تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يدفع الانقلاب الفاشل بأردوغان نحو التقارب مع إيران وروسيا؟

قد يساهم الانقلاب الفاشل في تركيا في إرساء الأسس لتوثيق أواصر العلاقات مع روسيا وإيران، ما يمكن أن يؤدّي إلى تحوّل في الموقف التركي في الملف السوري.
Russian President Vladimir Putin attends a news conference at the Presidential Palace in Ankara, Turkey in this December 1, 2014 file photo. Putin signed a decree imposing economic sanctions against Turkey on Saturday, four days after Turkey shot down a Russian warplane near the Syrian-Turkish border. REUTERS/Umit Bektas/Files - RTX1W9MO

إلى جانب التداعيات الكثيرة في الداخل، قد تكون للمحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا في 15 تموز/يوليو الجاري مضاعفات مهمة على السياسة الخارجية التركية، لا سيما في الملف السوري.

كان الاعتذار الذي تقدّمت به أنقرة إلى موسكو الشهر الفائت على خلفية إسقاط طائرة روسية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي قد عزّز التوقّعات بأنه من شأن تطبيع العلاقات مع موسكو أن يسهّل انعطافة تركيا بعيداً من سياستها الفاشلة في سوريا. بالفعل، سرعان ما أظهر رئيس الوزراء التركي بن علي يدريم انفتاحاً في هذا الصدد، مع العلم بأنه فرض لاحقاً شروطاً مرتبطة برحيل الرئيس السوري بشار الأسد.

يؤثّر عدد من المسائل في التعاطي التركي مع الملف السوري: الدعم التركي للتحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" والذي يُنظَر إليه بأنه غير مناسب؛ السياسة التركية العدائية تجاه الأكراد في شمال سوريا؛ الدعم للمجموعات التي تقاتل الحكومة السورية؛ والخلافات حول استهداف "جبهة النصرة"، فرع تنظيم "القاعدة" في سوريا، وسواها من الجماعات السلفية مثل "أحرار الشام".

ربما أثارت المؤشّرات عن حدوث تحوّل في السياسات غضب أصدقاء أنقرة في الخليج، إلا أن عدداً كبيراً من اللاعبين على الأرض لا يزال يعوّل على الرئيس رجب طيب أردوغان، وخير دليل على ذلك ردود فعلهم حيال محاولة الانقلاب. فقد أدان تنظيم "أحرار الشام" المحاولة الفاشلة، في حين انضم اللاجئون السوريون إلى التظاهرات المناهضة للانقلاب في تركيا. على النقيض من مصر التي عطّلت صدور بيان عن مجلس الأمن الدولي يدين المحاولة الانقلابية، أعربت قطر و"الإخوان المسلمون" و"حماس" عن دعمها القوي لأردوغان، في خطوة يجب اعتبارها بأنها رسالة إليه كي يكمل مساره الحالي.

في الداخل أيضاً، يبدو أن الدعم المستمر للثوّار السوريين هو الشعور السائد في أوساط الجماهير المؤيّدة لأردوغان، والتي أدّت دوراً بارزاً في إحباط المحاولة الانقلابية، بعدما لبّت النداءات التي أُطلِقت عبر مآذن المساجد لمواجهة الانقلابيين في الشوارع.

الضغوط الحقيقية من أجل إجراء تحوّل في السياسات مصدرها عوامل خارجية، منها الهجمات الإرهابية التي تُوجَّه فيها أصابع الاتهام إلى تنظيم "الدولة الإسلامية"، والثورة المتخبِّطة في سوريا، والأهمية الحيوية للروابط الاقتصادية والسياسية مع دول نافذة في المنطقة مثل روسيا وإيران في زمن تدهور العلاقات مع الغرب.

غالب الظن أن تداعيات الانقلاب سوف تؤثّر في لائحة أصدقاء أردوغان في الخارج فيما يجرّ الرئيس التركي بلاده بسرعة أكبر في طريق الحكم السلطوي الذي يخضع لسيطرة الحزب الواحد. مما لا شك فيه أن أردوغان أحصى هذا الأسبوع البلدان التي أدانت الانقلاب، وتلك التي التزمت الصمت، وتلك التي انتظرت لترى لمن ستكون الغلبة. ولا بد من أنه وضع خطاً عريضاً في كتابه تحت الدعم الذي حظي به من بلدَين على وجه الخصوص – روسيا وإيران، وكلتاهما عدوّتان لتركيا في سوريا.

