تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السوريّون في لبنان: كلام وأرقام عن حتميّة الإنفجار

لم يكن ينقص اللبنانيّون، إلاّ سلسلة الإنفجارات الّتي نفّذها عدد من الإنتحاريّين الإثنين في 27 حزيران/يونيو من عام 2016، ضدّ بلدة القاع في منطقة البقاع الأوسط، عند الحدود الشرقيّة للبنان مع سوريا، حتّى يعيدوا فتح السجال حول قضيّة النازحين السوريّين على الأراضي اللبنانيّة.
Lebanese army soldiers and policemen secure the area at the site where suicide bomb attacks took place in the Christian village of Qaa, in the Bekaa valley, Lebanon June 27, 2016. REUTERS/Hassan Abdallah - RTX2IE68

لم يكن ينقص اللبنانيّون، إلاّ سلسلة الإنفجارات الّتي نفّذها عدد من الإنتحاريّين الإثنين في 27 حزيران/يونيو من عام 2016، ضدّ بلدة القاع في منطقة البقاع الأوسط، عند الحدود الشرقيّة للبنان مع سوريا، حتّى يعيدوا فتح السجال حول قضيّة النازحين السوريّين على الأراضي اللبنانيّة، ذلك أنّ الشبهات ذهبت فوراً نحو أحد مخيّمات هؤلاء النازحين، في منطقة مشاريع القاع المحاذية للبلدة، كمصدر انطلاق لهؤلاء الإنتحاريّين أو حتّى كملاذ لمجموعات أخرى من الإرهابيّين، وهي الشبهات الّتي سارع أكثر من مسؤول رسميّ وأمنيّ إلى تأكيدها.

وفي ظلّ هذه الأجواء، اندلعت موجة من الذعر، فضلاً عن تعبيرات على وسائل التواصل لم تخل من أحاسيس عنصريّة ضدّ النازحين، مثل المطالبة بطردهم جميعاً، إضافة إلى مسارعة السلطات اللبنانيّة إلى فرض إجراءات خاصّة ضدّهم، مثل حظر تجوالهم في أماكن إقامتهم بعد غياب الشمس، فضلاً عن إعلان السلطات العسكريّة عن توقيف أكثر من 412 سوريّ بتهم مختلفة، وذلك في اليومين اللّذين أعقبا وقوع جريمة القاع.

وعقد مجلس الوزراء جلسة استثنائيّة في اليوم التاليّ بـ28 حزيران/يونيو، من دون التوصّل إلى أيّ نتائج حاسمة، غير أنّ مسألة النازحين السوريّين عادت لتطرح من جديد على طاولة الحكومة عدة مرات، ومن منطلق ضرورة المعالجة الجذريّة والمقاربة الشاملة. وليست مصادفة أنّ الوزيرين اللّذين أثارا القضيّة في شكل لافت، كانا وزيري الخارجيّة والمغتربين جبران باسيل والعمل سجعان قزّي.

فجبران باسيل كان منذ اندلاع الحرب في سوريا في 2011 و2012، قد رفع الصوت محذّراً ممّا يسمّيه مخاطر النزوح السوريّ على لبنان. ولأنّه طيلة الفترة الماضية، لم يوفّر مناسبة إلاّ وأثار خلالها القضيّة، شاءت المصادفة أن يكون باسيل قد طالب قبل أقلّ من 24 ساعة من وقوع جريمة القاع، بإتّخاذ إجراءات مشدّدة ضدّ كلّ النازحين السوريّين. الانتحاريون جاءوا من المخيمات المقامة للنازحين قرب بلدة القاع، في مشاريع القاع. وهم سوريون بحسب ما أعلنته السلطات اللبنانية.

ففي 26 حزيران/يونيو، كان باسيل يتحدّث في مؤتمر عام لأعضاء البلديّات المنتخبة من الحزب الّذي يترأسه، "التيّار الوطنيّ الحرّ"، فدعا البلديّات إلى منع السوريّين في نطاقها من مخالفة القوانين لجهة العمل والسكن. كما إلى القيام بعمليّات تفتيش دوريّة لأيّ تجمّع يقوم به هؤلاء. وبعد هذه المصادفة وبعد التفجير وجلسة مجلس الوزراء، أكّد باسيل في حديث إلى موقعنا أنّه كان يتمنّى "لو أنّ الأحداث الدمويّة لم تؤكّد ما حذّر منه منذ أعوام"، وقال: "غير أنّ ما حصل يشكّل بالنّسبة إلينا دافعاً قويّاً للإستمرار في رفع الصوت، محليّاً ودوليّاً، من أجل منع انفجار لبنان تحت وطأة النزوح السوريّ، فمخاطر هذا الأمر صارت شاملة لكلّ مجالات حياتنا الوطنيّة: أمنيّاً وإقتصاديّاً وبيئيّاً، وصولاً إلى الخطر على وجود لبنان برمّته".

