تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

نموّ مؤشّرات الخطر بالنّسبة إلى الاقتصاد التّركي

إنّ المخاطر الاقتصاديّة، والسّياسية والجيوسياسيّة المتزايدة في تركيا أدّت إلى خسائر كبيرة في تدفّقات رأس المال الأجنبي الذي يعتمد عليه النموّ الاقتصادي في البلاد.
Turkey's central bank governor Murat Cetinkaya speaks during a news conference in Istanbul, Turkey, October 27, 2016. REUTERS/Murad Sezer - RTX2QOCR

تزداد مؤشّرات الخطر بالنّسبة إلى الاقتصاد التّركي الذي يعتمد إلى حدّ كبير على تدفّق رأس المال الأجنبي لينمو. فالمستثمرون الأجانب يراقبون الوضع عن كثب ويراجعون القرارات.

إنّ مقايضات العجز عن سداد الائتمان هي مؤشّر كبير يقيس الخطر في بلد معيّن، وتشير إلى قسط التّأمين على الأموال المستثمرة في السّندات السّياديّة للبلد. وكلّما ارتفعت مقايضات العجز عن سداد الائتمان، ارتفعت مخاطر الدّولة. بحسب مصادر اقتصاديّة مثل "رويترز" و"بلومبيرغ"، بلغت مقايضات العجز عن سداد الائتمان في تركيا 250 في شهر تشرين الأوّل/أكتوبر، وهذا ثاني أعلى معدّل في الاقتصادات النّاشئة بعد البرازيل التي يبلغ معدّلها 266. وتأتي جنوب أفريقيا في المرتبة الثالثة مع معدّل قريب جدًا من معدّل تركيا، وتليها روسيا حيث تشهد علاوة المخاطر تراجعًا، مع 218 في شهر تشرين الأوّل/أكتوبر.

تقلّبت علاوة المخاطر في تركيا على مرّ السّنوات. فعندما اندلعت الأزمة الماليّة العالميّة في العام 2008، على سبيل المثال، ارتفعت إلى 321، لتنخفض إلى 167 في العام 2010، عندما اكتسب النّموّ الاقتصادي زخمًا. لكن مع التّراجع الأخير في النّموّ الاقتصادي، ارتفعت علاوة المخاطر مجدّدًا لتبلغ حاليًا 250.

من مؤشّرات الخطر الأخرى التي يجري رصدها على نطاق واسع، هي تصنيف البلد من قبل وكالات التّصنيف الائتماني. خفّضت اثنتان من أبرز ثلاث وكالات يراقبها المستثمرون حول العالم – ستاندرد آند بورز وموديز – تصنيف تركيا الائتماني السّيادي إلى درجة غير استثماريّة في شهري تموز/يوليو وأيلول/سبتمبر على التّوالي، ما أثار غضب أنقرة وترك "فيتش" الوكالة الكبرى الوحيدة التي أبقت تركيا في الدّرجة الاستثماريّة.

يؤثّر تخفيض التّصنيفات بشكل خاصّ على حركة "المال السّاخن" أو الاستثمارات القصيرة الأمد في أسهم البورصة والسّندات السّياديّة. وقد أصبحت هذه الأنواع من الأموال الأجنبيّة مهمّة جدًا بالنّسبة إلى تركيا، فهي تمثّل مخزون استثمار يتراوح بين 40 و42 مليار دولار. بالإضافة إلى ذلك، تولي صناديق التّقاعد بشكل خاصّ اهتمامًا لتقييمات وكالات التّصنيف الائتماني، فتنسحب من الدّول التي جرى تخفيض تصنيفها إلى درجة غير استثماريّة. وبالفعل، تشير بيانات البنك المركزي التّركي إلى خروج الرّساميل الصّافية في أعقاب التّخفيض الأخير في التّصنيف الائتماني.

بعد هروب رأس المال الأجنبي، شهدنا تعثّر اللّيرة التّركيّة أمام الدّولار. فالدّولار، الذي كان يبلغ سعر صرفه مقابل العملة التّركيّة 2.94 ليرة قبل خطوة "موديز"، ارتفع إلى 3.11 ليرة في الأسابيع اللّاحقة، ويبدو من غير المرجّح أن ينخفض عن هذه المستويات. نظرًا إلى حجم الدّين الخارجي الضّخم للبلاد والحصّة الكبيرة من الدّين القصير الأمد التي يشملها ذلك، إنّ ارتفاع قيمة الدّولار إلى هذا الحدّ ليس أمرًا يمكن للاقتصاد التّركي استيعابه بسهولة. فبالنّسبة إلى الكيانات المديونة، إنّ ارتفاع قيمة الدّولار يعني أنّ ديونهم زادت الآن من حيث اللّيرة التّركيّة. وفي ما يتعلّق بالواردات، التي تبلغ حوالي 200 مليار دولار سنويًا، إنّ ارتفاع قيمة الدّولار يعني ارتفاع تكاليف المدخلات المستوردة، بما في ذلك الآلات والمعدّات، وبالتالي التضخّم نتيجة ارتفاع التّكلفة.

في البرنامج الاقتصادي المتوسّط الأجل للأعوام 2017-2019، تقدّر الحكومة ضمنيًا متوسّط سعر تعادل الدّولار واللّيرة للعام 2016 بـ2.95، لكن الاتّجاه تجاوز بالفعل توقّعاته في الأشهر العشرة الأولى من العام. وقف متوسّط سعر التّعادل عند 2.93 في النّصف الأوّل من العام، ليبلغ 3.00 في النّصف الثّاني حتّى اليوم. ويبدو من غير المحتمل أبدًا أن نشهد اتّجاهًا انحداريًا في شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأوّل/ديسمبر، ما يعني أنّ متوسّط العام بأكمله لن ينخفض عن 3.00. وهذا بدوره يساوي زيادة سنويّة بحوالي 10%، نظرًا إلى أنّ متوسّط سعر التّعادل كان 2.73 في العام 2015. بحسب البرنامج، تتنبّأ الحكومة بمعدّل تضخّم استهلاكي يبلغ 7.5% للعام 2016، وفي حال تحقّق ذلك، ستتجاوز أيضًا الزّيادة في سعر تعادل الدّولار واللّيرة معدّل التّضخّم.

أمّا في يتعلّق بالنّموّ الاقتصادي، فيتنبّأ البرنامج بمعدّل يبلغ 3.2% للعام 2016 و4.4% للعام 2017. يعتمد هدف العام المقبل إلى حدّ كبير على تدفّق رأس المال الأجنبي، وهو أمر يعترف به البرنامج نفسه الذي يتنبّأ بألّا يتجاوز الادّخار المحلّي 13% أو 14% من النّاتج المحلّي الإجمالي، ما يعني أنّ الأموال اللّازمة للاستثمار لا يمكن تأمينها إلّا من الخارج. وهذا يطرح السّؤال الرّئيسي: هل سيتحقّق تدفّق رأس المال المتوقّع؟ كيف ستجذب تركيا الأموال الأجنبيّة لتحفيز النّموّ في الوقت الذي ترتفع فيه علاوة المخاطر المترافقة مع درجة "غير استثماريّة" من قبل وكالات التّصنيف الائتماني؟

يشير كلّ من الظّروف السّائدة في تركيا وتوقّعاتها للعام 2017 إلى زيادة المخاطر بدلاً من انحسارها. تزداد نقاط الضّعف الاقتصاديّة مع ازدياد الاستثمارات بنسبة 0.1% فقط هذا العام. وفضلاً عن ندرة الاستثمارات، يعجز صافي الطّلب الخارجي عن تعزيز النّموّ، ويترافق مع تراجع سريع في الطّلب المحلّي، نتيجة المخاطر السّياسيّة والجيوسياسيّة المتزايدة التي تؤثّر على المستهلكين. أثار التّضخّم في المعروض من المساكن قلقًا خاصًّا، ما دفع بالحكومة إلى خفض ضريبة القيمة المضافة على مبيعات المساكن بنسبة 10% الشّهر الماضي على حساب خسارة إيرادات الموازنة. ومع ذلك، يبدو أنّ قطاع البناء والإسكان - وهو القوة الدّافعة للاقتصاد في السّنوات الأخيرة – يتوجّه نحو عقبات جديدة من حيث الطّلب.

إنّ ارتفاع المخاطر الجيوسياسيّة عامل هامّ في انخفاض الطّلب المحلّي الذي يشكّل عصب النّموّ الاقتصادي. تجدر الإشارة إلى أنّ تدخّل تركيا في سوريا والعراق صوّر تركيا كبلد في حالة حرب، ما أبعد كلّاً من السيّاح والمستثمرين الأجانب. هذا وتشكّل الاضطرابات في الشّرق الأوسط، فضلاً عن مواجهة أنقرة المستمرّة مع الجهات الكرديّة سواء أكان على الصّعيد الدّاخلي أم الخارجي، عنصرًا رئيسيًا في عامل الخطر. وإنّ خيار السّياسة الأمنيّة بدلاً من الحوار والمفاوضات بشأن المسألة الكرديّة يزيد بدون شكّ من الخطر في البلد.

باختصار، إنّ السّياسات التي تدير الاقتصاد التّركي الذي هبط بالفعل إلى درجة "غير استثماريّة"، من شأنها أن تزيد عوامل الخطر لا أن تحدّ منها في الفترة القادمة. وأيّ زيادة هامّة في نسب الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في شهر كانون الأوّل/ديسمبر سيكثّف هروب رأس المال الأجنبي من تركيا، ويفاقم المخاطر أكثر فأكثر. 

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

What's included:
Our Expertise AI-driven

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

All premium Industry Newsletters - Monitor the Middle East's most important industries. Prioritize your target industries for weekly review:

  • Capital Markets & Private Equity
  • Venture Capital & Startups
  • Green Energy
  • Supply Chain
  • Sustainable Development
  • Leading Edge Technology
  • Oil & Gas
  • Real Estate & Construction
  • Banking

Already a Member? Sign in

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial