تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مصر تسعى إلى إنعاش المصالحة الفلسطينيّة... فهل تنجح في ذلك؟

تحاول مصر كسر الجمود، الذي يخيّم على ملف المصالحة الفلسطينيّة بين حركتي "فتح" و"حماس"، واستعادة دورها الرئيسيّ في هذا الملف، من خلال إبداء استعدادها لاستضافة حوار وطنيّ فلسطينيّ شامل للبحث في إمكانيّة تحقيق المصالحة الفلسطينيّة، الأمر الذي يطرح تساؤلات مهمّة أبرزها: لماذا تصرّ مصر على رعايتها ملف المصالحة الفلسطينيّة؟ وعلى أيّ أسس سيعقد أيّ حوار جديد بين "فتح" و"حماس" بعد الفشل الذي منيت به كلّ الإتّفاقات السابقة؟ وهل تمتلك مصر فعلاً مفاتيح حلّ معيقات هذه المصالحة؟
Palestinian President Mahmoud Abbas (L) and Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi attend a Gaza reconstruction conference in Cairo October 12, 2014. Egypt, which brokered a ceasefire between Israel and the Palestinians in Gaza after a 50-day war, used a reconstruction conference in Cairo on Sunday to call for a wider peace deal based on a 2002 Arab initiative.  REUTERS/Mohamed Abd El Ghany (EGYPT - Tags: POLITICS) - RTR49UU5

مدينة غزّة - تحاول مصر كسر الجمود المخيّم على ملف المصالحة الفلسطينيّة بين حركتي "فتح" و"حماس"، فقد أكد الناطق باسم حركة الجهاد الإسلاميّ داود شهاب خلال تصريح لصحيفة "فلسطين" المحليّة في 22 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016، أنّ مصر أبدت استعدادها خلال لقاء مع وفد رفيع من الحركة زار القاهرة في 14 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016 يترأسه الأمين العام رمضان شلح، لاستضافة حوار وطنيّ فلسطينيّ شامل للبحث في إمكانيّة تحقيق المصالحة الفلسطينيّة، على مبدأ المبادرة التي طرحها رمضان شلح في 21 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، مشيراً إلى أنّ مصر لم تحدّد الموعد بعد.

هذه النوايا المصرية الجديدة الساعية لاستنهاض ملف المصالحة الفلسطينية من جديد، أثارت تساؤلات هامة في الشارع الفلسطيني أبرزها: لماذا تصرّ مصر على رعايتها لملف المصالحة؟ وعلى أيّ أسس سيعقد أيّ حوار جديد بين "فتح" و"حماس"، بعد الفشل الذي منيت به كلّ الإتّفاقات السابقة والتي كان آخرها اتفاق الشاطئ في إبريل 2014؟ وهل تمتلك مصر فعلاً مفاتيح حلّ معيقات هذه المصالحة؟

وسبق أن حاولت دولة قطر إحياء ملف المصالحة من خلال استضافة الرئيس محمود عبّاس في 28 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، وجمعه برئيس المكتب السياسيّ لحركة "حماس" خالد مشعل ونائبه إسماعيل هنيّة لخلق حوار جديد حول المصالحة، إلاّ أنّ عضو المكتب السياسيّ لـ"حماس" موسى أبو مرزوق أكّد في مقابلة مع صحيفة "العربيّ الجديد" في 16 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016 أنّ هذا الحوار الذي لم يستمر أكثر من يوم واحد، توقّف سريعاً بسبب إصرار محمود عبّاس على شروطه.

وقال أبو مرزوق: "ما يريده أبو مازن (محمود عبّاس) من المصالحة أربع نقاط: (أولاً) حكومة وحدة وطنيّة تلتزم ببرنامج منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وهذا لم يكن في أيّ لحظة موضع إتّفاق (بين حماس وفتح)، بل هو أصل المشكلة، (ثانياً) لا إجتماع للمجلس التشريعيّ والذهاب إلى إنتخابات تشريعيّة ورئاسيّة (مباشرةً)، (ثالثاً) لا ذكر لعقد انتخابات المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ، وهذا مخالف لكلّ ما توافقنا عليه أيضاً في اتفاق الشاطئ في إبريل 2014. (رابعاً) لم يأت (عباس) على ذكر عقد الإطار القياديّ الموقّت لمنظّمة التحرير. وبالتّالي، توقّفت كلّ الجهود لتحقيق المصالحة".

أضاف: "لم يعد هناك مجال لأيّ لقاء، إلاّ إذا تغيّر موقف فتح، وعادت إلى الحوار حول ما جرى الإتّفاق عليه سابقاً".

وأكّد الناطق الرسميّ باسم حركة "حماس" حازم قاسم أنّ حركته تنسجم تماماً مع الموقف المصريّ القاضي بإعادة ترتيب البيت الفلسطينيّ وتحقيق المصالحة الفلسطينيّة، ولكنّه قال لـ"المونيتور": "إنّ أيّ لقاء جديد يرتّب لعقده في أيّ مكان، يجب ألاّ يتّخذ شكل الحوارات الثنائيّة بين حماس وفتح، بل يجب أن يكون بمشاركة كلّ الفصائل الفلسطينيّة".

أضاف حازم قاسم: "الحوارات الثنائيّة لم تعد مجدية، لأنّ في كلّ مرة تملي علينا حركة فتح شروطاً جديدة خارجة عن إتّفاقات المصالحة السابقة. ولذلك، نريد أن تجرى أيّ لقاءات جديدة بمشاركة كلّ الفصائل لتكون شاهدة على النتائج، ولتكون قادرة على تحديد الجهة التي تسعى إلى تخريب المصالحة".

وأوضح أنّ أيّ حوار مقبل ومن أجل إنجاحه، يجب أن يقوم على أسس ومبادئ مهمّة، من بينها، التزام كلّ الأطراف بتنفيذ إتّفاق المصالحة، وعدم وضع أيّ طرف لأيّ شروط إضافيّة خارجة عن هذا الإتّفاق.

ومن جهته، أكّد أمين سرّ المجلس الثوريّ لحركة "فتح" أمين مقبول أنّ حركته ترحّب بعودة الجهود المصريّة لإنهاء الانقسام الفلسطينيّ، وقال لـ"المونيتور": "نأمل في أن تكون هناك هذه المرّة رؤية واضحة للمصالحة، ويجب ألاّ نتحاور من أجل الحوار فقط، بل من أجل تنفيذ ما تمّ الإتّفاق عليه سابقاً".

وجرى بين حماس وفتح عدة اتفاقات لإنهاء الانقسام الفلسطيني، أبرزها: اتفاق القاهرة 2011، واتفاق الدوحة 2012، واتفاق الشاطئ 2014. إلا أن خلافات كبيرة منعت إنفاذ ما تم الاتفاق عليه بين الطرفين في قضايا مهمة، أهمها: عدم تسليم حماس إدارة معابر قطاع غزة للسلطة الفلسطينية، وعدم صرف هذه الحكومة رواتب موظفي غزة، وعدم قيام الرئيس محمود عباس بتحديد موعد لعقد الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وأشار إلى أنّ تراجع دور مصر في هذا الملف خلال الأشهر الماضية كان نتيجة تدهور العلاقات بين مصر و"حماس" لارتباط الأخيرة بجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر، وبسبب عدم إحراز تقدّم في تنفيذ إتّفاق المصالحة من قبل "حماس"، وخصوصاً في ما يتعلّق بتسليم معابر غزّة للسلطة الفلسطينية وتمكين حكومة التّوافق من إدارة حكم غزّة، وقال: "إنّ مصر هي الدولة العربيّة الأجدر برعاية ملف المصالحة الفلسطينيّة لارتباطها التاريخيّ والجغرافيّ بالأراضي الفلسطينيّة. ولذا، نحن متمسّكون برعاية مصر لهذا الملف".

وبدوره، أشار الكاتب والمحلّل السياسيّ مصطفى الصوّاف لـ"المونيتور" إلى أنّ مساعي مصر في إعادة إحياء ملف المصالحة "تصب في إطار محاولاتها لاستعادة دورها الإقليميّ والدوليّ، والذي لا يمكن أن يتمّ من دون الاستحواذ على الورقة الفلسطينيّة"، وقال: "إنّ القضيّة الفلسطينيّة تحتاج إلى حلّ دوليّ. ولذلك، تحاول مصر أن يكون لها دور في هذا الحلّ من خلال تولّي مسألة المصالحة بين حماس وفتح لإثبات مكانتها كدولة ذات ثقل في العالم. ولذلك أيضاً، تبدي الآن استعدادها لجمع الأطراف الفلسطينيّة لإجراء هذه المصالحة".

واستبعد أن يكون هناك أيّ منافسة بين مصر وقطر حول الاستحواذ على هذا الدور، وقال: "استبعد أن تكون قطر تحاول أن تستحوذ على الدور المصري فيما يتعلق بالمصالحة الفلسطينية فدور قطر هنا هو المساعدة في تذليل العقبات فقط، ولكن نجاح مصر في رعاية المصالحة يرتبط بوقوفها على المسافة نفسها من كلّ الأطراف".

أمّا المحلّل السياسيّ عادل سماره فاعتبر أنّ قدرة مصر على إنجاح ملف المصالحة بين "حماس" و"فتح" يرتبط بمدى قدرتها على حل ّكلّ مشكلات هذا الملف، ومن بينها مشاكل ماليّة مثل مشكلة رواتب موظّفي غزّة، ولكنّه رأى أنّ مصر لن تكون قادرة على تذليل كلّ هذه المشكلات، وقال لـ"المونيتور": "هنا، قد تبرز أهميّة دور قطر كمساعدة في عمليّة الحلّ، وخصوصاً في تقديم الحلول للمشاكل الماليّة. وأعتقد أنّه طالما بقيت هذه المشكلة عالقة، فإنّ حماس لن تفلت إدارة الحكم في غزّة ولن تسلّم المعابر إلى السلطة الفلسطينية".

وأشار إلى أنّ قطر قادرة على حلّ هذه الإشكاليّة، خصوصاً أنّها قامت بصرف رواتب موظّفي غزّة لشهر واحد خلال تمّوز/يوليو الماضي في إطار مشاريعها الاقتصادية والتنموية في غزة.

ورغم ذلك، إلاّ أنّ عادل سمارة رأى أنّ مصر معنيّة في شكل كبير بأن يكون لها دور على صعيد القضيّة الفلسطينيّة، وخصوصاً قطاع غزّة، وقال: "هذا برز في شكل واضح من خلال انفتاح مصر على غزّة، والذي جاء على شكل دعوة وفود من غزّة لزيارة الأراضي المصريّة وللمشاركة مثلاً في مؤتمر عين السخنة 2، الذي عقد في مصر بين 7-9 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016، والذي أوصى بضرورة تعزيز العلاقات بين مصر وغزّة وتطويرها".

ويأمل الفلسطينيّون في أن يحمل الانفتاح المصريّ على غزّة خطوات جادّة وحقيقيّة لإنهاء الانقسام الفلسطينيّ، بما يقود إلى ترتيب البيت الفلسطينيّ والتخلّص من مشكلاته الداخليّة من أجل التفرّغ لمواجهة الاحتلال الإسرائيليّ المستمرّ.

More from Rasha Abou Jalal

Recommended Articles