تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ما هو مستقبل الحشد الشعبيّ بعد داعش؟

مستقبل فصائل "الحشد الشعبيّ" المسلّحة على المحكّ، بعد طرد "داعش" من الأراضي العراقيّة، بين حلّها نهائيّاً أو دمجها في القوّات النظاميّة أو تحويلها إلى قوّات مناطقيّة وطائفيّة.
Iraqi Sunni Muslim fighters from Hashid Shaabi (Popular Mobilization) take part in a parade during a ceremony marking the Iraqi Police Day at Amiriyat al-Fallujah in Anbar province, January 9, 2016. REUTERS/Thaier Al-Sudani - RTX21NHG

العراق، بغداد: أفادت الحكومة العراقيّة في 26 تمّوز/يوليو من عام 2016 بأنّ فصائل "الحشد الشعبيّ"، الّتي تأسّست في 13 حزيران/يونيو من عام 2014، بعد دعوة المرجعيّة الدينيّة إلى صدّ هجمات تنظيم "الدولة الإسلاميّة"، سوف تتحوّل إلى"تشكيل عسكريّ مستقلّ مرتبط بالقائد العام للقوّات المسلّحة".

ولقد أثار القرار حفيظة الأكراد والسنّة في العراق، حيث نشر موقع "رووداو" الكرديّ آراء لمحلّلين ومواطنين في ١٤ آب/أغسطس ينتقدون قرار رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي، ويعتبرونه خطوة لإيجاد قوّة موازية للدولة.

ويفيد بعض التقارير بأنّ خطوة الحكومة في السيطرة على الفصائل المقاتلة الّتي شاركت في تحرير محافظة صلاح الدين والرماديّ ومدينة الفلّوجة، وتسعى إلى المشاركة في تحرير الموصل، هي "مشروع لتأسيس حرس على غرار الحرس الثوريّ الإيرانيّ".

وتحدّث الإعلاميّ في "شبكة الإعلام العراقيّ" قاسم موزان عن الخطوة في حديثه لـ"المونيتور" بـ11/8 في بغداد، لافتاً إلى أنّها "ستجعل من فصائل الحشد الشعبيّ قوّة أمنيّة تخضع إلى أوامر رئيس الوزراء لمعالجة أيّ خلل أمنيّ بصورة سريعة وفعّالة".

ومن جهته، قال الإعلاميّ حسن شنون لـ"المونيتور" في 11/8 ببغداد: "هذا المشروع سوف يبعد فصائل الحشد الشعبيّ عن نفوذ الأحزاب والاستثمار الطائفيّ، وسوف يقوّي سلطة الحكومة مقابل إضعاف الكتل السياسيّة الّتي أسّست الفصائل المقاتلة".

ويظهر التأييد لقبضة حيدر العبادي على هذه الفصائل المقاتلة الشرسة، القياديّ في الحشد الشعبيّ أحمد الأسدي، الّذي قال لـ"المونيتور" في12/8 ببغداد: "إنّ الحشد الشعبيّ سوف يتحوّل إلى قوّة حكوميّة مستقلّة عن سيطرة الأحزاب السياسيّة عبر الارتباط المباشر بالقائد العام للقوّات المسلّحة حيدر العبادي".

ولأنّ فصائل الحشد الشعبيّ في الوقت الحاضر ترتبط بقوى سياسيّة معروفة مثل "سرايا السلام" الّتي يقودها "التيّار الصدريّ"، و"سرايا عاشوراء" الخاضعة لأوامر المجلس الأعلى الإسلاميّ، و"عصائب أهل الحقّ" وزعيمها الشيخ قيس الخزعلي المنشقّ عن جيش المهدي و"كتائب حزب الله" المقرّبة من "حزب الله" اللبنانيّ، و"منظّمة بدر" ويقودها النائب هادي العامريّ وهو رئيس هيئة "الحشد الشعبيّ"، فإنّ احتمال التمسّك بفصائل الحشد أمر ممكن كغطاء شرعيّ وقانونيّ لنفوذ الأحزاب ولإبقائها كتشكيل عسكريّ وسياسيّ يكون دوره مشابهاً لدور "حزب الله" في لبنان.

وردّ أحمد الأسدي على هذه الفرضيّة بقوله: "إنّ الفصائل الّتي ترفض التحوّل إلى قوّة حكوميّة مستقلّة سوف تعتبر خارجة عن القانون". وفي دلالة على جدّية قرار الحكومة بفرض هيمنتها المطلقة على الفصائل المقاتلة، قال الأسدي: "لقد بدأ تطبيق القرار بالفعل عبر افتتاح مكاتب حكوميّة في المحافظات، تديرها كوادر مدنيّة وعسكريّة لتسجيل أفراد الفصائل المسلّحة في مشروع تحويل الحشد الشعبيّ إلى قوّة أمنيّة تتبع رئيس الوزراء".

