تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مخدّرات بملايين الدولارات في الضفّة الغربيّة

شهدت بداية عام 2017، ارتفاعاً مهولاً في حجم الاستثمارات الماليّة، في زراعة الموادّ المخدّرة وتجارتها في الضفّة الغربيّة، والتي بلغت قيمتها في الـ3 أشهر الأولى نحو 16 مليون دولار، معظمها ذات صلة بتجّار من داخل الخطّ الأخضر، ممّا يشكّل تحدّياً أمام السلطات الفلسطينيّة، في إطار سعيها إلى مكافحتها.
A Palestinian policeman shows one of the hundreds of seized marijuana plants at the police headquarters in the West Bank city of Hebron on March 31, 2015. The plants, which were confiscated in the Hebron area, were being cultivated by a Palestinian farmer in cooperation with Israelis, the Hebron police said. AFP PHOTO/ HAZEM BADER        (Photo credit should read HAZEM BADER/AFP/Getty Images)

رام الله، الضفّة الغربيّة — أظهرت إحصاءات الشرطة الفلسطينيّة، للثلث الأوّل من عام 2017، التي أعلن عنها في 14 آذار/مارس أن قيمة الموادّ المخدّرة التي ضبطت بأنواعها المختلفة، منذ بداية العام الجاري حتّى منتصف شهر آذار/مارس نحو 60 مليون شيكل (16.5 ملايين دولار) في مختلف المحافظات.

وقال المتحدّث الرسميّ باسم الشرطة الفلسطينيّة المقدّم لؤي ارزيقات في حديث مع الـ "المونيتور"، إنّ "هناك ازدياداً كبيراً، في الاستثمار بزراعة المخدّرات وتجارتها في الأراضي الفلسطينيّة هذا العام، مقارنة بالأعوام الماضية".

وبلغت قيمة "ما تمّ ضبطه من حبوب وموادّ مخدّرة، طيلة عام 2016 نحو 5 ملايين شيكل (1.4 ملايين دولار)، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بقيمة ما ضبط خلال الثلاثة أشهر الماضية، ممّا يدلّ على اتّساع التوجّه نحو الاستثمار في هذا المجال"، حسب ارزيقات.

في 27 شباط/فبراير، نفّذت الشرطة الفلسطينيّة، أكبر عمليّة ضبط مخدّرات في تاريخها، في مدينة دورا في جنوب مدينة الخليل، في جنوب الضفّة الغربيّة، حين اكتشفت مزرعة ومشتل ومعمل لإنتاج المواد المخدّرة، في مبنى فخم مكوّن من 4 طبقات، توافرت فيه كلّ المعدّات لإنتاج المخدّرات، ابتداء من البذور وزراعتها ورعايتها بطرق حديثة عن طريق العوازل الحراريّة وتوفير الإضاءة المناسبة، وصولاً إلى الأسمدة والموادّ الكيميائيّة اللازمة لإنتاج هذه الموادّ، حسب ارزيقات.

وأضاف ارزيقات: "المصنع الذي ضبط في دورا، يعود إلى أحد تجّار المخدّرات الفلسطينيّين، من مدينة بئر السبع داخل الخطّ الأخضر (أراضي 48)، الذي قام بتمويله، وإحضار المعدّات لتشغيله"، بينما الذين ألقي القبض عليهم خلال عمليّة الضبط هم من الضفّة الغربيّة، ويجري التحقيق معهم من قبل النيابة العامّة، بينما ما زال التاجر الكبير فار وهارب داخل الخط الأخضر".

وأثارت المعطيات التي نشرتها الشرطة الفلسطينيّة القلق من وجود عصابات منظّمة تعمل في هذا المجال، إذ قال ارزيقات: "هناك توجّه لدى عصابات منظّمة داخل الخطّ الأخضر (اسرائيل)، لتنظيم زراعة الموادّ المخدّرة في الضفّة الغربيّة، عبر إغراء المواطنين بالمال"، مضيفاً: "معظم الموادّ المخدّرة التي نضبطها، مرتبطة بأشخاص من الداخل، وخصوصاً من مدينة بئر السبع".

توجّه تجّار المخدّرات والعصابات من داخل الخطّ الأخضر، إلى الاستثمار بالموادّ المخدّرة في الضفّة الغربيّة، ربّما يفسّر الازدياد في قيمة ما يتمّ ضبطه، لكن ما الأسباب التي تدفع هؤلاء إلى القيام بذلك؟ يقول ارزيقات: "في ظلّ تشديد الرقابة على زراعة الموادّ المخدّرة في إسرائيل، وتشديد الحراسة على الحدود مع سيناء ولبنان، الذي تسبّب في تقليل التهريب، يبدو أنّ هؤلاء التجّار اعتقدوا أنّ الضفّة الغربيّة، ستكون ملاذاً آمناً لهم، خصوصاً في مناطق ج".

