تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أنقرة تسعى لتكرار تجربة سوريا الناجحة في العراق

يبدو أن أنقرة تعمل على كافة المستويات لتكريس وجودها في الموصل.
Smoke rises from a bomb attack south of Mosul, during an operation to attack Islamic State militants in Mosul, Iraq, October 20, 2016. REUTERS/Thaier Al-Sudani - RTX2PQIP

ما هو تفكير أنقرة الاستراتيجي في ما يتعلق بمعركة موصل في العراق حتى ولو قامت تركيا بضرب مواقع الأكراد في

سوريا المدعومين من الولايات المتحدة؟ ثمة واقع لا يمكن إنكاره: تسعى أنقرة بكلّ جهدها ليكون لها وجود في الموصل عند يتم خلط الأوراق في العراق.

وردّ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي حذّر الجنود الأتراك من الدخول إلى الموصل قائلًا بتاريخ 17 أكتوبر/تشرين الأول الجاري: "كيف يمكنك منعي من الدخول؟ فحدودي هناك تمتدّ على طول 350 كيلومترًا. ومن لا شأنه له هناك تراه يدخل الموصل. لماذا؟ لأن بغداد هي من دعتهم. سنكون موجودون هناك وعلى الطاولة أيضًا".

في اليوم التالي٬ قامت الصحف التركية المقربة من حزب إردوغان حزب العدالة والتنمية الحاكم بنقل تصريحاته هذه في عناوين لافتة. وبذلك جعل إدوغان الموصل قضية سياسية داخلية مهمة في تركيا.

ولقد بدأت الأزمة الأولى بين أنقرة وبغداد في شهر ديسمبر الماضي بسبب قرار تركيا بتعزيز وجودها في بعشيقة العراقية قرب الموصل.

لقد ذكرت في مقالي في 7 ديسمبر الماضي أن أنقرة تهدف إلى إنشاء مركز مستقل للقوى السنية في الموصل الذي سيحتوي على حكومة إقليم كردستان بقيادة مسعود برزاني والتركمان.

موقف الولايات المتحدة حول أزمة أنقرة وبغداد واضح جدًا. وفي الوقت نفسه ترغب أنقرة تكرار عملية درع الفرات التي سمحت لها بالعودة إلى الساحة في سوريا ولكن هذه المرة في العراق باسم عملية "درع دجلة".

ولكن الوضع هنا يختلف جذريًا. لقد قرر التحالف أن عملية تحرير الموصل ستتم حصريًا على يد القوات التي تحارب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بقيادة الولايات المتحدة والقوات العراقية.

فالجيش الأميركي يسعى إلى الحفاظ على القوات البريّة التي تمكن من بنائها على مرّ أكثر من عام ولا يرغب أن تؤثر الأزمة بين أنقرة وبغداد عليها.

وقال المتحدث باسم البنتاغون الأميركي بيتر كوك إن مسألة مشاركة الجيش التركي في عملية الموصل هي قضية يتعين على كل من العراق وتركيا التعامل معها.

بالنظر إلى كيفية الانتشار على ساحة المعركة٬ يبدو الهدف الاستراتيجي من عملية الموصل دفع داعش شرقًا حيث لا تتواجد أي قوى برية للتحالف ودفعه باتجاه سوريا على محور تلعفر سنجار. بالطبع سيقوم التحالف بحملات جوية مكثفة على قوافل داعش عند دفعه شرقًا.

ومن أجل فهم موقف تركيا من الموصل بشكلٍ أفضلٍ٬ يتعين علينا النظر إلى الوجود العسكري التركي في العراق. فمنذ بداية الألفينات وتركيا تحتفظ بكتيبة دبابات وشركتين في القاعدة الجوية السابقة بامرني جنوب قرية ماتينا.

وتملك تركيا أيضًا كتيبة للمغاوير في كاني ماسي القريبة من الحدود وشركتين للخزانات لحماية القوات في بعشيقة بالإضافة إلى كتيبة المغاوير وستة فرق قوات خاصة مكلفة بالتدريب والتجهيز.

وتملك تركيا أيَضًا مكاتب اتصال تابعة للقوات الخاصة في 10 مدن في إقليم كردستان لا سيما في إربيل ودهوك وزاخو.

ولا يمكن لهذه الوحدات العسكرية الانضمام إلى عملية ضد الموصل. في القوت الراهن٬ ستقتصر مشاركة الجيش التركي على أربعة مدافع الهاوتزر من عيار 155 ملم ومدى 40 كيلومترًا٬ مقرها في بعشيقة.

ما هو الوضع اليوم؟

إن مخيم بعشيقة الذي يضم حوالي 500 إلى 600 جندي ومدافع الهاوترز وصواريخ مضادة للطيران من نوع ستينغر ودبابات وغيرها من الشاحنات المدرعة هو في حالة تأهب قصوىوصرّحت مصادر في أنقرة للمونيتور أنها تريد مخيم بعشيقة إن يلعب الدور الرئيسي في العمليات ضد الموصل من الشمال.

وأوضحت هذه المصادر أنه منذ بداية عملية الموصل لم يطلب أحد استخدام أي قاعدة تركية للهجمات الجوية ولم يشارك أي عنصر تركي بأي عملية ولم يتم إطلاق إي مدفعية من بعشيقة.

من الواضح أن أنقرة مستاءة إلى حدّ كبير من عدم المشاركة في العمليات الجوية في الموصل. وأكثر ما تريد أنقرة هو المشاركة الفاعلة لقوات حرس نينوى التي تضم حوالي 3000 مليشيا عربية سنية وتركمان وأكراد تحت قيادة أثيل النجيفي وهو المحافظ السابق لمحافظة نينوى.

فأنقرة ترى قوات حرس نينوى قوة قوة موازنة لعملية الموصل في الهجوم من الشمال وهي تريد بغداد وطهران الاعتراف بالدور التركي فيها.

وباعتقاد أنقرة يتم الآن اتخاذ المقترحات التركية بعين الاعتبار وبحسب المصادر لقد تم قبول اشتراك قوات حرس نينوى وقوات البشمركة الكردية في معركة الموصل الكبيرة.

وسيقوم نصف عدد حرس نينوى البالغ عدده 3000 جنديًا من الاندفاع إلى وسط الموصل بينما النصف الثاني فسيبقى في الاحتياط.

علم المحاورون الأميركيون بتحفظات تركية رئيسية حول عملية الموصل. فتركيا ترفض أي مشاركة لحزب العمال الكردستاني ضمن قوات البشمركة أو وحدات المقاومة اليزيدية التي ترتبط بحزب العمال الكردستاني.

وتقول المصادر إن الولايات المتحدة قد قدمت لها تأكيدات أن حزب العمال الكردستاني لن يشارك في العملية بأي شكل من الأشكال سواء تحت رايته الخاصة أو راية أي منظمة أخرى.

والعقدة السياسية لهذه العملية هي ما نوع الحكم الذي سيفرض في الموصل بعد انتهائها. فكل قوى في المنطقة لديها هدف مخالف: حكومة برزاني الكردستانية تريد السيطرة على شمال الموصل وحزب العمال الكردستاني يحلم في كانتون في سنجار. أما النجيفي فيريد استعادة قيادته للموصل والعرب الشيعة يرون السيطرة على الموصل كجزء من صراعهم على السلطة في المنطقة الذي من شأنه أن يمكنهم من السيطرة على المدينة بدعم من الولايات المتحدة.

وتتخلص الخطوط الحمراء لأنقرة على الشكل التالي: منع موجة اللاجئين ومنع ادخال الميليشيات الشيعية إلى وسط الموصل أو منع أي قمع للشعب وعدم السماح لحزب العمال الكردستاني من التسلل تحت راية وحدات المقاومة في سنجار.

أما إذا شعرت تركيا أن هذه الخطوط قد تم تخطيها فيمكنها اللجوء إلى الخطة باء ودفع بارزاني والقبائل العربية السنية إلى إعلان إن "ميزان القوى قد تغير. وذلك ندعو تركيا إلى الموصل" وبالتالي تمكين تركيا من لعب دور أكبر في هذا المجال مدعومة بشرعية هذه الدعوة.

وقامت بالفعل بعض القبائل العربية السنية بتاريخ 16 أكتوبر الجاري التي اجتمعت في إربيل بدعوة تركيا إلى الموصل ولكن هذه الدعوة لم تلقَ اهتمامًا يذكر.

وتشعر أنقرة بأن عملية درع الفرات تسير على ما يرام في شمال سوريا مما ساعد تركيا على استعادة مكانتها باعتبارها لاعبًا أساسيًا هناك.

أما الخطة جيم لتركيا في العراق هي تطبيق العملية نفسها في شمال الموصل. وإذا فلشت الخطتان باء وجيم٫ تسعى أنقرة إلى إقامة منطقة عازلة على امتداد 10 كيلومترات مثل ما حصل في سوريا.

وقام وكيل وزارة الخارجية أوميت بالين بزيارة على رأس وفد دبلوماسي تركي إلى بغداد بتاريخ 17 أكتوبر الجاري لمناقشة وضع القوات التركية في بعشيقة وفي عملية الموصل الجارية.

وبحسب مصادر أنقرة إن المهمة الحقيقية للوفد هي شرح تفاصيل الخطة الجيم لأنقرة. فهذه الأخيرة تريد بغداد وواشنطن أن تفهما أن الخطة جيم هي خطة جدية ومجدية.

هل سيقاوم داعش؟

أولًا، بعض الحقائق: على مدى العام المنصرم، واجه داعش نقصًا في الموارد المالية وتراجعًا في عدد المقاتلين الأجانب، وخسارةً بنسبة ٤٠ ٪ من الأراضي الخاضعة لسيطرته في العراق و ٢٠٪ في سوريا، تضاؤلًا في التأييد المحلّي وتوسّعًا للتحالف المضاد لداعش، الذي بدأت قوته تزداد على أرض الواقع.

ما هي، فإذًا، الخيارات أمام داعش في ظل هذه الظروف المضطربة؟

الخيار الأول هو انسحاب مؤقت وعلى مراحل مع نيّة العودة لاحقًا. إذا حافظ داعش على قدرته المركزية في التخطيط، يمكنه ترك وسط المدينة على مراحل من دون أن يتكبّد خسائر هامّة من خلال اتخاذ تدابير قصوى في مواجهة قوات التحالف – عبر استخدام الأسلحة الكيميائية والإعدام الجماعي للسجناء، على سبيل المثال. النية هنا لن تكون التخلي بشكلٍ كاملٍ عن الموصل، إنّما التمهيد لهجوم ثانٍ على المدينة.

الخيار الثاني أمام داعش قد يكون المقاومة حتى النهاية، مما يعني المجازفة بالانقراض في حرب استنزاف مُدُنيّة. هذا السيناريو قد يحفّزه دخول الجيش العراقي إلى المدينة واستعراض قوته ممّا سيقلّب الرأي العام ضدّ داعش.

ويتذكر العرب السنة المشاكل التي واجهتهم للعودة إلى صلاح الدين والأنبار بعد أن تمّ طرد داعش وذلك بسبب الإجراءات التعسفية والقمعية على يد الميليشيات الشيعية.

وعلى الرغم من كل الرسائل المهدئة والمطمئنة من حكومة بغداد يبقى عدد كبير من السنة غير مقتنعين بها.

الآن نعي أن داعش ليس نهاية العالم مثلما ما تم إيهامنا. ولكننا يمكن التوقع منه كقوة منظمة أن يقوم بالحفاظ على تماسكه والمقاومة بأقل الخسائر والاختباء في الموصل.

وإذا اتخذت الاشتباكات طابعًا طائفيًا قد يقرر السكان المحليين الذين لا يؤيدون داعش دعمه ضد الميليشيات الشيعية وبالتالي تعزيز قدرة التنظيم على الانخراط في حرب المدن على المدى الطويل.

ولفهم خطورة الوضع يتعين النظر إلى الأنشطة العسكرية في سيلوبي وهي البلدة التركية الأقرب إلى الموصل. وتنشر تركيا حاليًا مدافع الهاوتزر من عيار 155 هناك لتغطية المستهدفة على امتداد 40 كيلومترًا.

وإذا بدأنا بقراءة تقارير تقول إن أنقرة قد بدأت بنقل المدرعات والكتائب إلى سيلوبي سيكون ذلك مؤشرًا بالنسبة لنا أنها تخلت عن الخطة باء وقررت الانتقال إلى الخطة جيم أي إقامة منطقة عازلة في العراق وبمعنى آخر إطلاق عملية درع نجلة.

More from Metin Gurcan

Recommended Articles