تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حذر الشركات الأوروبيّة من إيران على الرغم من الصفقة النوويّة

على الرغم من رفع العقوبات النوويّة على إيران، لا تزال الشركات الأوروبيّة تتوخّى الحذر بشأن الدخول مجدّداً إلى السوق الإيرانيّة أثناء مرحلة الترقّب الحاليّة.
Hashem Yekkeh-Zareh, the CEO of industrial group Iran Khodro (2-R) and the head of French car manufacturing giant PSA group, Carlos Tavares (2-L), attend a press conference at the Iran Khodro Industrial Group showroom in the Iranian capital Tehran, on October 5, 2016. / AFP / ATTA KENARE        (Photo credit should read ATTA KENARE/AFP/Getty Images)

منذ توقيع خطّة العمل الشاملة المشتركة وتطبيقها، أبدت الشركات الأوروبيّة اهتماماً كبيراً بالدخول مجدّداً إلى إيران. وكانت التجارة بين إيران والاتّحاد الأوروبيّ قد سجّلت ارتفاعاً ملحوظاً. فالسنة الماضية، بلغت قيمة الصادرات الأوروبيّة إلى إيران 8,3 مليارات يورو (8,9 مليارات دولار)، أي أكثر بـ 28% تقريباً من السنة السابقة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت الواردات الأوروبيّة بنسبة 345% تقريباً، وبلغت قيمتها 5,5 مليارات يورو (5,8 مليارات دولار) – وكانت مدفوعة خصوصاً باستئناف شحنات النفط من إيران إلى حدّ كبير.

لكن على الرغم من تحسّن التجارة، لا تزال العلاقات الاقتصاديّة بين إيران والاتّحاد الأوروبيّ دون مستويات ما قبل العقوبات. ففي العام 2011، قبل فرض العقوبات النوويّة الصارمة بما في ذلك الحصار النفطيّ الأوروبيّ السابق، بلغت قيمة الصادرات الأوروبيّة إلى إيران أكثر من 10 مليارات يورو (10,7 مليارات دولار)، فيما بلغت قيمة الواردات 18 مليار يورو تقريباً (19,2 مليار دولار).

ويواجه الأوروبيّون التوّاقون إلى العودة إلى إيران عائقين اثنين رئيسيّين. أوّلاً، لا تزال هناك تحدّيات كبيرة داخل إيران، بما في ذلك معايير وبيئة تنظيميّة ضعيفة قادرة على دعم التجارة الدوليّة، ومهارات إداريّة غير كافية في الكثير من الشركات المحليّة، وتفشّي الفساد، ومسائل تتعلّق بحكم القانون.

ويبدو المسؤولون وأصحاب الشركات الأوروبيّون أيضاً قلقين بشأن غموض المسار المستقبليّ للسياسة الأميركيّة. وأكثر ما يتخوّف منه صانعو القرار في أوروبا هو ما إذا كانت إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ستلاحق الشركات الأوروبيّة المنخرطة في الاقتصاد الإيرانيّ.

وقبل توقيع الصفقة النوويّة في العام 2015، نفّذت إدارة الرئيس الأميركيّ باراك أوباما عقوبات ضدّ أفراد وكيانات غير أميركيّة لديها علاقات تجاريّة مع إيران. وأدّت هذه العقوبات الثانويّة إلى فرض غرامات مرتفعة على سلسلة من المصارف والشركات الأوروبيّة. وأجبرت وزارة العدل الأميركيّة المصارف الأوروبيّة إلى دفع جزاءات تخطّت قيمتها 15 مليار دولار بسبب انتهاك العقوبات الثانويّة. وعلى ضوء هذه الخسارات، تحرص شركات أوروبيّة كثيرة على دراسة خياراتها قبل الاستثمار على نطاق أوسع في الاقتصاد الإيرانيّ والالتزام بالتالي بالتعامل مع إيران لمدّة أطول.

ولم يكرّر ترامب، منذ تنصيبه في كانون الثاني/يناير، ما قاله في حملته عن أن "الأولويّة [بالنسبة إليه] هي تعطيل الصفقة الكارثيّة مع إيران". لكنّ الغموض لا يزال يلفّ السياسة الأميركيّة تجاه إيران، ولا سيّما أنّ واشنطن اتّخذت في الأسابيع والأشهر القليلة الماضية خطوات متعدّدة ضدّ طهران.

وفي كانون الثاني/يناير، أعلن ريكس تيليرسون، المرشّح آنذاك لمنصب وزير الخارجيّة، عن نيّته في إجراء "مراجعة كاملة" للصفقة النوويّة أثناء جلسة تأكيد تعيينه في مجلس الشيوخ. وفي شباط/فبراير، أرسل مستشار الأمن القوميّ آنذاك الذي استقال لاحقاً، مايكل فلين، "تحذيراً" إلى إيران، فيما أدخل البيت الأبيض عقوبات جديدة ردّاً على تجربة صاروخيّة إيرانيّة. بالإضافة إلى ذلك، قبل الاجتماع السنويّ للجنة الشؤون العامّة الأميركيّة الإسرائيليّة، الذي عُقد بين 26 و28 آذار/مارس، أعلن مشرّعون أميركيّون عدّة عن مزيد من العقوبات على إيران بسبب برنامجها الخاصّ بالصواريخ البالستيّة وانتهاكاتها لحقوق الانسان ودعمها المزعوم للإرهاب، وغيرها.

لكنّ هذه التدابير تبقى رمزيّة. فـ "المراجعة الكاملة" للصفقة النوويّة وإرسال "تحذير" إلى إيران ليست لديهما تداعيات قانونيّة. وتتطابق العقوبات التي فرضها البيت الأبيض مع أحكام خطّة العمل الشاملة المشتركة، فيما شدّد السيناتور بن كاردين، الداعم لسعي الكونغرس إلى فرض عقوبات جديدة، على أنّ القوانين الخاصّة بالعقوبات "متماشية" مع الصفقة النوويّة.