وتعدّ مناطق ج التي تشكّل ما يقارب الـ60% من مساحة الضفّة الغربيّة وتقع تحت السيطرة الإسرائيليّة، مناطق جاذبة لهؤلاء التجّار، خصوصاً في محافظة الخليل، التي تقع شمال مدينة بئر السبع التي تقع على حدود الخط الاخضر الذي يفصلها عن الضفة الغربية، ممّا يوفّر سهولة تنقّل المتاجرين بالمواد المخدرة، وتهريب الموادّ بعد إنتاجها، وإخفاء الأدلّة الجنائيّة والشرعية وهروب الأفراد إلى داخل الخط الاخضر (اسرائيل)، إذا ما تمّ كشفها، وهذا يجعل من الصعب على الشرطة الفلسطينية ملاحقتهم امام القضاء ، حسب ارزيقات.

وحول قدرة السلطة الفلسطينيّة على اعتقال الأشخاص من داخل الخطّ الأخضر، قال ارزيقات: "نحاول اعتقالهم قبل هروبهم إلى داخل الخطّ الأخضر، لكن بعد هروبهم نقوم بتجهيز ملفّ امني وليس قضائي يثبت تورّطهم في تجارة المخدّرات، ونسلّمه إلى الارتباط العسكريّ الفلسطينيّ، لمخاطبة الجانب الإسرائيليّ، ليقوم باتّخاذ الإجراءات المطلوبة في حقّهم سواء تسليمهم الى الشرطة الفلسطينية، للتحقيق معهم وتقديمهم للمحاكمة أم اعتقالهم من قبل الشرطة الاسرائيلية وابقائهم في السجون الإسرائيلية". مضيفاً: " اسرائيل لا تقوم بتسليمنا أيّ مطلوب يحمل هوية إسرائيلية، لكن قد تقوم بتسليم مطلوبين من الضفة الغربية يحملون هوية فلسطينية وفروا الى اسرائيل".

ولا يقتصر القلق على ارتفاع كميّة الموادّ المخدّرة فقط، وإنّما من دخول أصناف جديدة أكثر خطورة إلى السوق الفلسطينيّ من قبل تجار المخدرات في الضفة الغربية، او الخط الاخضر، إذ يقول ارزيقات: "معظم الموادّ التي تضبط هي الحشيش والماريجوانا المهجنة، لكنّه جرى تنفيذ أخطر عمليّة ضبط في بلدة عناتا في ضواحي القدس في 14 كانون الثاني/يناير، كانت عبارة عن 3 آلاف وجبة تعاطي هيروين (كيلو ونصف)، في حين أنّ أكثر ما كان يضبط سابقاً من الهيروين وخلال عام كامل، لم يكن يتجاوز الـ500 غرام".

وعن حجم الأرباح من هذه التجارة، قال ارزيقات: "حجم الأرباح كبير جدّاً. لو لم يكن كذلك، لما استخدمت فلل وبنايات فخمة من أجل زراعة المخدّرات، لكن هذه الأرباح تعود إلى التجّار الكبار الذين يموّلون المستنبتات والمشاتل".

وتسعى السلطة الفلسطينيّة إلى مكافحة المخدّرات، ليس فقط من خلال ملاحقة متعاطيها ومروّجيها، وإنّما من خلال تشديد العقوبات القانونيّة في حقّهم. ولذلك، صادق الرئيس محمود عبّاس في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 على قانون مكافحة المخدّرات والمؤثّرات العقليّة.

وتضمّن القانون عقوبات مشدّدة أبرزها ما جاء في المادّة 21 والتي نصّت على أنّه "يعاقب بالأشغال الشاقّة الموقّتة لمدّة لا تقلّ عن 10 سنوات وبغرامة لا تقلّ عن 10 آلاف دينار أردنيّ ولا تزيد عن 20 ألف دينار أردنيّ كلّ من أنتج أو صنّع أيّ مادّة مخدّرة أو مؤثّرات عقليّة أو استوردها أو صدّرها أو قام بنقلها أو خزنها، أو من زرع أيّ من النباتات التي تنتج عنها أيّ مواد مخدّرة أو مؤثّرات عقليّة أو استورد أو صدر مثل تلك النباتات أو تعامل أو تداول بها".

وحول ارتفاع كميّات الموادّ المخدّرة المضبوطة، على الرغم من سنّ القانون الذي تضمّن عقوبات رادعة، قال ارزيقات: "القانون سيشكّل رادعاً لتجّار المخدّرات، إذا ما طبّق في المحاكم الفلسطينيّة كافّة. لقد بدأ تطبيقه بالتدريج في بعض المحاكم، ولذلك يجب الإسراع تنفيذه في كلّ المحاكم، وإذا ما حدث ذلك فسنشهد قرارات قضائيّة رادعة"، في اشارة الى ضرورة تدريب القضاة على نصوص القانون الجديد لتطبيقها، وتحديد الحالات لكل حكم، وهذا يقع على عاتق السلطة القضائية.

وأخيراً، يبدو أنّ سنّ قانون لمكافحة المخدّرات والمؤثّرات العقليّة في فلسطين، ليس كافياً لمواجهة هذه الآفة في ظلّ غياب استراتيجيّة وطنيّة من المؤسّسات كافّة لمكافحة المخدّرات، وعدم سيطرة السلطة الفلسطينيّة على مناطق ج والتي يستغلّها تجّار المخدّرات.

More from Ahmad Melhem

Recommended Articles