ما هو الحلّ الممكن؟ أضاف باسيل: "سنظلّ نطالب المجتمع الدوليّ بالعمل على تحقيق عودة آمنة لهؤلاء النازحين إلى بلادهم، وسنظلّ نطالب الحكومة اللبنانيّة باتّخاذ كلّ الإجراءات لمنع دخول وترحيل كلّ من لا تتوافر فيه صفة النازح".

ومن جهته، كان سجعان قزّي قد رفع الصوت أيضاً داخل مجلس الوزراء، وهو انضمّ إلى باسيل في مطالبة الحكومة اللبنانيّة بالتنسيق مع السلطات السوريّة، من أجل ضمان عودة السوريّين الّذين لا تنطبق عليهم شروط النزوح الإنسانيّ إلى بلادهم، وهو الأمر الّذي يرفضه فريق الأكثريّة السنيّة في الحكومة، بحجّة رفض التنسيق مع نظام دمشق.

وردّاً على ذلك، قال قزي لموقعنا: "نحن لا نتّخذ موقفاً من الأحداث السوريّة، نحن نريد منع تمدّد هذه الأحداث إلينا. ولذلك، فإنّ التنسيق المطلوب مع دمشق، ليس اعترافاً بشرعيّة هذا الطرف أو ذاك، بل حاجة لحماية بلدنا. ثمّ إنّ السلطات السوريّة هي عضو في منظّمة الأمم المتّحدة، وهناك ممثّل للأمين العام ينتقل بين بيروت ودمشق دوريّاً. وأكثر من ذلك، هناك سفير لهذه الدولة السوريّة معتمد رسميّاً في بيروت، فكيف يكون كلّ ذلك، ونرفض التنسيق ولو بالواسطة مع سلطات دمشق، من أجل إعادة السوريّين إلى بلادهم، وبالتّالي حماية لبنان؟!".

ولكن هل المقصود بإثارة الموضوع الآن على خلفيّة جريمة القاع تعميم الإتّهام بالإرهاب على كلّ نازح سوري؟ قزي يقول أن ما حصل في القاع يجب أن يكون مناسبة لإعادة طرح الموضوع برمته خصوصاً أن هناك هذا الاتجاه الدولي كما يشرحه، من دون أن يعارض موقف باسيل. 

أشار قزّي لموقعنا إلى أنّ مبادرته لطرح الموضوع لا علاقة لها بما حصل في القاع، فهو سارع إلى رفع الصوت قبل أسابيع. وشرح بالتفصيل قائلاً: "تحديداً بعد عودتي من زيارة عمل لجنيف مطلع حزيران/يونيو، فهناك لمست مؤشّرات خطيرة جدّاً بالنّسبة إلى لبنان، ذلك أنّني التقيت مسؤولين دوليّين كباراً، معنيّين بأزمة النزوح السوريّ إلى لبنان. ووجدت ألاّ أحد منهم يفكّر بكيفيّة إعادة أيّ نازح إلى بلاده، لا بل وجدت أنّ كلّ البحث معنا يدور حول كيفيّة استيعاب النازحين في لبنان، سكناً وتعليماً وعملاً، وهو ما اعتبرته توجّهاً دوليّاً إلى تثبيت النازحين في لبنان. صحيح أنّه لا يمكن للمجتمع الدوليّ أن يجنّسهم، لكنّه يعمل على تثبيتهم في أرضنا".

وبالسؤال عمّا إذا كان يستطيع الإفصاح عن هويّات هؤلاء المسؤولين، قال قزّي: "طبعاً، أنا التقيت أحد مساعدي بان كي مون، وهو أحد المديرين التنفيذيّين في الأمم المتّحدة مايكل مولر ومدير مفوضيّة الأمم المتّحدة للاّجئين فيليبو غراندي، إضافة إلى مدير منظّمة العمل الدوليّة غي رايدر. وخرجت بهذه الإنطباعات من سلسلة أحاديثي معهم ومع كثر آخرين، ممّا دفعني إلى تحذيرهم من أنّ بقاء النازحين عندنا يعني تفجير البلد ديموغرافيّاً وإقتصاديّاً وبيئيّاً، قبل أن نصل إلى الخطرين الأمنيّ والإرهابيّ. فنحن لدينا مليون ومئة و70 ألف شخص في لبنان تحت خط الفقر، و460 ألف إنسان خارج سوق العمل، أيّ بمعدّل بطالة يبلغ 25 في المئة. كما لدينا كثافة سكانيّة أصبحت حتّى الآن نحو 560 شخصاً في الكيلومتر المربّع الواحد، فكلّ ذلك يؤشّر إلى أنّ محاولة تثبيت السوريّين عندنا، ستعني حكماً انفجار البلد".

 

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles