تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مؤسّسات المجتمع المدنيّ في فلسطين تنتقد لكنّها لا تواجه!

مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين توثق الانتهاكات وتقدم المساعدات وتنظم ورش العمل والندوات والمؤتمرات، ولكن هل هي قادرة على إنقاذ أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة من ظلم النظام السياسي الذي تتحكم به كل من حماس وفتح؟!
A Palestinian man rests as other take part in a protest calling for a better living condition for people, in Gaza city April 2, 2016. REUTERS/Suhaib Salem  - RTSD8M3

لم تستطع مؤسّسات المجتمع المدنيّ والمنظّمات الأهليّة في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة طوال عقد من الزمن، أن تؤثّر في الشارع، للتخلّص من الانقسام أو جهتي الانقسام الحاكمتين فتح وحماس، على الرغم من أنّهما السبب في تدهور الأوضاع المعيشيّة والانتهاكات المتزايدة لحقوق الإنسان، ممّا يترك سؤالاً كبيراً حول الدور الذي من المفترض أن تلعبه هذه المؤسّسات، وحدود تدخّلها وتطبيق أهداف الديمقراطيّة والتغيير التي تنادي بها، في ظلّ تمويل أجنبيّ وصل خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2015 إلى 800 مليون دولار، وفقاً لتقديرات حكوميّة رسميّة نشرتها بوّابة اقتصاد فلسطين في شهر كانون الثاني/يناير من العام الحاليّ.

يرى مدير شبكة المنظّمات الأهليّة في قطاع غزّة أمجد الشوا أنّ هذه الأسئلة والمطالب تقليل من الدور الذي تقوم به مؤسّسات المجتمع المدنيّ ومنظّماته، قائلاً لـ"المونيتور": "لا نستطيع أن نحمّلها أكثر ممّا تحتمل، وسط ضعف الدولة أو السلطة ووجود الاحتلال الإسرائيليّ"، لافتاً إلى أنّ هذه المؤسّسات لن تكون يوماً بديلاً عن الدولة، فمجتمع مدنيّ قويّ يعني دولة قويّة والعكس صحيح.

ويضيف: "وسط تدهور الأوضاع في القطاع واستمرار الحصار، أصبحت حاجات الناس كبيرة جدّاً، فهناك فقر وبطالة وانعدام للأمن الغذائيّ، وأصبح مطلوب من مؤسّسات المجتمع المدنيّ أن تقدّم الإغاثة، إضافة إلى مشاريع الديمقراطيّة وحقوق الإنسان والزراعة والمياه، لذلك المبالغ الماليّة التي يتمّ التحدّث عنها قليلة بالنسبة إلى الأزمات المتصاعدة".

من جهّته، يرى الكاتب عاطف أبو سيف، صاحب كتاب "المجتمع المدنيّ والدولة: قراءة تأصيليّة مع إحالة للواقع الفلسطينيّ"، أنّ المنظّمات الأهليّة تبذل جهوداً كبيرة، إلّا أنّ هناك تقصيراً يرجع إلى سببين رئيسيّين، الأوّل يتعلق بأنّ أجندة التمويل الدوليّ لا يحدّدها الشركاء المحليّون بل خبراء أجانب، فلا تكون وفق سياسات تنمويّة محليّة.

وحول السبب الآخر، يوضح أنّه يعود إلى الطابع النخبويّ للمجتمع المدنيّ الفلسطينيّ، ممّا يشكّل أزمة تجعله بعيداً عن حاجات الناس، مضيفاً: "مقارنة بسيطة بين الملايين التي تتلقّاها المؤسّسات العملاقة في مدينتي رام الله وغزّة، وبين القليل الذي تتلقّاه المؤسّسات العاملة في المخيّمات والقرى والأحياء المهمّشة، تكشف العورات".

وفي مقال لمدير مؤسّسة بال ثينك الخبير الاقتصاديّ عمر شعبان نشر على موقع المؤسّسة في 16 آب/أغسطس الماضي، كتب: "المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ لم يقف صامتاً أو محايداً أمام تداعيات الانقسام اللعين، فلم يتوقّف لحظة عن المساهمة بالأفكار والجهود العمليّة التي هدفت وما تزال إلى إنهاء الانقسام، على الرغم من تعرّضه أحياناً إلى حملات التقليل من دوره، وعلى الرغم من كونه ضحيّة للانقسام والحصار والتهميش".

وأضاف في المقال ذاته أنّ "عدم وجود صندوق وطنيّ يخصّص لدعم مبادرات المجتمع المدنيّ وجهوده، يدفع جزءاً منه إلى الاعتماد على المنح الدوليّة والتي لبعضها أجندته الخاصّة، والتي لا تتّفق بالضرورة مع الأهداف التنمويّة الفلسطينيّة".

وتتلقى غالبية مؤسسات المجتمع المدني وهي منظمات غير حكومية التمويل من جهات دولية خارجية، كالمؤسسات النسوية والحقوقية، بسبب عدم وجود صندوق وطني خاص يدعمها سواء كان حكومي أو خاص بالأحزاب الفلسطينية، وهنا يقترح شعبان في مقاله الاقتداء بالتجربة الألمانية بقوله "ذا يتوجب تعزيز التمويل المحلي لمنظمات العمل الاهلي لتقليل الاعتماد على التمويل الدولي. يمكن الاسترشاد بالتجربة الألمانية في هذا السياق، حيث تخصص وزارة الخارجية موازنات لجميع الأذرع التنموية للأحزاب السياسية لدعم عملها سواء في داخل أو خارج الحدود"، مقترحاً إنشاء صندوق وطني يخصص موازنات مالية لدعم جهود هذه المنظمات بشكل مهني.

