تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ما هي مآلات تدخّل العشائر في الشؤون السياسيّة العراقيّة؟

يدفع اهتمام السياسيّين بالعشائر إلى العمل على تنظيم قانون يخصّهم ويدير شؤونهم، ممّا يعدّ محاولة من البرلمان العراقيّ للسيطرة على قوّة العشيرة المتفاقمة.
Iraqi Sunni Muslim tribesmen walk with their weapons during a patrol in Anbar province in this March 3, 2014 picture. Government forces are fighting rebellious Sunni tribes and al-Qaeda splinter group, Islamic State of Iraq and the Levant (ISIL), in western Anbar province.  Picture taken March 3, 2014.  REUTERS/Ali al-Mashhadani (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST POLITICS) - RTR3G33Q

العراق، بغداد - في 14 آب/أغسطس، اضطرّ رئيس البرلمان العراقيّ سليم الجبوري، إلى التحذير من زجّ العشائر في الخلافات السياسيّة، وذلك بعد أيّام على تدخّل عشيرتي وزير الدفاع خالد العبيدي، والنائب محمّد الكربولي، في خلاف سياسيّ نشب بينهما بعدما تبادلا تهماً تتعلّق بالفساد في جلسة البرلمان العراقيّ الشهيرة في 1 آب/أغسطس الماضي.

وبدا أنّ الجبوري متخوّف في شكل كبير من إدخال العشائر في الصراعات السياسيّة، إذ قال خلال استضافة لجنة العشائر في البرلمان عدداً من شيوخ العشائر العراقيّة إنّ "الحفاظ على استقلاليّة مؤسّسة العشيرة في العراق ومكانتها واعتبارها تعدّ ضامناً مهمّاً وأصيلاً، ‏وما يجري من محاولات لجرّ هذا الركن الركين (العشائر) إلى الصراعات الجانبيّة يعدّ محاولة لتقويض بناء المجتمع العراقيّ والدولة العراقيّة".

‏وفي الواقع، تعدّ العشائر إحدى أهمّ المؤسّسات الاجتماعيّة القبليّة في العراق، وعلى الرغم من احتفاظها بالكثير من الأعراف والتقاليد التي تتنافى مع قوانين الدولة، وخصوصاً في المسائل التي تتعلّق بالقتل، حيث تسيّر العشائر شؤونها بنظام "الديّة" القبليّ، إلّا أنّ غالبيّة السياسيّين العراقيّين يبحثون عن رضاها ، كونها تشكّل لهم أكبر صناديق الأصوات إبّان فترات الانتخابات المحليّة والبرلمانيّة.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة المستنصريّة في بغداد أثير الجاسور، إنّه "منذ تأسيس الدولة العراقيّة وإلى الآن، خلقت مشاكل من حيث تقسيم القوى ليتحكّم العرف والتقليد بتفاصيل كثيرة، سواء في تحديد منهج سياسيّ أم اجتماعيّ". وأضاف في حديث إلى "المونيتور" أنّه "بين الصراعات المتعدّدة داخل المجتمع العراقيّ، تقسّمت السلطة بين الدينيّة والعشائريّة وسلطة القانون لتكون الغلبة لمن له القدرة على التأثير والحماية".

ويدفع اهتمام السياسيّين بالعشائر إلى العمل على تنظيم قانون يخصّهم وينظّم شؤونهم. وإقرار هذا القانون محاولة من البرلمان العراقيّ للسيطرة على قوّة العشيرة المتفاقمة أيضاً.

والحقيقة أنّ ما يدفع الجبوري وغيره من السياسيّين إلى الخوف من زجّ العشائر في الصراعات السياسيّة، هو قدرة هذه المؤسّسة القبلية على تقويض سلطة الدولة، إذ أنّ العشائر في غالبها تمتلك سلاحاً متوسّطاً، وبعض منها يمتلك أسلحة ثقيلة أيضاً، ممّا يعني أنّ نشوب أيّ قتال في ما بينها قد يقود إلى انقسام لا يقلّ خطورة عن الانقسام الطائفيّ، إذ أنّ هذه المؤسّسات القبليّة تمتلك علاقات في ما بينها، وانجرار عشيرتين منها إلى اقتتال بسبب سياسيّين قد يجرّ عشائر أخرى إلى الصراع المسلّح.

