً مسؤوليّة تأخّر تشكيل الحكومة".

ولا يستبعد العلّام سيناريو أن تكون حكومة العثماني مفتقدة إلى دعم قواعد الإسلاميّين، كما كانت حكومة بنكيران التي استفادت من المساندة الفاعلة للقواعد ودفاعها عن التجربة، وذلك راجع في الأساس إلى شخصيّة الزعيم التي كان يمثّلها بنكيران. ويقول: "مخرجات المشهد هي خسارة كبيرة للإسلاميّين. من الصعب الدفاع عن حكومة سيكون دورهم فيها هامشيّاً. الأمر مرتبط أيضاً إلى درجة كبيرة بموقف بنكيران من كلّ هذه التطوّرات، فحتّى اللحظة، هو يحاول أن ينأى بنفسه ولا يدلي لا بموقف إيجابيّ ولا سلبيّ من هذه التنازلات، خروجه علناً وتأييده العثماني سيقطع دابر أيّ أزمة، التزامه الصمت ليس إيجابيّاً للعثماني، فهو قد يفسّر وكأنّه تعبير عن عدم رضا عن توجّهات العثماني، وهو ما يعني أنّ العثماني سيكون مفتقداً إلى السند الداخليّ داخل الحزب. علينا ألّا ننسى أنّ قواعد الإسلاميّين مرتبطة في شكل كبير ببنكيران، فهو يمثّل حالة عاطفيّة تتجاوز القناعة السياسيّة".

ويقرّ المسؤول السابق عن جريدة التجديد المحسوبة على الإسلاميّين بلال التليدي بأنّ الحزب يمرّ بظروف صعبة، لكنّه يستبعد حدوث انشقاقات داخليّة، ويرى محطّة المؤتمر الوطنيّ المقبل للحزب المنتظر انعقاده مبدئيا في سبتمبر المقبل حاسمة لرسم جواب سياسيّ مناسب عن هذه المرحلة. ويشرح التليدي لـ"المونيتور": "هذه التنازلات لها بكلّ تأكيد أثر داخليّ على الحزب، هناك حالة من الاستياء العامّ على ما آلت إليه الأمور، بعد انتصار 7 تشرين الأوّل/أكتوبر وعلى الطريقة التي يجري فيها التعامل مع الحزب، بهدف إضعافه وتعزيز التناقضات داخله. اللحظة لحظة تراجع ديمقراطيّ خطير وتستدعي تقييم تجربة الانتقال الديمقراطيّ. أعتقد أنّ المؤتمر المقبل للحزب سيقدّم جواباً مناسباً عن مواجهة هذه الظروف والشروط التي يجب إنتاجها للدخول إلى هذه المرحلة الجديدة. ومن بين الخيارات المطروحة استدعاء عودة الزعيم، أيّ أن يجري تغيير القانون التنظيميّ للحزب ليكون بنكيران مجدّداً قائداً للسفينة. لكن في تقديري، لن يتأثّر تماسك الحزب لأنّه حزب مؤسّسات، وحتّى اللحظة، ما عبّر عنه هو مواقف لا تتعرّض إلى العثماني أو تهاجمه كشخص وإنّما تقول إنّ التخلّي عن منهج بنكيران دفع الحزب ثمنه غاليّاً، وها هو يقدّم التنازل تلو الآخر".

ويفسّر التليدي انسحاب بنكيران من المشهد، وعدم اتّخاذه موقفاً حاسماً بعد قرار إعفائه، بعدم الرغبة في الاصطدام مباشرة بالملك، وكذلك بعدم رغبته في الظهور بمظهر المشوّش على زميله في الحزب العثماني، وهو ما يفسّر بحسبه، عدم تدخّله في المشاورات التي قادها العثماني مع بقيّة الأحزاب وعدم مشاركته في اجتماعات اختيار وزراء الحزب.

هكذا ينتظر أن تكون محطة المؤتمر القادم للحزب فاصلة في مساره، بعد ظهور وجهتي نظر متناقضتين داخله، إحداهما تقول بضرورة أن يأخذ الحزب مسافة معقولة من الحكومة الحالية لأنها لا تمثل نتائج 7 أكتوبر رغم مشاركته فيها، ويقود هذا التوجه بالخصوص مؤيدو بنكيران الذين يطالبون ببقائه على رأس الحزب ، فيما يرى توجه آخر أن ذلك من شأنه أن يضعف الحزب وأن مساندة الحكومة التي يقودها الإسلاميون واجب على الحزب رغم ضعف مساهمته فيها.

More from Imad Stitou

Recommended Articles