تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

غزّة... واقع يدفع الشباب إلى الإبداع لكنّ سرعان ما يقوّضه!

شباب ينفّذون مشاريع إبداعيّة للتخلّص من البطالة، لكنّ التدهور الإقتصاديّ بسبب واقع قطاع غزّة، يجعل مصير هذه المشاريع التوقّف.
Ebra_Khet.jpg

أفكار إبداعيّة ومشاريع ومواقع إلكترونيّة يطلقها شباب من قطاع غزّة، لكنّ أغلبها يتوقّف بطريقة أو بأخرى، والسبب أنّ هذه المشاريع الشبابيّة المستقلّة تبدأ في بيئة أرهقتها الحروب، ويكاد الحصار يقضي على ديمومتها التي تحتاج إلى تشجيع وتسويق وفرصة حقيقيّة وبيئة إقتصاديّة حاضنة.

أطلقت الشابّة أماني الشرقاوي موقعاً خاصّاً بتسويق أعمال الحياكة أسمته "إبرة وخيط"، وكانت مثل العديد من أبناء وبنات جيلها، لا تريد أن تكون ضحيّة البطالة المتصاعدة في فلسطين، فمن بين كلّ 10 شباب هناك 4 يعانون من البطالة، وفق "المركز الفلسطينيّ للإحصاء" في أحدث تقرير له صدر في 12 آب/أغسطس من عام 2016.

ولذلك، أرادت الشرقاوي أن تقوم بمشروع غير تقليديّ. وبالفعل، بدأت به حين احتاجت إلى غطاء لحاسوبها، وقالت لـ"المونيتور": "صنعت الغطاء من نوعيّة قماش أعجبتني، وحِكت بعض التصاميم عليه، وسمعت الكثير من الإطراء، فقرّرت أن يكون هذا مشروعي".

بدأت الشرقاوي بصناعة الأغطية لأجهزة حاسوب أخرى، ثمّ سرعان ما أسّست موقعها الترويجيّ "إبرة وخيط" على "فيسبوك"، وهكذا بدأ النجاح يتصاعد، وقالت: "لاقت الصفحة رواجاً كبيراً، نظراً لخامة القماش المستخدمة والألوان والأفكار الجديدة في التزيين".

شاركت الشرقاوي في معارض للحياكة اليدويّة. كما بدأت بتصوير كلّ منتجاتها، ممّا جعل صيتها كمصوّرة للمنتجات ينتشر بجانب موقعها.

ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فبدأ واقع القطاع المحاصر يؤثّر على مشروع الشرقاوي، إذ قالت: "إنّ أكبر مشكلة تواجهني هي إغلاق المعابر، وغياب المادّة الخام الرئيسة للقماش، ممّا أثر على كميّات إنتاج المشروع وتأجيل العديد من طلبات الزبائن".

ولفتت إلى غياب الداعمين لمشروعها، ممّا جعلها تعتمد على نفسها ومساعدة عائلتها، متمنّية تطوير مشغلها الخاص، واعتماد طرق حديثة في طباعة التّصاميم الإلكترونيّة على القماش.

ويدفع هذا الحصار غزّة إلى الغرق في المشاكل اليوميّة، ولكن في الوقت ذاته هناك من تبقى عينه خارج حدودها، عبر الفضاء الإلكترونيّ للوصول إلى العالميّة، وهذا ما نجح المشروع الثاني بالوصول إليه، وهو مشروع "بسكليت" لاثنين من الشباب في الثامنة والعشرين من عمرهما، هما أسيد ماضي ومحمّد المدهون اللذان استغلاّ براعتهما في التّصميم، ونفّذا حلمهما على أرض الواقع، عبر تصميم الألعاب الالكترونيّة وإطلاقها في السوق.

وبدأ الإثنان مشروعهما في أيّار/مايو من عام 2015، إذ احتضنتهما في مقرّها مسهلة الأعمال Gaza Sky Geeks. ومنذ اللحظة التي بدأ فيها المشروع، فاق الإنجاز التوقّعات.

وفي هذا السياق، قال ماضي لـ"المونتيور": "صمّمنا في البداية لعبة اسمها سيّارتنا. وفي عام 2016، صمّمنا ثلاث ألعاب أخرى، لعبة السبيدر، وكانت موجّهة إلى السوق المصريّ، وحصلنا على ١٠,٠٠٠ تحميل، ثمّ أطلقنا لعبة خاصّة بشهر رمضان، اسمها تحدّيات رمضان، واشتهرت اللعبة كثيراً، بأكثر من ٦٠٠,٠٠٠ تحميل. وبعدها، جاءت لعبتنا الأخيرة، وهي لعبة بارتشن هيرو الموجّهة إلى السوق السعوديّ، وتمّ تنزيل١٠٠،٠٠٠ تحميل خلال شهر".

وأوضح أنّ هذه الإنجازات تمّت برعاية الاستثمار، الذي قدّمته الشركة العربيّة الفلسطينيّة للاستثمار (أيبك). كما لم يقف ماضي وشريكه عند هذا الحدّ، بل سارعا إلى تنمية مهاراتهما الشخصيّة، فسافر المدهون إلى السويد، وماضي إلى سان فرانسيسكو، حيث اطّلعا على أنظمة أحدث الشركات هناك للاستفادة من خبراتها، وسرعان ما عادا، ولديهما رؤية مغايرة بدأت بزيادة عدد أفراد الفريق بضمّ كلّ من فادي زاهر كرسام وفنان تحريك وأسماء ماضي مطورة ألعاب، ومصطفى بلاطة مبرمج.

أمّا الآن فيفكّر الفريق بمزيد من التطوّر، كالحصول على مقرّ مستقلّ، ويترقّب بقلق أن ينجح في جذب جولة استثماريّة جديدة لعام 2017، كي يحمل المستقبل الأمل لأوّل شركة شبابيّة تصمّم الألعاب الإلكترونيّة وتروّجها من غزّة إلى العالم، وسط أوضاع إقتصاديّة متدهورة تهدّد كلّ المشاريع الشبابيّة المستقلّة، وخوف من تقويض استمراريّة النجاح لشركته.

ويختم ماضي "ان غزة بيئة غزة طاردة للاستثمار، لذلك مشروعنا يستطيع التحمل لستة شهور أخرى فقط دون استثمار".

من جهتها، تسعى الشابّة داليا شراب(34عاما) إلى تحقيق حلمها منفردة، فنفّذت الخطوات الأولى لتأسيس شركتها الصغيرة عبر إطلاق موقع الشركة الإلكترونيّ، الذي أسمته Social Dalia. وحضّرت نظاماً إداريّاً وماليّاً وهيكليّة وظيفيّة، كما ينبغي لأيّ شركة.

وبحسب ما تبيّن لـ"المونيتور"، فالشركة تركّز على تقديم خدمات احترافيّة في التسويق الإلكترونيّ من خلال منصّات التّواصل الإجتماعيّ وإدارة الصفحات للشركات الخاصّة عبر الـ"سوشيال ميديا".

وكي تختبر شراب قدرتها على العمل وحيدة في مجال بدأ فيه التنافس يتصاعد وقياس مدى قدرتها على الانتشار في العالم الإلكترونيّ، أطلقت خلال ثلاثة أسابيع من شهر رمضان الماضي، حملة على صفحة "دايتي"، من دون استخدام نظام الإعلانات المموّلة، ونجحت بالفعل في استقطاب 4000 معجب ومعجبة من مصر وفلسطين والعراق.

نجاح هذا القياس لم يقدّم شراب، كما يجب بين زحمة المشاريع الكبيرة، إذ أشارت لـ"المونتيور" إلى أنّها تحمّست كثيراً لمشروعها المستقلّ. وبالفعل، أرسلت عرضاً لتغطية أحد المعارض الإلكترونيّة الكبيرة، ولكن تمّ استثناء موقعها لعدم حصول شركتها على تسجيل رسميّ بعد، وهنا كانت العقبة الأولى: تسجيل الشركة.

وفي هذا السياق، قالت: "اكتشفت أنّ المبلغ المفروض لتسجيل الشركة في وزارة الإقتصاد يزيد عن 800 دولار، فلا أستطيع تحمّله وحدي من دون مستثمر يدعمني، ومع الأسف وزارة الاقتصاد تتعامل مع مشاريع الشباب الصغيرة كالمعاملة مع مشاريع التجّار وأصحاب رؤوس الأموال".

وأسفت شراب على وضع غزّة، الذي يجعل الكثير من الأفكار المبدعة تهرب خارج القطاع، منبّهة إلى أنّها تواجه إشكاليّة أيضاً بسبب عدم وجود فريق متكامل بجانبها يؤمن بالفكرة، ويصبر من دون تلقّي راتب حتّى تحقيق النجاح.

ومع كلّ هذه التحدّيات، إلاّ أنّ شراب وجدت بصيص أمل في دعم فرديّ من قبل المهندس أحمد شلبي، الذي بادر إلى تعيين مصمم وضع شعارالموقع، كما قام بحجز "دومين" الموقع، وترشيح الشركة للدخول إلى السوق.

هناك خبراء في التعامل مع مشاريع الشباب يرون أنّ الإشكاليّة لا تكمن في غياب الدعم، بل في مواضع أخرى، إذ قال مدير مكتب التّعاون الإسلاميّ في قطاع غزّة محمّد حسنة: "يوجد داعمون كثر لمشاريع الشباب، إلاّ أنّ الشباب أنفسهم ينقصهم التخطيط في قياس الحاجة الحقيقيّة لمشاريعهم ومدى أهميّتها. كما لا يوجد اهتمام بتنفيذها في شكل حرفيّ بالميدان، ممّا يجعلها تتراجع أمام المشاريع الكبيرة".

لا يوجد ما يحمي أو يشجع مشاريع هؤلاء الشباب والشابات في قطاع غزة، سواء صندوق للشباب برعاية الحكومة، أو قوانين تنص على تخصيص دعم لأفكارهم، خاصة مع تدهور الاقتصاد الفلسطيني، ودخوله في قطاع غزة مرحلة الانهيار.

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles