تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل سيُحَلّ لغز الأطفال الإسرائيليّين اليمنيّين المفقودين عمّا قريب؟

عائلات الأطفال الإسرائيليّين اليمنيّين الذين اختفوا في أوائل خمسينيّات القرن الماضي قد يصابون بخيبة أمل عند فتح أرشيفات هذه القضيّة، فمن غير المؤكّد أنّهم سيجدون أيّ أجوبة هناك.
Yona Musa, 76, from a Yemeni descent, poses with a portrait of her and her husband on June 29, 2016 at her home in the Israeli city of Herzliya, near Tel Aviv. 
Musa is one of the thousands of Israelis, mainly from Jewish Yemenite families, who claim their babies were abducted more than 60 years ago and handed to adoption. Such stories of babies from immigrant families disappearing have been told in Israel for decades, but growing calls to unseal official documents on the allegations mean new light could so

"كانت لي شقيقة تدعى نعومي زينر دخلت إلى المستشفى في جبل المشارف. أتى والدي، رحمه الله، ليزورها، فقال له الأطبّاء إنّها توفّيت. طلب والدي رؤية الجثّة أو الحصول على شهادة وفاة، لكنّهم تجاهلوا طلباته بشتّى أنواع الأعذار. فعاد إلى المنزل بدونها. ... أنا أشعر بالخجل من دولة كان هؤلاء مؤّسّسيها من جهة ومدمّريها من جهة أخرى. أنا أحتقرهم".

هذه الشّهادة التي أدلى بها نيهيميا زينر هي واحدة من آلاف الشّهادات التي جمعتها منظّمة أمرام غير الحكوميّة في أرشيف ضخم جرى تحميله على الانترنت الشّهر الماضي. الصّفحة الرّئيسيّة للموقع مليئة بالصّور، وكلّما ضغطنا على إحداها أخذتنا إلى شهادة أسرة إسرائيليّة (على الأرجح) من أصول يمنيّة تفيد بأنّ أحد أطفالها قد خطفته المؤسّسة الإسرائيليّة في السّنوات الأولى بعد تأسيس إسرائيل، بشكل أساسي بين عامي 1948 و1954.

قضيّة الأطفال اليمنيّين هي واحدة من أكثر القضايا المسبّبة للاحتقان في المجتمع الإسرائيلي. ومنذ ستّينيّات القرن الماضي، أبت أن تختفي عن رادار الرّأي العام، فهي تعود كلّ بعض سنوات لتظهر كموضوع نقاش، ويجري الكشف عن جوانب جديدة لها. تزعم بعض العائلات أنّ المؤسّسة الأشكنازيّة (الأوروبيّة) قامت بشكل ممنهج ومتعمّد بإخفاء آلاف الأطفال من أصول يمنيّة هاجروا إلى إسرائيل في أواخر أربعينيّات وأوائل خمسينيّات القرن الماضي، وأعطتهم لعائلات أشكنازيّة بعد أن قالت لعائلاتهم الحقيقيّة إنّ أطفالهم ماتوا بسبب المرض.

في أيار/مايو 2016، أعادت صحيفة هآرتس طباعة سلسلة من التّقارير الاستقصائيّة حول الموضوع كانت قد نشرتها للمرّة الأولى في تسعينيّات القرن الماضي. ومع إعادة نشر القصص، كلّف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الوزير تساحي هنغبي بالنّظر في نشر شهادات من سجلّات ثلاث لجان تحقيق في المسألة كان قد جرى تصنيفها سريّة حتّى العام 2071.

قال دوف ليفيتان من جامعة بار ايلان الذي يدرس هجرة اليهود اليمنيّين واستيعابهم، بخاصّة قضيّة الأطفال اليمنيّين، إنّ "هذه الشّهادات تصلح كموادّ للقصص، لا كدليل أكاديميّ. هذه شهادات جرى جمعها 50 إلى 60 عامًا بعد ]الأحداث[ وبطريقة غير محترفة. يمكن استعملها كما يستعملونها اليوم لمصلحة عامّة أو سياسيّة".

وقال ليفيتان أيضًا للمونيتور إنّه أجرى مقابلات مع مئات الأسر، وحتّى أكثر من مرّة واحدة مع بعضها بفارق عدّة سنوات. وهو يقول إنّ "القصّة تتغيّر كلّ مرّة. المرّة الأولى يقولون إنّهم كانوا منهكين ومرضى ولم يكن بإمكانهم رعاية الأطفال، وهم وافقوا على عرض الدّولة بالتّخلّي عن أولادهم للتّبنّي. والمرّة الثّانية يقولون إنّهم لم يرغبوا في التّخلّي عن ولدهم لكنّهم خافوا من السّلطات، لذا قدّموا ]الولد[ للتّبنّي. والمرّة الثّالثة يقولون إنّهم عارضوا الأمر وقاوموه، لكنّ الولد أُخِذ منهم بالقوّة. وكلّ مرّة يكونون متأكّدين من قولهم الحقيقة".

وقال شلومي هتوكا، مؤسّس منظّمة أمرام، "هذه الادّعاءات تشبه إنكار الهولوكوست. لا يجوز أن تواجهني بادّعاء قائل إنّ هذه الشّهادات مفبركة، تمامًا كما لا يمكنك مواجهة أحد النّاجين من الهولوكوست بادّعاءات من منكر لها. اختفى أطفال بالجملة في خلال فترة محدّدة، من مستشفيات محدّدة، بطريقة ممنهجة". وتجدر الإشارة إلى أنّ هتوكا، وهو أيضًا شاعر وناشط اجتماعي، يتحدّر من إحدى الأسر اليمنيّة المتضرّرة.

وأضاف هتوكا، "القصّة لم تندثر قطّ؛ فالعائلات لا تنفكّ تتحدّث عنها. وكلّ جيل يستعمل ما يتوفّر بين أيديه من وسائل. جدّدنا النّضال قبل بضع سنوات عن طريق أدوات جيلنا – فيسبوك، تويتر، أرشيف افتراضي، تخصيص أيّام لنشر الوعي والتذكّر للسّماح للحكاية بأن تصبح حيّة بحدّ ذاتها".

وهذه الحكاية هي شرح ليفيتان لمركزيّة القصّة في المجتمع الإسرائيلي. "جرت أمور رهيبة في خلال فترة الهجرة ]المبكرة[ إلى إسرائيل. لقد سرقوا المهاجرين وجرّدوهم من المخطوطات، والثّياب، والمجوهرات، والذّهب والفضّة. كانت طريقة معاملة المهاجرين بأسرها مهينة. قامت الدّولة بكثير من الحماقات، مثل عدم السّماح للأهل بأن يعرفوا في الوقت الحقيقي بأنّ طفلهم قد توفّي. وأصبحت هذه قصّة اليهود اليمنيّين التي انتقلت إلى الجيلين الثاني والثالث. لكنّهم لم يخطفوا الأطفال أو يأخذوهم للتّبنّي بالقوّة. فالأشخاص القادرون على تبنّي الأطفال آنذاك كانوا اليهود الأشكناز الأغنياء، وهم كانوا عنصريّين؛ فما كانوا ليقبلوا بتبنّي طفل يمني".

المأساة هي أنّ كلّ تطوّر في المسألة يأتي ليسبّب شرخًا عميقًا في المجتمع الإسرائيلي. ويعتقد ليفيتان أنّ هذا ما سيحصل عندما تخرج السجلّات إلى العلن، الأمر الذي يبدو أنّه سيحدث بعد انتهاء تحقيق هنغبي.

وأكّد ليفيتان، "سنكون أمام صدع كبير جدًا. فهم يبنون التوقّعات والأوهام، وعندما يفتحون السّجلّات، سيكتشفون أنّ لا شيء فيها ]الشهادات[. لقد رأيت تلك الموادّ، وأعطيت جزءًا كبيرًا منها للجان ]التّحقيق[. ثمّ سيزعمون أنّ اللّجان عملت على لفلفة القصّة، وستستمرّ الحكاية".

يعتقد هتوكا أيضًا أنّ السّجلّات لن تبقى سريّة، لكن بالنّسبة إليه، ليست هذه المسألة الرّئيسيّة. وهو قال إنّ "السّجلّات مهمّة كي نضيف المزيد من الشّهادات إلى تلك التي نملكها بالفعل، لكنّ معظم الأسر لم تشهد على الإطلاق ]أمام لجان التّحقيق[. لدينا آلاف الشّهادات كهذه. ما يهمّ فعلاً هو فتح أوراق التّبنّي السّريّة. هناك أطفال متبنّون اليوم لا يمكنهم الوصول إلى أوراق التّبنّي الخاصّة بهم. إذا كانت الدّولة تريد فعلاً حلّ هذا الموضوع، هذا ما عليهم القيام به. والبديل هو أن تستمرّ الأسر بالانهيار. لا يمكنهم احتمال الوضع. هذه صدمة مستمرّة وحقيقيّة. وعلى الدّولة أن تقوم بالتّعويض – أن تعترف بالمسألة، وأن تطلب السّماح، وأن تخصّص يومًا لإحياء الذّكرى. سيترتّب على ذلك تكلفة اجتماعيّة طبعًا، لكن من جهة أخرى، ستزداد المشاعر السّلبيّة طالما أنّ الدّولة تواصل تستّرها على الموضوع وإنكارها له".

في غضون ذلك، تنقسم إسرائيل بين من هم على يقين بأنه ما من مؤامرة وراء قصّة الأطفال اليمنيّين، ومن هم على قناعة بأنّ ادّعاءات الأسر بأنّه جرى اختطاف أولادهم هي الحقيقة المطلقة. وعلى الأرجح أنّنا لن نعرف أبدًا ما حدث فعلاً.

من جهة أخرى، كشف الإعلام منذ أربع سنوات فقط أنّ الدّولة تستّرت على برنامج يقوم على حقن المهاجرات من إثيوبيا بموانع الحمل بدون موافقتهنّ. وبالتالي يبدو أنّ علينا الإقرار على الأقلّ باحتمال أن تكون المؤسّسة الأشكنازيّة قد قامت بما تزعمه الأسر اليمنيّة، حتّى لو بشكل غير ممنهج. 

More from Yuval Avivi

Recommended Articles