تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا لا يرغب أهالي الموصل بالعودة إلى المناطق المحرّرة؟

يتساءل الموصليّون حول مستقبل مدينتهم، لكنّهم يخشون العودة متعلّلين بانعدام الخدمات وانقطاع الرواتب ووجود الخلايا النائمة لتنظيم "داعش".
People do shopping at Nabi Yunus market after returning to their homes in the city of Mosul, Iraq Picture taken March 19, 2017. REUTERS/Youssef Boudlal - RTX32IG2

الموصل، العراق – أعلنت وزارة الهجرة والمهجّرين، في 20 آذار/مارس الحاليّ أنّ عدد النازحين  من مدينة الموصل قد ارتفع إلى 355 ألف نازح منذ بدء العمليّات لتحرير المدينة في تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، والعدد مرشّح إلى الازدياد، هذا في حين لم يعد من النازحين إلى المناطق المحرّرة سوى 81 ألفاً.

وقد تصاعد إقبال المواطن الموصليّ على المديريّة التابعة إلى جهاز الأمن الوطنيّ، في منطقة برطلة في شرق الموصل، للحصول على التصريح الأمنيّ، الذي يمكّن مقتنيه من السفر إلى محافظات عراقيّة أخرى أو النزوح إليها، إضافة إلى أنّه بمثابة دليل براءة صاحبه - إلى حدّ معين - من الانتماء إلى صفوف تنظيم "داعش" أو العمل معه. وبيّن مصدر أمنيّ رفض كشف اسمه في مديريّة أمن الموصل أنّه قد "تمّ إصدار بين 1000 و1500 تصريح في اليوم الواحد، خلال شهر كانون الثاني/يناير 2017، لمواطنين من سكّان مناطق الجانب الأيسر، من بينهم أعداد كبيرة من الموظّفين".

غالبيّة سكّان الموصل رأوا أنّ بقاءهم في منازلهم نوع من المقاومة ضدّ وجود التنظيم خلال سنوات سيطرته، ليصل الأمر ببعضهم إلى أن يطلق صفة "متخاذل" على من ترك المدينة، بيد أنّنا نراهم اليوم يسعون إلى الهرب والخروج بأسرع ما يمكنهم، لأسباب عدّة.

فريال، هي مديرة ثانويّة للبنات، فضّلت البقاء في الموصل، لمنع التنظيم من الاستيلاء على منزلها، تقول: "الناس الذين غادروا الموصل بعد التحرير، أكثر بكثير، مقارنة بمن خرجوا وقت احتلال "داعش"، بسبب عدم توافر الماء النظيف والكهرباء"، وتضيف: "لا توجد لدينا مدرّسات بالعدد الكافي، فأغلبهنّ ما زلن في الإقليم، ومن أصل 700 طالبة، لا توجد سوى 65 طالبة في المدرسة".

يمتنع بعض الموصليّين عن العودة إلى منازلهم، على الرغم من وقوعها في المناطق المحرّرة، وخصوصاً العاملين منهم في المجال الصحيّ والتدريسيّ، فهم يستقرّون وعائلاتهم في إقليم كردستان، أو في محافظة بغداد، أو خارج العراق. يقول الطبيب سعد الله الغانم والذي له خبرة لا تقلّ عن ربع قرن في الأورام السرطانيّة: "لا أظنّني أعود إلى الموصل، خصوصاً وأنّني أنشأت عيادتي ومركزي الطبيّ في أربيل، بينما منزلي في الموصل استولي عليه ودمّر".

خلال جولة قصيرة في شوارع مدينة أربيل، تجذبك كثرة الأطبّاء، ممّن تحمل لافتات عياداتهم إشارة "كليّة طبّ الموصل". وثمّة أطبّاء مشهورون، يعرفهم الموصلّيّون جيّداً، ويقبل عليهم مرضى من مختلف المحافظات العراقيّة. يأتي هذا وسط شحّة الملاكات الطبيّة في مناطق الجانب الأيسر، المسيطر عليها عراقيّاً، منذ قرابة ثلاثة أشهر، وتدمير ما لا يقلّ عن ثلاثة مستشفيات ضخمة، أبرزها مستشفى السلام التعليميّ ومستشفى الخنساء المخصّص للأطفال والولادة، ولم تتلقّ هذه المؤسّسات أيّ دعم ماديّ لإعادة تأهيلها حتّى الآن.

وكانت وزارة الصحّة قد أصدرت أمراً إداريّاً في وقت سابق بإلزام موظّفيها النازحين بالعودة إلى مناطقهم المحرّرة، لتعود وتصدر أمراً بالتريّث لحين تحرير المناطق الأخرى. تقول صفاء، وهي ممرّضة نازحة في الإأقليم: "سأعود في حال قامت الوزارة بصرف رواتبي المنقطعة منذ عامين ونصف، لكن أن يطلبوا منّي العودة من دون توفير مصدر رزق لعائلتي، فبالتأكيد لن أفعل".

وبيّن رئيس لجنة الصحّة النيابيّة فارس البريفكاني خلال جلسة البرلمان الأسبوع الماضي أنّ "وزارة الصحّة لم تفلح بصرف رواتب منتسبي الموصل البالغ عددهم عشرة آلاف موظّف في المناطق المحرّرة".

نجلاء محمّد، مدرّسة في جامعة الموصل، تستقرّ في مدينة السليمانيّة في شمال العراق، تقول: "عودتي إلى الموصل ستعني البدء من الصفر، في مدينة تعيش صراعاً مستمرّاً، ويتوجّب عليّ بناء المنزل من جديد، وشراء أثاث، وتفاصيل كثيرة". وتضيف: "الكليّات في الجامعة مدمّرة تماماً، لذا طلبت إجازة طويلة لأربع سنوات. صحيح أنّني سأتقاضى راتباً قليلاً، لكنّ، على الأقلّ، حياتي ستكون في أمان".

يذكر أنّ مجلس النوّاب العراقيّ، وخلال صياغته الموازنة التقشّفيّة لعام 2017، كان قد صوّت في نهاية العام الماضي على قرار منح إجازة اعتياديّة ولمدّة أربع سنوات، براتب اسميّ لجميع الموظّفين.

ومع تواصل عمليّات تحرير الجانب الغربيّ من المدينة، تستمرّ عمليّات الخرق الأمنيّ في الساحل الأيسر بمحوريه الشرقيّ والشماليّ، فالطائرات المسيّرة وصواريخ الهاون، هي الأدوات التي يستخدمها التنظيم لاستهداف المدنيّين والقوّات العراقيّة، وكانت آخرها الهجمات الصاروخيّة في منطقة الرشيديّة ومقتل ما لا يقلّ عن عشرين شخصاً خلال شهر آذار/مارس الجاري، حسب مصدر طبّيّ في مركز الزهراء (في شرق الموصل).

يقول سلمان محمود، وهو ضابط في الشرطة المحليّة: "وجود الخلايا النائمة هو ما يثير القلق، فقبل يومين، ألقى أحد المجهولين عبوة ناسفة قرب بيتي، على الرغم من أنّني أعيش في منطقة محرّرة". ويضيف: "المتشدّدون يعتبرونني مرتدّاً، وهذا ما يجعل حياتي في خطر، وعائلتي مهدّدة دائماً، أفكر فعليّاً في ترك المدينة".

"لم يعتبر مجلس النوّاب العراقيّ حتّى اللحظة مدينة الموصل منطقة منكوبة، على الرغم من أنّ الجزء الشرقيّ منها مدمّر تماماً والبيوت سقطت على ساكنيها". هذا ما قالته النائب عن محافظة نينوى انتصار الجبوري لـ"المونيتور". وأضافت: "إفراغ المدينة من أبنائها عموماً ومن الملاكات المتقدّمة، كالأطبّاء والمدرّسين خصوصاً هو أمر مقلق، والتقصير في توفير الرواتب والغذاء للمدنيّين هو ما يدفع الناس إلى ترك المدينة".

 وبيّنت الجبوري أنّه تمّ تشكيل صندوقين، الأوّل لإعادة الاستقرار لمحافظة نينوى بدعم من منظّمة الأمم المتّحدة، ومخصّص لتنفيذ ما يقارب الستّين مشروعاً. والثاني صندوق إعادة الإعمار، وقد خصّصت أمواله من الموازنة والقروض والمنح الدوليّة، وسيتمّ البدء بالعمل بعد انتهاء العمليّات العسكريّة.

وأخيراً، في ظلّ تنامي الفساد الإداريّ، وانخفاض أسعار النفط، مع ارتفاع نفقات الحرب ضدّ "داعش"، ومع العجز الكبير في الميزانيّة الذي يصل إلى أكثر من عشرين مليار دولار، كيف ستتمكّن الحكومة العراقيّة من إعادة إعمار محافظة نينوى وترغيب أهلها بالعودة إليها؟

More from Suha Oda

Recommended Articles