تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حوش الياسمين... عين على الأرض وأخرى على تراث فلسطين

في منطقة تحيط بها المستوطنات والحواجز ومهدّدة بالمصادرة، أقام الفنّان مازن سعادة وعائلته، حوش الياسمين الذي يستقبل الزائرين من فلسطين وخارجها بأجوائه وأكله التراثيّ الفلسطينيّ العضويّ.
HoshalYasmine1.jpg

بيت لحم، الضفّة الغربيّة - في منطقة شوّهها الاستيطان والحواجز الإسرائيلية، يقع حوش الياسمين على أعلى تلّة مطلّة على وادي المخرور بين مدينتي بيت لحم وبيت جالا في جنوب الضفّة الغربيّة. يعيش زائر الحوش في تفاصيل المكان بآثاثه وأسلوب تصميمه والطعام الذي يقدّمه، زمناً من الماضي الفلسطينيّ الكنعانيّ بإطلالة ساحرة، وتحديداً في وقت الغروب.

وحوش الياسمين عبارة عن مزرعة مقامة على 36 دونماً، في وسطها بيت بني في الأربعينيّات، قامت عائلة سعادة في عام 2011 باستئجارها من مالكها الأصليّ، وتحويلها إلى مزرعة عضويّة ومنتزه في قلب الطبيعة، ومطبخ يقوم بإعداد الأكل التراثيّ باستخدام الزراعة واللحوم التي تقوم بتربيتها في شكل عضويّ.

ولم تدخل العائلة كثيراً من التعديلات على المزرعة والبيت، كونها تقع في منطقة جيم، ويمنع الاحتلال أيّ بناء فيه، كما يقول بشّار مازن سعادة، والذي يقوم بمساعدة والده مازن سعادة في الحوش لـ"المونيتور": "سلطات الاحتلال تمنع أيّ بناء في المنطقة، لذا قامت العائلة بترميم البيت الموجود في الأصل، ومحاولة تنظيم المكان من دون البناء فيه، ليكون صالحاً لاستقبال الزوّار".

الأستئجار هنا القصد به دفع مبلغ من المال لقاء أستخدام الأرض، وبما فيها البيت، بشكل سنوي ولمدة محددة بين الطرفين، وهذا لا يترتب عليه أيه فائدة مباشرة لصاحب الأرض الأصلي من مردود المشروع المقام على الأرض أي كان، وطبعا يتم توثيق عقد الاسئجار لدى مكتب محاماة قانوني.

وتابع سعادة: "حاولنا قدر الإمكان الحفاظ على المكان كما هو، وتحديداً نظام المزرعة على الطريقة الكنعانيّة، حيث السلاسل الحجريّة التي تقطع المكان وتلفّه، فجزء من فكرة الحوش أن نرى وادي المخرور كما كان سابقاً أخضر ومليئاً بالحيوانات البريّة".

والحوش مفتوح بشكل مجاني لكل الزائرين وحتى من يرغب بالمبيت في المكان، ولا يدفع سوى مقابل الغذاء العضوي التراثي الذي يقدمه الحوش وبأسعار زهيدة.

واستمدّ القائمون عائلة سعادة فقط على الحوش اسمه من زهرة الياسمين التي تزرع في فلسطين بكثرة، والحوش ارتبط بنظام البناء في القرى الفلسطينيّة حيث توجد مساحة مشتركة بين المنازل، وهي ساحة عامّة للسكّان، يلتقون فيها ويتداولون أمور حياتهم.

وهذه ليست التجربة الأولى للعائلة، فوالد بشّار، مازن سعادة فنّان تشكيليّ، وهو ما جعله يهتمّ بالفنون ويشجّعها من خلال ربطها بالتراث، فكان حوش العليّة (حوش عِلية ربيع) في البلدة القديمة في بيرزيت كتجربة أولى في العام 2008، حيث افتتح الحوش للفنّانين للعمل مع السكّان المحليّين في تعليمهم الفنّ والنحت، ويسانده مطبخ فلسطينيّ يقدّم الأكلات الفلسطينيّة من المسخن والزرب والمفتول وورق الدوالي.

وحوش العلية واحد من مجموعة بيوت قديمة تم بنائها قبل العام 1948 في بلدة بيرزيت قامت بلدية البلدة بترميمها عرضتها لإقامة مشاريع ثقافية فيها، فكان حوش العلية الذي قدمت فكرته عائلة سعادة بحيث يكون مساحة مبيت لإستقبال الفنانين والمبدعين من داخل فلسطين وخارجها للعمل على تعليم المحليين في البلدة من أطفال وشبان على فنونهم، يسانده مطبخ فلسطيني يقدم الطعام لهم مقابل المال، كمصدر رزق للمشروع بحيث يمول ذاته. وبعد أنتهاء مدة الأستفادة منه من البلدية أنتقلت العائلة إلى مشروع مشابه وهو حوش الياسمين.