وليس العبيدي والكربولي أوّل السياسيّين الذين يتحوّل الخلاف السياسيّ بينهما إلى صالات العشائر، إلّا أنّ الخوف كان بسبب تصعيد عشيرة العبيدي، وحثّ رجال منها جميع الوزراء إلى الكشف عن "الفاسدين"، والقول إنّها ستحميهم وتقف إلى جانبهم، وكلّ هذا جاء في مقطع فيديو نشرته وزارة الدفاع على قناتها على "يوتيوب".

في المقابل، لم يتأخّر ردّ عشيرة النائب الكربولي كثيراً وهو الذي اتّهمه وزير الدفاع بالابتزاز من أجل تمرير صفقات، ليخرج شيوخ من عشيرته في مؤتمر صحافيّ معلنين رفضهم كلّ التهم التي وجّهها العبيدي إلى "ولدهم" الكربولي، وأعلنوا أنّهم سيكونون "السيف البتّار ضدّ كلّ من يتطاول على أبنائهم".

ويفسّر الكاتب والصحافيّ العراقيّ عمر الشاهر في حديث إلى "المونيتور" ظاهرة لجوء السياسيّين، ولا سيّما من الطائفة السنيّة، كما في حالة الكربولي والعبيدي، إلى عشائرهم بالقول إنّه "لم تعد هناك كتلة سياسيّة سنيّة كبيرة قادرة على توفير الحماية للسياسيّين السنّة، فبعد تفكّك اتّحاد القوى -أكبر ائتلاف سنيّ في البرلمان وينتمي إليه العبيدي والكربولي- والصراعات الطاحنة بين مكوّناته، لم تبق سوى عشيرة السياسيّ التي يمكن أن يحتمي بها".

الشاهر، وهو الصحافيّ العراقيّ الأبرز في تحليل شؤون المحافظات العراقيّة ذات الغالبيّة السنيّة، قال أيضاً إنّ "الساسة السنّة الذين يعرفون أنّهم يملكون أثراً في الشارع، لا بدّ لهم من بديل عن تحالفاتهم السياسيّة التي كانت تضمن بقاءهم في مناصبهم... وهنا قفزت العشيرة إلى الواجهة لتكون البديل".

غير أنّ الشاهر عاد ليقلّل من الخلافات العشائريّة، وأوضح: "لا أظنّ أنّ دور العشائر سيكون مهمّاً أو أنّه سيواصل الحضور، فليست هناك قبائل كبيرة ومتماسكة دخلت إلى المشهد السياسيّ الآن، بل هي عشائر صغيرة وتعمل مرحليّاً".

وعلى عكس تفاؤل الشاهر في شأن مستقبل العشائر في العمليّة السياسيّة، فإنّ الجاسور يبدو أكثر تشاؤماً، إذ قال إنّ "تدخّل العشيرة في الشأن السياسيّ المباشر يعزّز دورها، ويرفع من شعور القبليّة لدى أبنائها والمؤمنين في قوّتها، ممّا يجعل لها القدرة على أن تكون العنصر القويّ المقابل لسلطة القانون الوطنيّ".

وأبدى الجاسور تخوّفه من أن تطمح السلطة العشائريّة إلى "أن يكون لها دور رئيسيّ في مجالات السياسة المختلفة مثل الانتخابات على سبيل المثال، مقابل تهميش دور القانون الذي أخذ بالضعف بسبب الحدود التي رسمت بين سلطات متعدّدة كانت العشيرة جزءاً منها".

وتخوّف الجاسور أيضاً من أن تتحوّل العشيرة إلى مدافعة عن أبنائها السياسيّين الفاسدين من خلال السلطة التي تمتلكها، وقال إنّ "هذا يعني أنّه مهما كان من في السلطة موغلاً بالفساد فسيجد من يدافع عنه وعن فساده، ممّا يساعد في تماديه وعدم الاكتراث إلى أيّ صوت معارض له".

الحال أنّ السلطة العشائريّة يتنافى الكثير من أعرافها مع القوانين الديمقراطيّة، ويمكن القول إنّها لا تؤمن أساساً بالقوانين، إذ أنّها لا تلجأ إليها لحلّ خلافاتها، وهي تتغوّل في خلق أعرافها التي تدير من خلالها شؤون أبنائها بعيداً عن القوانين الموضوعة من قبل الدولة.

في المحصّلة، فإنّ اللجوء إلى العشيرة لحلّ الخلافات السياسيّة يقوّض القانون، ويدفع المواطن العراقيّ إلى الانزواء داخل المؤسّسة العشائريّة، فطالما يحلّ سياسيّان في السلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة خلافهما السياسيّ داخل صالات العشائر، فما الذي يدفع المواطن إلى اللجوء إلى سلطة القانون؟

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial