تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أردوغان يتقدّم بـ"التعازي" في فعاليات أقيمت في ذكرى الإبادة الأرمنية

وجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رسالة دعم إلى فعاليات أقيمت في ذكرى الإبادة الأرمنية في اسطنبول، في تحوّل جذري عن السياسة التي كانت تتبعها الحكومة سابقاً.
Human rights activists hold portraits of victims during a demonstration to commemorate the 1915 mass killing of Armenians in the Ottoman Empire, at Sultanahmet square in Istanbul, Turkey April 24, 2017. REUTERS/Murad Sezer - RTS13OEL

"أنا على اقتناع راسخ بأنها الجريمة الأكبر في كل الأزمنة". بهذه الكلمات وصف هنري مورغنثاو، السفير الأميركي لدى بلاط السلطان العثماني، الإبادة الجماعية للشعب الأرمني في الأمبراطورية العثمانية في العام 1915. فقد لقي مليون شخص على الأقل، بينهم عشرات آلاف السريان الأرثوذكس والمسيحيين فضلاً عن الأيزيديين، مصرعهم في الإبادة التي يُحيي الناجون ذكراها في مختلف أنحاء العالم في 24 نيسان/أبريل من كل عام.

منذ العام 2010، وبعد عقود من النكران الشديد الجموح، بدأت تركيا تشهد أيضاً تنظيم فعاليات علنية إحياءً لذكرى المأساة. في اسطنبول حيث يقطن السواد الأعظم من الأرمن الذين تقلّصت أعدادهم في تركيا، وتبلغ حالياً نحو 60 ألف نسمة، تجمّعت حشود صغيرة للمشاركة في فعاليات نُظِّمت إحياء لذكرى الضحايا هذا العام. وقد رفع المشارِكون رايات سوداء كُتِب عليها: "الإبادة الأرمنية: اعترفوا، اعتذروا، عوِّضوا".

بعث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برسالة إلى كنيسة سورب فارتانانتس في اسطنبول، حيث أقيمت فعاليات إحياءً للذكرى. وقد جاء في الرسالة: "أيها المواطنون الأرمن المحترمون الأعزاء، أحيّيكم بحب واحترام... أتقدّم بالتعازي إلى أحفاد الأرمن العثمانيين الذين قضوا في الظروف القاسية للحرب العالمية الأولى. ... لا نقبل أبداً بأن يتعرض أيٌّ من مواطنينا الأرمن للنبذ أو التهميش أو لما يجعله يشعر بأنه مواطن من الدرجة الثانية".

كان يوم 24 نيسان/أبريل محطة سوداء، فقد أقدمت السلطات على اعتقال 234 مثقّفاً وفناناً أرمنياً، وقُتِل العدد الأكبر منهم. وكان هذا مجرد مقدّمة لحمام الدماء الذي وقع لاحقاً. تبقى رسالة أردوغان بعيدة كل البعد عن الاعتذار والاعتراف اللذين يعتبر الأرمن أن تركيا تدين بهما لهم، غير أن صدور مثل هذا الكلام عن الرئيس التركي يشكّل تحولاً جذرياً عن السياسة التي كانت تنتهجها الحكومة في السابق.

قال غارو بايلان، وهو من قلة نادرة من النواب الأرمن الإثنيين ينتمي إلى كتلة "حزب الشعوب الديمقراطي" الموالي للأكراد الذي تقدّم الأسبوع الماضي باقتراح دعا فيه إلى إجراء تحقيق في الجريمة التي مضى عليها قرن من الزمن: "دعونا لا ننسى أنه عندما تبقى الجريمة من دون عقاب، فهذا يؤدّي إلى تكرارها". قبل وقت غير بعيد، كان بايلان ليُقتاد على الفور إلى السجن بموجب قوانين كانت تعتبر مثل هذه التصريحات إهانة للانتماء التركي وللأمة التركية.

لطالما أنكرت تركيا حدوث الإبادة، وقد أنفقت عشرات ملايين الدولارات على مجهود غير ناجح إلى حد كبير من أجل الترويج لرواية مفادها أن الأرمن قضوا جرّاء الجوع والأوبئة خلال اقتيادهم إلى الصحراء السورية في دير الزور "حفاظاً على سلامتهم".

كتب توماس دو وال، في كتابه "الكارثة الكبرى: الأرمن والأتراك في ظلال الإبادة" (Great Catastrophe: Armenian and Turks in the Shadow of Genocide): "يمثّل اسم [دير الزور]، بالنسبة إلى الأرمن، حضيضاً في تجربتهم، نوعاً من الثقب الأسود انتهت فيه مرحلة من حياتهم - وبالكاد بدأت مرحلة أخرى، هذا في حال كانوا من الناجين". لطالما اعتبر معظم المؤرّخين المحترمين، بما في ذلك عدد متزايد من المؤرخين الأتراك، أن ما حدث في العام 1915 كان إبادة فعلاً.

النكران التركي المستمر تحرّكه البارانويا من المخططات الغربية، واعتداد مزعج بالنفس ساهم في تغذية ثقافة الإفلات من العقاب. يشير الناشط نوركان كايا في البوابة الإخبارية المستقلة ArtiGercek، إلى أن هذا الرفض لتحمُّل مسؤولية الجرائم السابقة، أتاح للدولة أن تستمر في تعنيف مواطنيها من دون أن تخضع للمحاسبة.

لكن من ألمانيا إلى الأرجنتين، أقرّت عشرات مجالس النواب في مختلف أنحاء العالم تشريعات وصفت فيها المجازر بالإبادة. الخوف الأكبر الذي يساور تركيا هو أن يفي الرئيس الأميركي بوعده بعدما كان قد تعهّد في حملته الانتخابية بالاعتراف بالإبادة الأرمنية. وقد بلغت هذه المخاوف أوجها في العام 2015 الذي صادفت خلاله الذكرى المئوية الأولى للإبادة. حتى إن وزارة الخارجية التركية ذهبت إلى حد تشكيل قوة خاصة بالإبادة من أجل إدارة "الأزمة" التي تلوح في الأفق. وقد ابتدعت حيلة وقحة لتحويل أنظار القادة الغربيين عن فعاليات المئوية الأولى عبر تنظيم فعاليات منافِسة في اليوم نفسه احتفالاً بالذكرى المئوية لانتصار تركيا على الحلفاء في غاليبولي خلال الحرب العالمية الأولى.

لم يستخدم أي من الرؤساء الأميركيين، حتى تاريخه، مصطلح "الإبادة" في الرسائل السنوية التي يوجّهونها في ذكرى المجازر الأرمنية، وقد حذا الرئيس دونالد ترامب حذوهم هذا العام.

لكن في ظل "حزب العدالة والتنمية" بزعامة أردوغان، بدأ جدار النكران يتصدّع. في الأيام الأولى من حكم الحزب، عندما كان لا يزال متحمساً بشأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مدّت الحكومة يدها إلى الأقليات غير المسلمة. وقد أعيدت بعض الأملاك التي كانت الدولة قد صادرتها إلى الرعايا الأرمن واليونان والسريان الأرثوذكس.

وساهمت الحكومة في ترميم عدد قليل من الكنائس المهجورة، أبزرها كنيسة أختمار المهيبة للأرمن الأرثوذكس في محافظة وان. أثار تقاربٌ بين تركيا وأرمينيا لم يعمّر طويلاً، إقبالاً كثيفاً على الانخراط من جانب المجتمع الأهلي، وقد استمر بعد الانهيار في المبادرات الديبلوماسية. في حين أن تركيا وأرمينيا لم تبادرا بعد إلى إقامة روابط رسمية بينهما، ولا تزال حدودهما مغلقة، يجتمع الطلاب والصحافيون الأرمن في مشاريع مشتركة الهدف منها تحقيق المصالحة.

قال خاتشيك موراديان، وهو أكاديمي أرمني مرموق يساهم في ربط الجالية الأرمنية من جديد بجذورها في الزوايا النائية لشرق الأناضول أو "أرمينيا الغربية"، كما يحلو للأرمن تسميتها: "اليوم، تتخطى هذه المجموعات هويتها التركية والأرمنية، وتلتقي حول قضايا مشتركة تجمع المثليين وأنصار البيئة والنساء". أضاف لموقع "المونيتور": "التعاطف هو دواء شافٍ عظيم".

عدد كبير من الأنشطة هو من تنظيم الاتحاد الأوروبي و"مؤسسة هرانت دينك" الشجاعة التي سُمِّيت تيمناً بدينك، وهو مالك صحيفة تركي أرمني أُردي قتيلاً بإطلاق النار عليه خارج مكتبه في اسطنبول في العام 2007. لامس مقتل دينك وتراً جماعياً ودفيناً في النفوس. فقد سار أكثر من مئة ألف شخص، معظمهم من الأتراك، خلال تشييعه وهم يهتفون: "كلّنا أرمن. كلنا هرانت دينك".

توجّه الحكومة التركية أصابع الاتهام إلى حلفاء فتح الله غولن، رجل الدين المسلم الذي تزعم أنه كان العقل المدبّر خلف الانقلاب الفاشل في تموز/يوليو الماضي، في التخطيط لاغتيال دينك بواسطة قاتل قومي متشدّد. كان غولن من بين الأشخاص الذين أصدر مدّعي عام اسطنبول قراراً اتهامياً بحقهم على خلفية الاشتباه بضلوعه في مقتل دينك. ينفي الغولنيون أي دور لهم في الاغتيال، معتبرين أن الحكومة تستخدم القضية وسيلة للإمعان في تشويه سمعة الحركة.

في مختلف الأحوال، فإن غياب الاستقرار ومناخ القمع اللذين ترزح تركيا تحت وطأتهما في أعقاب المحاولة الانقلابية، يتسببان بتقويض التقارب الأرمني-التركي. يساور أرمن الشتات خوفٌ شديد من القدوم إلى تركيا. يقول موراديان: "الأرمن الذين اعتنقوا الدين الإسلامي وتقاطروا إلى هنا بأعداد كبيرة يشعرون الآن بأنهم متروكون"، في إشارة إلى آلاف الأرمن الذين يعيشون "في الخفاء" والذين اعتنقوا الإسلام هرباً من المذبحة.

وسدّد تجدّد القتال بين القوى الأمنية التركية والمتمردين الأكراد في جنوب شرق البلاد، ضربة إضافية للعلاقات الأرمنية-التركية. وقد تكبّدت كنيسة سورب جيراغوس التي جرى ترميمها مؤخراً، وهي أكبر كنيسة للأرمن الأرثوذكس في الشرق الأوسط، أضراراً في المعارك التي دارت طوال أشهر في سور، القلب التاريخي لمدينة ديار بكر.

لقد وُضِعت الخطط الهادفة إلى إطلاق اسم الرسّام والكاتب الذائع الصيت ويليام سارويان على شارع ومكتبة في مدينة بدليس، وهو من أشهر أبنائها الأرمن، على الرف. وسيطر مسؤولون حكوميون على البلديات التي يديرها "حزب الأقاليم الديمقراطية" الذي يُعتبَر حزباً شقيقاً لـ"حزب الشعوب الديمقراطي"، حيث تُعرَض لافتات باللغات الكردية والأرمنية والسريانية، اللغة القديمة للمسيحيين السريان الأرثوذكس. لقد مُزِّقَت اللافتات وزُجَّت أعداد كبيرة من رؤساء البلديات الأكراد – نحو 85 منهم بحسب التعداد الأخير – في السجون بعد اتهامهم بالضلوع في الإرهاب بالاستناد إلى أدلّة واهية.

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Already a Member? Sign in

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial
What's included:
Our Expertise

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

Already a Member? Sign in