ومن هنا، كان حوش الياسمين مكاناً مفتوحاً لكلّ من يريد أن يقضي وقتاً بعيداً عن أزمة الحياه الحديثة وزحمتها، وللفنّانين والأدباء، لإنتاج أعمال فنيّة من رسم أو نحت، ومن يريد أن يتعلّم الأكل التراثيّ والزراعة العضويّة. كما يقول بشار سعادة: "كثيرون من الفنّانين والأدباء يقصدون الحوش ويقضون أياماً فيه، نقدّم إليهم خلاله الطعام العضويّ من وصفات المطبخ الفلسطينيّ التراثيّ، ومن هنا نربط بين الفنون والأدب والمطبخ الفلسطينيّ الأصيل". وقال سعادة إنّ الحوش لا يقصده المحليّون فقط، فكثير من الوفود من مدن الضفّة الغربيّة تزوره للتمتّع بالطبيعة والأكل العضويّ الذي يقدّمه، إلى جانب العشرات من الوفود الأجنبيّة التي تزوره وتقيم فيه لأيّام.

ولعلّ أهميّة المكان أيضاً، هي في تشجيع المواطنين على البقاء في المناطق المهدّدة بالمصادرة في الحوش الياسمين والمناطق المحيطة، فهي تقع بين ثلاث مستوطنات (عتصيون وجيلو وبيتار)، وتحيط بها ثلاثة حواجز (الأنفاق- الولجة والمالحة- حاجز الارتباط العسكريّ) ، وهو ما جعل العديد من العائلات تلجأ إلى الهجرة من المكان طواعية.

منذ بداية إقامة المستوطنات في المنطقة بعد إحتلال الضفة الغربية في العام 1967 ، ولكن لا أرقام رسمية بأعداد العائلات التي هجرت المنطقة

يقول سعادة: "يمارس الاحتلال والمستوطنون الكثير من الضغوط علينا وعلى المجاورين، لهجرة المكان، فالمياه شبه مقطوعة حيث تمّ سحب كلّ مياه الينابيع إلى المستوطنات، إلى جانب الحواجز التي تغلق المنطقة في حال أيّ أحداث أمنيّة قريبة، كما كان الحال مع بداية انتفاضة القدس في تشرين الأوّل/أكتوبر 2015".

ويلقى المكان إقبالاً من قبل كلّ من يقومون بزيارته، والذي ينعكس من التعليقات التي يتركونها على صفحة الحوش على الـ"فيسبوك"، حيث التمتّع بالطبيعة والجمال، بعيداً عن أزمة المدينة وضوضائها وأسلوب الحياة السريعة التي باتوا يعيشونها في ظلّ التقدّم التكنولوجيّ والعصريّ.

تقول محرّرة مجلّة أفاق البيئة والتنمية الفلسطينيّة ربا عنتباوي، والتي كانت في زيارة إلى المكان لـ"المونيتور": "أهميّة المكان في موقعه على أرض مهدّدة بالمصادرة، تجعل الزائرين له يتعرّفون على مضايقات الاحتلال على أصحاب الأراضي هناك، وتربطهم بالأرض التي هجرها الكثيرون".

وتابعت عنتباوي عن أهمّ ما يميّز المكان قائلة: "المكان واقع على تلّة تطلّ على منظر ساحر، فهي أراضٍ تعتبر من أجمل مناطق فلسطين عموماً، تتمتّع بالتنوّع الحيويّ وبعيدة عن البناء الإسمنتيّ المكتظّ".

وبحسب عنتباوي، فهناك ميزة أخرى للمكان، وهي الزراعة والأكل العضويّ، فمطبخ حوش الياسمين يقدّم الطعام من الدجاج الذي يربّيه في مزرعته، والخضار والأشجار المزروعة فيه أيضاً، من دون استخدام أيّ نوع من الأسمدة الكيميائيّة.

وتابعت: "وطريقة تقديم الطعام الذي يعدّ بطريقة تقليديّة وبموادّ عضويّة، وفي أدوات الفخّار القديمة، تشجّع الأكل العضويّ الذي نفتقده في طعامنا اليوميّ، ممّا يزيد من وعي المواطنين بأهميّة الأكل العضويّ، وخصوصاً أنّه يرتبط بتراثنا الفلسطينيّ".

وأيّاً كانت إيجابيّة حوش الياسمين من حيث موقعه الجميل في قلب الطبيعة، واحتضانه الفنّانين والأدباء وأصحاب المبادرات، تبقى أهميّة هذا المشروع وكثير من المشاريع المماثلة، في تعزيز صمود المواطنين على أرض مهدّدة بالتمدّد الاستيطانيّ عليها.

More from Aziza Nofal

Recommended Articles