خلافاً لحلفاء أنقرة في الغرب، لم تنتظر إيران فشل الانقلاب لتعلن موقفها. فقد عبّر وزير خارجيتها محمد جواد ظريف عن الدعم للحكومة التركية في تغريدات عبر "تويتر" في الساعات الأولى للاضطرابات. لاحقاً، قال الرئيس حسن روحاني لأردوغان، في مكالمة هاتفية، إن محاولة الانقلاب هي بمنزلة "اختبار لتحديد أصدقائكم وأعدائكم في الداخل والخارج".

في المقابل، هنّأ العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، حليف تركيا في سوريا، أردوغان على إحباط الانقلاب – بعد يومَين من فشله. تستمتع مصادر مقرّبة من إيران في نقل مزاعم تتحدّث عن ضلوع السعودية والإمارات العربية المتحدة في المحاولة الانقلابية، أملاً منها على ما يبدو في أن يشجّع ذلك أنقرة على تغيير محورها.

أما في ما يتعلق بالموقف الأميركي، فأردوغان أقل من راضٍ. حتى إن أعضاء كباراً في "حزب العدالة والتنمية" اتّهموا الولايات المتحدة بدعم قادة الانقلاب. والتكهّنات عن دعم أميركي سرّي للانقلاب تثيرها التقارير عن قيام طائرة تركية أقلعت من قاعدة إنجرليك الجوية حيث تتمركز القوات الأميركية أيضاً، بإعادة تزويد مقاتلات "إف-16" التي استخدمها الانقلابيون بالوقود، واتصال قائد القاعدة الذي جرى توقيفه، بالمسؤولين الأميركيين لمنحه حق اللجوء.

تنفي الولايات المتحدة دعم الانقلاب، إلا أن المسألة السجالية هي أن الانقلاب يشكّل محك اختبار جديداً للعلاقات التركية-الأميركية.

تهدّد الاضطرابات بتوتير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي أيضاً، إذ يبدو أن الحملة ضد القوى التي يُشتبَه في تأييدها للانقلاب ستتخطّى على الأرجح حدود القانون. تبرز في هذا الإطار الدعوات لإعادة العمل بعقوبة الإعدام، واحتمال ارتكاب انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان، وحملة الاعتقالات الشاملة بحق معارضي الحكومة والتي هي أشبه بمطاردة الساحرات، فهذه المسائل يمكن أن تتسبّب بمواجهة مع الشركاء الأوروبيين.

في ما يختص بسوريا، السبب الأساسي في التشنّجات بين تركيا من جهة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية هو مطالبتهما تركيا بتأدية دور أكثر فاعلية في التحالف المناهض لتنظيم "الدولة الإسلامية"، وتعاونهما مع "وحدات حماية الشعب" الكردية السورية و"حزب الاتحاد الديمقراطي" اللذين تعتبرهما أنقرة تنظيمَين إرهابيين.

أثار إغلاق قاعدة إنجرليك، ولو مؤقتاً، تساؤلات عن مستقبل العمليات ضد تنظيم "الدولة الإسلامية". على الرغم من كل الاحتكاكات، لا تستطيع أنقرة بسهولة التراجع عن التزاماتها تجاه المجتمع الدولي فيما يعمد مقاتلو "الدولة الإسلامية" إلى تكثيف حملتهم العالمية ويعرّضون تركيا لخطر التحوّل إلى دولة منبوذة.

فضلاً عن ذلك، تخسر "ورقة إنجرليك" شيئاً فشيئاً فاعليتها في يد أنقرة على ضوء الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة للحد من اعتمادها على هذه القاعدة الجوية في جنوب تركيا. وقد بدأت واشنطن باستخدام قاعدة في كردستان العراق المجاور. وكذلك قال مصدر كردي لإحدى وكالات الأنباء العراقية في 18 تموز/يوليو الجاري إن الولايات المتحدة تنوي إنشاء خمس قواعد إضافية في المنطقة بموجب اتفاق عسكري غير مؤكّد جرى التوصل إليه مع حكومة إقليم كردستان في وقت سابق هذا الشهر.

أما أوروبا من جهتها فغالب الظن أنها لن تخفّف من ضغوطها على أردوغان في موضوع "الدولة الإسلامية"، بغض النظر عن خروجه قوياً من معمعة الانقلاب التي تزامنت مع المجزرة في نيس. وقد حذّر وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيرولت من أن المحاولة الانقلابية لا تعني حصول أردوغان على "شيك على بياض" لكمّ أفواه المعارضين السياسيين، كما أنه شكّك في التزام أنقرة بمحاربة "الدولة الإسلامية".

ومما قاله أيرولت في هذا الإطار: "تُطرَح بعض الأسئلة، ونحن سوف نسألها. [تركيا] موثوقة إلى حد ما، لكن ثمة شكوك أيضاً. لنكن صريحين".

مهما بلغت حدّة المشاحنات مع الغرب، ليس من مصلحة تركيا أن توصَم بأنها دولة راعية لتنظيم "الدولة الإسلامية".

من الأسئلة الأخرى المطروحة بعد الانقلاب: هل سيتمكّن أردوغان من استيعاب الأكراد بعدما عزّز سلطته إلى حد كبير في الداخل؟ حتى الآن، لم تُظهر أنقرة أي مؤشّرات بأنها قد تعمد إلى تغيير سياستها العدائية تجاه "وحدات حماية الشعب" و"حزب الاتحاد الديمقراطي" في سوريا، أو إلى إنهاء الحرب على "حزب العمال الكردستاني" في الداخل. صحيح أن حكومة "حزب العدالة والتنمية" أظهرت بعض الاعتدال تجاه "حزب الشعوب الديمقراطي" الذي يسيطر عليه الأكراد، عبر إرجاء مقاضاة المشترعين المنتمين إلى الحزب، لكن السبب هو أنها كانت بحاجة إلى إجماع وطني في مواجهة الانقلاب. ما عدا ذلك، لا تزال سياسة النزاع والاستقطاب القوة المحفّزة لأردوغان. بعد انتخابات السابع من حزيران/يونيو 2015، نجح أردوغان في استخدام تكتيكات التصعيد لترسيخ قاعدته المحافظة القومية. وبعد فشل الانقلاب، رصّت هذه الجماهير الشعبية صفوفها أكثر فأكثر دعماً له، ويبدو أنه يجب الاستمرار في إرضائها إلى أن يحقّق هدفه بفرض نظام رئاسي.

على صعيد آخر، اتّهم قادة "حزب العمال الكردستاني" مراراً وتكراراً دوائر غولن في الجيش والشرطة بتقويض عملية السلام مع أنقرة. فتح الله غولن داعية يقيم حالياً في الولايات المتحدة، ويُحمَّل أتباعه المسؤولية في المحاولة الانقلابية. بعد انطلاق حملة واسعة النطاق لتطهير أنصار غولن في قطاعات الدولة كافة، قد نتساءل إذا كان يمكن أن تتغيّر الأمور لصالح الأكراد. إلا أنه من السذاجة التوصّل إلى مثل هذا الاستنتاج بطريقة جازمة، نظراً إلى أن الخوف من الأكراد شبه متأصّل في البواعث المؤسّسية للدولة التركية.

الآفاق الأبرز في مرحلة ما بعد الانقلاب هي إمكان حدوث مزيد من التقارب مع روسيا وإيران لتسوية المشكلات الإقليمية. يُعتقَد أن الطيّارَين التركيين اللذين أسقطا المقاتلة الروسية هما بين الانقلابيّين الذين تم توقيفهم، ما قد يساعد على توسيع نطاق الحوار الذي أعيد إحياؤه مع موسكو.

باختصار، أمام أردوغان خياران في الملف السوري: الإبقاء على الوضع القائم وركوب موجة الدعم المحافظ القومي الراسخ، أو اتخاذ مزيد من الخطوات نحو التغيير عبر تعزيز التعاون مع روسيا وإيران. يستحق الخيار الثاني التمعّن أكثر في دراسته، نظراً إلى العوامل الخارجية الإضافية الموضوعة على المحك. لكن حتى لو حدث تحوّل في السياسات، فهذا لا يعني بالضرورة أن تركيا ستعمد إلى تليين موقفها المعارض بشدّة لقيام حكم ذاتي كردي في شمال سوريا. ترفض المكوِّنات المؤسسية للدولة والحكومة على السواء قيام حكم ذاتي كردي في الجهة الأخرى من الحدود ما دامت المشكلة الكردية في الداخل لم تلقَ بعد طريقها إلى الحل.