تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الفتور يخيّم على علاقة مصر والسلطة الفلسطينيّة

تعيش العلاقات الفلسطينيّة-المصريّة في الآونة الأخيرة حالة من الفتور والتوتّر، بسبب اختلاف الجانبين على ملفّات عدّة، داخليّة وخارجيّة، بالتزامن مع تطوّر مطرد في علاقات القاهرة مع تلّ أبيب، وهو ما يضع علامات استفهام عدّة حول مستقبل الدور المصريّ في القضيّة الفلسطينيّة.
Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu meets Egypt's Foreign Minister Sameh Shoukry in Jerusalem July 10, 2016 REUTERS/Ronen Zvulun - RTSH5NC

لا يبدو أنّ العلاقات بين السلطة الفلسطينيّة ومصر تمرّ بأحسن أحوالها، في ضوء خلافات سياسيّة بينهما لم تعد سريّة، سواء بسبب عدم تشجّع السلطة الفلسطينيّة للمبادرة المصريّة للسلام مع إسرائيل، أم بسبب رفض السلطة الفلسطينية للدعم المصريّ للقياديّ الفتحاويّ محمّد دحلان، فضلاً عن استمرار حالة القطيعة بين مصر وحماس.

وقد أخذ فتور العلاقات الفلسطينيّة-المصريّة بعداً واضحاً علنيّاً عقب الطلب الذي تقدّمت به السلطة الفلسطينيّة إلى مصر في أواخر تمّوز/يوليو لعقد قمّة عربيّة في القاهرة، لمناقشة ملفّ الاستيطان الإسرائيليّ، وتحديد موعد التوجّه إلى تقديم الملفّ إلى مجلس الأمن الدوليّ، لكنّ القاهرة، رفضت الطلب الفلسطينيّ من دون توضيح الأسباب، ولم يتم عقد القمة التي طلبتها السلطة الفلسطينية.

وكتب الضابط الإسرائيليّ السابق في المخابرات الإسرائيليّة يوني بن مناحيم، مقالاً على موقع المعهد الأورشليميّ لشؤون الدولة، في 28 تمّوز/يوليو، ذكر فيه أنّ العلاقة بين السلطة الفلسطينيّة ومصر تتّجه نحو الأسوأ، لأنّ عباس رفض مبادرة السلام المصريّة، بينما تسعى مصر إلى تمهيد الطريق أمام دحلان ليخلف عبّاس.

الجدير بالذكر أن علاقة عباس مع دحلان وصلت إلى القطيعة عقب فصل الأخير من حركة فتح بضغط من عباس في مايو/أيار 2011، لكن دحلان بات الخيار المفضل للسيسي، الذي مارس ضغوطا كبيرة على عباس في نوفمبر/تشرين ثاني 2015، لمصالحة دحلان، تمهيدا لإعادة دحلان إلى الساحة الفلسطينية من جديد، على حساب عباس.

بن مناحيم اعتبر أنّ مبادرة الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي التي أعلنها في مايو/أيار الماضي تضرّ باستراتيجيّة عبّاس الذي يسعى إلى استدراج إسرائيل إلى المؤسّسات الدوليّة، وتعزيز مقاطعتها عالميّاً. الجدير بالذكر أن المبادرة المصرية تدعو الفلسطينيين والإسرائيليين للعودة إلى طاولة المفاوضات، دون شروط مسبقة، مما يتسبب بوقف جهود عباس على المستوى الدولي، لاستصدار قرارات من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ضد إسرائيل، وهو ما يتعارض مع المبادرة المصرية.

لكنّ أمين سرّ المجلس الثوريّ لحركة فتح أمين مقبول قال لـ"المونيتور" إنّ "العلاقة الفلسطينيّة-المصريّة قويّة ومتينة، وكانت الزيارة الأخيرة للرئيس عبّاس في 9 أيّار/مايو إلى القاهرة ناجحة، ناقش فيها مع السيسي كلّ القضايا ذات الاهتمام المشترك المتعلقة بالقضية الفلسطينية، مع العلم أنّه لا تعارض بين المبادرتين المصريّة والفرنسيّة، والمصريّون يدعمون انعقاد المؤتمر الدوليّ، وما يقال عن دعم مصر دحلان هو كلام صحافة، ولا أساس له من الصحّة".

حتى كتابة هذه السطور ما زالت جهود انعقاد المؤتمر الدولي للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين لم تسفر عن تحديد موعد دقيق، مع وجود حالة من الشد والجذب بين الفلسطينيين الذين يؤيدونه، والإسرائيليين الذين يفضلون انعقاد مؤتمر إقليمي بحضور عدد من الدول العربية والإقليمية، دون وجود غطاء دولي للمؤتمر.

يمكن اعتبار هذا التصريح الذي تحدّث به مقبول لـ"المونيتور" حديثاً دبلوماسيّاً، وينمّ عن حرص على عدم زيادة المزيد من الفتور في علاقة رام الله مع القاهرة، لكنّ البيان الأخير للّجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة في 7 آب/أغسطس، كان أكثر وضوحاً حين أعلن دعمه المبادرة الفرنسيّة، من دون التطرق البتّة إلى المبادرة المصريّة، وهو إشارة واضحة إلى عدم تبنّيها من قبل الفلسطينيّين.

تجدر الإشارة إلى أنّ السيسي أصدر في أيّار/مايو مبادرته للسلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، التي تطالب بعودة الجانبين إلى المفاوضات من دون شروط مسبقة، وهو ما يجعل إسرائيل تفضّلها على المبادرة الفرنسيّة التي تدعو إلى عقد مؤتمر دوليّ للسلام، وتعيد القضيّة الفلسطينيّة إلى الأمم المتّحدة، وهو ما ترفضه إسرائيل، ويؤيّده الفلسطينيّون.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة في نابلس عبد الستّار قاسم لـ"المونيتور" إنّه "من الواضح أنّ هناك خلافات بين الجانبين المصريّ والفلسطينيّ تقوم على اختلاف مصالحهما، فمصر تدعم دحلان لأنّها في حاجة إلى الدعم الماليّ من دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، في ظل الأزمة المالية الصعبة التي تمر بها مصر، في حين أن دولة الإمارات تعتبر دحلان أحد أذرعها في المنطقة، وهذا ما يغضب أبو مازن".

تجدر الإشارة إلى أن علاقة دحلان بدولة الإمارات التي وصلها عام 2011 يمكن توصيفها بأنه المستشار الأمني المقرب من ولي عهد الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والمشارك الفاعل في رسم السياسات الأمنية للدولة في الداخل والخارج، في ظل علاقاته الأمنية الإقليمية والدولية التي أقامها دحلان حين كان رئيسا لجهاز الأمن الوقائي الفلسطيني بين عامي 1994-2000، ومستشار الأمن القومي الفلسطيني السابق، وتعتمد عليه الإمارات في إقامة علاقاتها الأمنية مع العديد من العواصم الإقليمية والدولية.

وأشار قاسم "للمونيتور" أنّ "الموقف الفلسطينيّ من المبادرة الفرنسيّة أكثر تحمّساً من المبادرة المصريّة، لأنّ الأولى تعطي الفلسطينيّين أكثر من الثانية، فالفرنسيّون يعيدون القضيّة الفلسطينيّة إلى مرجعيّاتها الدوليّة، في حين تبحث مصر عن دور لها عبر مبادرتها على حساب الفلسطينيّين".

وأضاف قاسم أنّ "هذا الفتور في علاقات مصر والسلطة الفلسطينيّة يتزامن مع تقارب مطرد في علاقات القاهرة مع تلّ أبيب، لأنّ السيسي يبحث عن حماية لنظامه، وإحدى أدوات الحماية في المنطقة هي إسرائيل، بسبب قدراتها الأمنية، وعلاقاتها السياسية الوثيقة مع الدول العظمى في العالم، وهو ما يسفر في النهاية عن تراجع دور مصر ومكانتها بين الفلسطينيّين".

وقد شهدت الأشهر الأخيرة ترجمة متلاحقة للتقارب المصري الإسرائيلي، من بينها إعادة السفير المصري إلى تل أبيب أوائل عام 2016، وزيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى إسرائيل في تموز/ يوليو الأخير، وتكثيف التعاون الأمني والعسكري بين القاهرة وتل أبيب لمحاربة الجماعات الإسلامية الجهادية في سيناء، واتفاق الجانبين على معاداة حماس في غزة.

تبدو الإشارة مهمّة إلى ما ذكره مسؤول فتحاويّ رفض ذكر اسمه، لموقع الخليج الجديد في 29 تمّوز/يوليو، عن وجود وساطات عربيّة عدّة، كانت آخرها من الأردن، لتحسين العلاقات بين عبّاس والسيسي، إلّا أنّها فشلت، ولم تنجح.

ورغم عدم توفر معلومات دقيقة حول طبيعة الوساطة التي قام بها الأردن لمصالحة عباس والسيسي، لكن الصحافي البريطاني، ديفيد هيرست، كشف في تقرير له على موقع "ميدل إيست أي" البريطاني يوم 27 مايو/أيار، أن دول الإمارات ومصر والأردن تخطط لمرحلة ما بعد عباس، وتهمد الطريق لدحلان، دون مزيد من التفاصيل.

وفيما تسود علاقة مصر مع السلطة الفلسطينيّة أجواء من الفتور، وعدم الحميميّة، ما زالت العلاقة بين القاهرة وحماس على حالها من التوتّر، وعدم الاتّفاق، وقد تجلّت آخر مظاهر هذا التوتّر في إلغاء مصر يوم 6 تمّوز/يوليو سفر وفد قياديّ من حماس إليها، بسبب عدم رضا القاهرة على أسلوب حماس في الردّ على أسئلة المصريّين حول توتّر الوضع الأمنيّ في سيناء، خاصة رفض حماس تسليم قائمة مطلوبين من المصريين تقول القاهرة أنهم يتواجدون في غزة وينشطون مع التنظيمات المسلحة في سيناء، ورفض حماس لتشكيل لجنة أمنية مشتركة مع مصر مهمتها التعاون الأمني لمحاربة الإرهاب في سيناء.

وعلى الرغم من أنّ حماس قامت في نيسان/أبريل الماضي بنشر المزيد من قوّاتها الأمنيّة على حدود مصر لمنع أيّ عمليّات تهريب بين غزّة وسيناء، إلّا أنّ المخابرات المصريّة تعتبر إجراءات حماس شكليّة، وخالية من أيّ مضمون عمليّ.

وقال القياديّ في حماس ورئيس لجنة الرقابة في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ يحيى موسى لـ"المونيتور" إنّ "أيّ توتّر في علاقة الفلسطينيّين مع أيّ طرف، وعلى رأسها مصر، يخدم إسرائيل في النهاية، وهي المستفيدة منه، لأنها تستفرد بالفلسطينيين حين تتوتر علاقاتهم مع محيطهم العربي، ولا يجدون دعماً عربياً لهم في مواجهة إسرائيل، علماً أنّه حين يحصل التوافق بين مصر والسلطة الفلسطينيّة، فإنّ الأخيرة لا توظّفه ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ، وفي المقابل، إنّ تقدّم علاقات مصر مع إسرائيل يعبّر عن ضعف وضياع في البوصلة المصريّة تجاه القضايا القوميّة في المنطقة، ممّا جعل مصر دولة غير مؤثّرة، بعدما تقوّت علاقاتها مع إسرائيل".

أخيراً... ربّما يسعى الجانبان المصريّ والفلسطينيّ إلى الحفاظ على علاقات ظاهريّة تبدو جيّدة، لكنّهما لا يستطيعان إخفاء الخلاف في وجهات النظر بينهما حول القضايا المثارة، سواء على صعيد العلاقة مع إسرائيل، أم على صعيد مسألة التوريث في رئاسة السلطة الفلسطينيّة، أم على صعيد مستقبل العلاقة مع قطاع غزّة، وهي ملفّات كفيلة بإبقاء حالة الفتور في العلاقة بينهما، مع حفاظهما على شعرة معاوية، وعدم الوصول إلى مرحلة القطيعة.