لكن ليس احتمال الرفض وحده، هو الّذي يعوق تحويل فصائل الحشد إلى قوّات حكوميّة مستقلّة، إذ قال عضو لجنة الأمن والدفاع النيابيّة ماجد الغراوي خلال حديثه لـ"المونيتور" في 11/8 ببغداد: "هناك عراقيل أمام إعادة هيكلة الحشد الشعبيّ، أهمّها التخصيصات الماليّة وتثبيت موازنته في مشروع الموازنة العامّة. كما أنّ إبعاد الشخصيّات السياسيّة عن التدخّل في عمل الحشد أمر صعب".

وفي الحالتين سواء بقي "الحشد الشعبيّ" على حاله كفصائل تتبع الزعماء الأحزاب أو تحوّله إلى قوّة حكوميّة، فهناك إصرار على بقاء هذه الفصائل بعد رحيل "داعش"، مهما اختلفت "الصيغة" الّتي ستستمرّ بها. ويبرز ذلك في تأكيد كتلة بدر النيابيّة في 4 تمّوز/يوليو من عام 2016 على ضرورة استمرار "الحشد الشعبيّ" في حماية المدنيّين حتّى بعد رحيل "داعش" تماماً من البلاد.

هناك موقف آخر هو على طرف نقيض من مشروع إبقاء "الحشد الشعبيّ" بعد رحيل تنظيم "داعش" عن الأراضي العراقيّة، والمتوقّع أن يكون خلال عام 2016، إذ رأى ضرورة حلّ "الحشد الشعبيّ" تماماً. وهو موقف نادت به قوى إقليميّة مثل السعوديّة، حين قال وزير خارجيّتها عادل الجبير في 2 تمّوز/يوليو من عام 2016: "إنّ الحشد الشعبيّ طائفيّ، ولا بدّ من تفكيكه لأنّه يؤجّج التوتّر الطائفيّ"، كما أيّدت ذلك قوى محليّة مثل النائبة عن "إتّحاد القوى" لقاء ورديّ في حديثها لوسائل إعلام في 26/06/2016.

إنّ البديل بحسب "إتّحاد القوى" السنيّ، هو في تحويل "الحشد الشعبيّ" إلى قوّة مناطقيّة، بحيث يكون لكل محافظة جيشها الخاص بها ويضمّ أبناءها فقط، ويتجسّد هذا المشروع بشكل جدّي في بنود ورقة الإصلاح السياسيّ، الّتي اتّفقت عليها الكتل السياسيّة، وقد وافقت عليه الحكومة تحت مسمّى الحرس الوطنيّ في3 شباط/فبراير من عام 2015، ولم ينفّذ حتّى الآن.

وفي هذا السياق، قال الناشط السياسيّ هادي والي الظالمي خلال حديثه لـ"المونيتور" في 12/8 ببغداد: "سوف يبقى ولاء الفصائل المسلّحة محصوراً بزعامات الأحزاب والجماعات والمناطق، وإنّ إطلاق تسمية الحشد الشعبيّ على هؤلاء المقاتلين لن يغيّر من الحقيقة، إذ تبقى إيديولوجيّتها في الولاء للزعامة الدينيّة أو السياسيّة الّتي تمثّلها وتوفّر الدعم لها".

من المؤكّد أنّ الموقف من الحشد يرتبط بالمصلحة السياسيّة للأحزاب العراقيّة ومدى علاقاتها بالدول الإقليميّة مثل إيران، الّتي تدعم "الحشد الشعبيّ" وتقدّم إليه المساعدات الماليّة والسلاح، ودول مثل السعوديّة تدعو إلى حلّ "الحشد الشعبيّ" في عام 2016 والإمارات العربيّة المتّحدة الّتي عدّت بعض فصائله "جماعات إرهابيّة" في عام 2014.

ولكن المفيد للعراق أن يكون الموقف من الحشد مرتبطاً بمصلحة البلاد، فإذا ما اتّفق على حلّه، يجب ألاّ يظلّ أفراده مجهولي المصير، وأن توفّر لهم فرص العمل، وتحسب للعاطلين منهم رواتب إعالة إجتماعيّة وحقوق تقاعديّة، ويمكن الاستفادة من خبراتهم القتاليّة في الجيش والشرطة، في وقت الحاجة، من دون أن يظلّوا رهن إرادات الأحزاب، الّتي تستخدمهم كميلشيات طائفيّة ومناطقيّة تؤجّج النزاع المسلّح وتقوّض السلم الأهليّ.