وفي قمّة لجنة الشؤون العامّة الأميركيّة الإسرائيليّة هذه السنة، لم يذكر المسؤولون في إدارة ترامب والزعماء البارزون في الحزب الجمهوريّ أيّ خطوات ضدّ الصفقة النوويّة. وقال نائب الرئيس مايك بنس للمشاركين في القمّة: "لن تتساهل أميركا بعد اليوم مع الجهود الإيرانيّة الهادفة إلى زعزعة استقرار المنطقة وتعريض أمن إسرائيل للخطر"، ووعد بأنّ ترامب "لن يسمح لإيران بتطوير سلاح نوويّ". لكنّ بنس لم يتطرّق إلى الصفقة النوويّة. أمّا رئيس مجلس النوّاب بول راين فقد وصف خطّة العمل الشاملة المشتركة بأنّها "كارثة مطلقة"، وناقش عقوبات جديدة محتملة ضدّ الخطوط الجويّة الإيرانيّة والحرس الثوريّ الإسلاميّ. لكن في ما يتعلّق بالاتّفاق النوويّ، اكتفى راين بالتعهّد بـ "التشديد على الامتثال الإيرانيّ" و"تطبيق هذه الصفقة بحذافيرها". وتتطابق هذه التصاريح مع تعهّد ترامب سابقاً بـ "تطبيق [خطّة العمل الشاملة المشتركة] بحذافيرها".

وفي الوقت الحاليّ، لا يبدو أنّ الولايات المتّحدة تعتزم التوقّف أحاديّاً عن الامتثال للصفقة النوويّة. وبالتالي، يمكن الافتراض أنّه من المستبعد أن تطبّق الولايات المتّحدة عقوبات ثانويّة على الشركات الأوروبيّة الراغبة في القيام بتبادلات اقتصاديّة مع إيران مسموحة بموجب خطّة العمل الشاملة المشتركة. وتشمل هذه القيود التي تمّت إزالتها عقوبات متعدّدة متعلّقة بالمصارف والتأمين والطاقة وغيرها تمّ التخلّي عنها و/أو إلغاؤها مع تطبيق خطّة العمل الشاملة المشتركة.

وسيكون الاختبار الأوّل في هذا السياق تمديد إدارة ترامب للرفع الموقّت للعقوبات في أيار/مايو، وهو من الموجبات الأميركيّة الرئيسيّة التي تنصّ عليها خطّة العمل الشاملة المشتركة.

لكن، بعيداً عن التمديد المحتمل لرفع العقوبات، يبقى مستقبل السياسة الأميركيّة تجاه إيران غامضاً. ومن ناحية استراتيجيّة، يحمل كلّ من الفسخ الأميركيّ الأحاديّ لخطّة العمل الشاملة المشتركة وإعادة فرض العقوبات غير النوويّة السابقة تداعيات سياسيّة كبيرة. فحلفاء الولايات المتّحدة الرئيسيّون – بما في ذلك الجهات الموقّعة على خطّة العمل الشاملة المشتركة مثل فرنسا وألمانيا – لن ينظروا إلى هذه التدابير بإيجابيّة طالما أنّ إيران ملتزمة بالصفقة النوويّة، وذلك نظراً إلى التزامهم بالصفقة النوويّة وبمصالحهم التجاريّة الخاصّة.

لكن على ضوء تحسّن علاقات إدارة ترامب مع إسرائيل والمملكة العربيّة السعوديّة، واعتبار واشنطن إيران مشكلة كبيرة في المنطقة، يمكن توقّع موقف أكثر صرامة من واشنطن. ونتيجة لذلك، فيما تبدو إدارة ترامب مهتمّة بالاستمرار في تطبيق خطّة العمل الشاملة المشتركة، أصبحت العلاقات الإيرانيّة الأميركيّة قائمة أكثر على المواجهة.

ويضع ذلك المسؤولين وأصحاب الشركات الأوروبيّين في موقف صعب. فسياسيّاً، ناصر الزعماء الأوروبيّون بقوّة خطّة العمل الشاملة المشتركة، وشدّدت الممثّلة العليا للشؤون الخارجيّة والسياسة الأمنيّة للاتّحاد الأوروبيّ، فيديريكا موغيريني، على أنّ "الاتّحاد الأوروبيّ يدعم الصفقة بقوّة من دون أدنى شكّ". وعلى ضوء التغيير في واشنطن، بدأت إيران أيضاً تقدّر بشكل أكبر أهميّة الاتّحاد الأوروبيّ في الحفاظ على خطّة العمل الشاملة المشتركة. لكنّ الوسائل التي تتمتّع بها أوروبا لإنفاذ الصفقة النوويّة في حال تدهورت العلاقات أكثر بين إيران وواشنطن محدودة.

وبالتالي، يمكن القول إنّ التبادلات الاقتصاديّة بين إيران والاتّحاد الأوروبيّ دخلت حالة من الترقّب. فأصحاب الشركات الأوروبيّون يريدون على الأقلّ التأكّد من الالتزام الأميركيّ المستمرّ بخطّة العمل الشاملة المشتركة. وبما أنّ مقاربة إدارة أوباما تجاه إيران لم تتّضح بعد بشكل نهائيّ، إن من ناحية طاقم الموظّفين أو من ناحية السياسة، فمن المرجّح أن تستمرّ مرحلة الترقّب حتّى أيار/مايو على الأقلّ، إن لم يكن لفترة أطول.

More from David Ramin Jalilvand

Recommended Articles