وفي ما يتعلّق بعدم قدرة هذه المؤسّسات على التخلّص من نظام سياسي يحكم في الضفة وغزة انتهت صلاحيّته بانتهاء فترته الانتخابيّة في كانون الثاني/يناير 2010، وإذا ما كان عدم القدرة هذا ناتج عن ضعف أم تواطؤ مع السلطات، يقول الشوا: "المجتمع المدنيّ ليس متواطئاً مع أيّ من طرفي الانقسام، بل صوته عالٍ في نقدها، ولكن بأدوات المجتمع المدنيّ، الديمقراطيّة والبيانات والفعاليّات وورش العمل والمظاهرات، وهناك الوساطة التي لعبتها المؤسّسات أيضاً بين الطرفين".

وأكّد أنّ هذه المؤسّسات تلعب دوراً إصلاحيّاً كبيراً في شؤون الصحّة والكهرباء في الوقت الذي ترفض سلطتا الضفّة الغربيّة وغزّة التواصل مع بعضهما، خصوصاً في ظلّ غياب دور المجلس التشريعيّ.

واعترف الشوا لـ"المونيتور" أنّ "هناك تقصيراً في الرقابة على أداء الجهّتين الحاكمتين في الضفّة الغربيّة وغزّة، لأنّهما ببساطة من تقومان بمراقبة هذه المؤسّسات".

من جهّته، يرى الكاتب أبو سيف أنّ التخلّص من النظام ربّما ليس من ضمن أولويّات المؤسّسات المدنيّة، مبيّناً بقوله: "وهذا يطرح سؤالاً مهمّاً: لماذا لم تطوّر منظّمات المجتمع المدنيّ استراتيجيّات لمناهضة السياسات القمعيّة؟ أليس من واجب المجتمع المدنيّ حماية الحقوق ومجابهة السلطة الحاكمة إذا اعتدت على حيّز الفرد؟ إنّ المجتمع المدنيّ يبدو متضامناً مع السلطة الحاكمة، قد ينتقدها، لكنّه لا يواجهها".

وعن دور هذه المؤسّسات على أرض الواقع، يرى أبو سيف أنّه يتلخّص بالاستمرار في الوجود، فهي عاجزة عن تطوير مقاربات حقيقيّة لدورها، قائلاً: "الدور المثاليّ والصحيح هو حماية الحيّز بين الدولة والفرد، والحفاظ عليه من تعدّيات الدولة وتمثيله لديها لكن هذا لا يحدث".

الخبير الاقتصاديّ شعبان له رأي مغاير، فيقول لـ"المونيتور": "على العكس، إنّ لهذه المنظّمات دوراً كبيراً في حماية حقوق الإنسان، وكشف الفساد وإعادة الإعمار".

ويستدرك: "ربّما هناك بعض منها تمّ شراؤه من قبل النظام، وبعضها اضطرّ إلى الصمت والحياد تحت ضغط الحاجة للتمويل، كما فقد المجتمع المدنيّ الكثير من رموزه وتماسكه ومسؤوليّته الجماعيّة، لكنّ الأوضاع في الضفّة الغربيّة، وخصوصاً قطاع غزّة كارثيّة والمشاكل كبيرة، والانقسام أضعف كثيراً من قدرة المجتمع المدنيّ على التأثير".

ولفت إلى أنّه من الظلم أيضاً عدم تقدير دور مؤسّسات المجتمع المدنيّ، فقد وضعت كثير من القوانين لحماية المرأة وتأهيل الشباب، كما ندّدت بالاعتقال السياسيّ وكبت الحريّات وتجميد العمليّة الديمقراطيّة.

وتقوم المؤسسات الحقوقية في قطاع غزة كالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومركز الميزان بشكل دوري بتوثيق الانتهاكات التي تتعلق بحرية الرأي والتعبير والاعتقال السياسي أو قتل النساء على خلفية ما يسمى "جرائم الشرف" أو فض التجمعات السلمية من قبل الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما يراقب ائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" شفافية عمل الوزارات الحكومية والمنظمات غير الحكومية.

من جهّته، يرفض مدير عام الشؤون العامّة والمنظّمات غير الحكوميّة في وزارة الداخليّة التي تسيطر عليها حركة حماس في غزة أيمن عايش، كلمة "تواطؤ" لوصف علاقة مؤسّسات المجتمع المدنيّ معهم، قائلاً لـ"المونيتور": "طوّرنا العلاقة على مدار أعوام من الحوار والنقاش الجديّ، من تنافر وصدام إلى تفاهم وشراكة، بمستوى مقبول إلى حدّ كبير".

ويضيف: "لا يعني ذلك أنّنا لا نختلف أو تتباين وجهات النظر، لكنّنا وإيّاهم طوّرنا الاتّصال والتواصل، بحيث نعمل على تجاوز أيّ عقبات في إطار المساحة المتشاركة معنا".

إنّ ما حدث في السنوات الأخيرة من ثورات الربيع العربيّ، والتي كان جزءاً منها سببه المجتمع المدنيّ بمكوّناته من مدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء ومؤسّسات وأحزاب، يترك أملاً كبيراً عند المواطن الفلسطينيّ أن تقوم هذه المؤسّسات يوماً بتغيير معاناته من فقر وغلاء معيشة وحقّ انتخابيّ مؤجّل واعتقال سياسيّ.

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles