تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

القانون الأميركيّ ضدّ حزب الله: كلّ لبنان مستهدف والمعالجة ممكنة

أصبح القانون الأميركيّ 2297 القاضي بمكافحة تمويل حزب الله هاجساً لبنانيّاً عامّاً، خصوصاً بعد صدور توجيهاته التطبيقيةّ في 15 نيسان/أبريل 2016، وإرفاقها بلائحة من نحو 90 شخصاً حقيقيّاً ومعنويّاً شملتهم عقوبات القانون المذكور. فماذا يقول المعنيّون في لبنان حول نتائجه على الوضع اللبنانيّ ماليّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً؟ وكيف يمكن للسلطات اللبنانيّة التعامل معه؟
88198272.jpg

تترقّب بيروت زيارة وشيكة لمساعد وزير الخزانة الأميركيّة لشؤون تمويل الإرهاب دانيال غلايزر. زيارة يتردّد أنّها ستكون في أواخر أيّار/مايو 2016. وهي تكتسب أهميّة قصوى، نظراً إلى أنّها ستكون في سياق متابعة تطبيق واشنطن القانون 2297 الصادر عن الكونغرس الأميركيّ في 15 كانون الأوّل/ديسمبر 2015، حول "منع التمويل الدوليّ لحزب الله"، علماً أنّ وفوداً رسميّة ومصرفيّة لبنانيّة عدّة، كانت قد زارت واشنطن في الفترة التي أعقبت صدور القانون المذكور، للبحث في مفاعيله العمليّة، وبالتالي في تأثيراته المرتقبة على لبنان. وعادت تلك الوفود يومها بنتيجة أساسيّة، أنّ على بيروت أن تنتظر التوجيهات التطبيقيّة للقانون المذكور، من أجل البحث في كيفيّة التعامل معه في الواقع العمليّ. وكما كان متوقّعاً ومقرّراً، صدرت تلك التوجيهات في 15 نيسان/أبريل 2016 عن وزارة الخزانة الأميركيّة، مكتب مراقبة الموجودات الخارجيّة OFAC.

وقد ترافق صدور تلك التوجيهات في اليوم ذاته مع نشر المكتب نفسه لائحة اسميّة لأشخاص حقيقيّين ومعنويّين، تعتبرهم السلطات الأميركيّة مشتبهاً بهم ضمن أحكام القانون المذكور. وقد بلغ عدد الأسماء الجديدة المنشورة أكثر من 90 اسماً، ممّا يفرض عمليّاً إقفال أيّ حسابات مصرفيّة لهم في أيّ مصرف حول العالم، ومنع أيّ تعامل مصرفيّ أو تجاريّ معهم، تحت طائلة شمول العقوبات الأميركيّة من يقوم بخرق كهذا. وهو ما فاقم البلبلة في لبنان حول التداعيات السلبيّة المحتملة لهذا القانون وتطبيقاته. فسارع مصرف لبنان المركزيّ إلى إصدار تعميم إلى كلّ المصارف اللبنانيّة، في 4 أيّار/مايو 2016، يطلب منها بموجبه عدم إقدام أيّ مصرف لبنانيّ على إقفال أيّ حساب لديه أو منع فتح أيّ حساب لأيّ شخص حقيقيّ أو معنويّ، إلّا بعد التنسيق مع المصرف المركزيّ.

وسط هذا المشهد، حاول موقع "المونيتور" الإضاءة على أبعاد المسألة، عبر آراء بعض المعنيّين مباشرة بالقضيّة.

عضو كتلة التحرير والتنمية، وهي الكتلة التي يرأسها رئيس البرلمان اللبنانيّ نبيه بري، النائب ياسين جابر كان أحد أعضاء الوفد النيابيّ اللبنانيّ الذي شكّله بري وكلّفه زيارة واشنطن أواخر شباط/فبراير الماضي ولقاء عدد من المسؤولين الأميركيّين، للبحث في القانون المذكور بعد صدور التوجيهات التطبيقيّة ولائحة الأسماء الجديدة. ويقول جابر لموقعنا إنّ ما صدر "كان تماماً ضمن المتوقّع، فهو ليس مفاجئاً لا في مضمون التوجيهات ولا ربّما في لائحة الأسماء. ذلك أنّنا كوفد نيابيّ خلال مهمّتنا في العاصمة الأميركيّة، حرصنا على التأكّد من أنّ القانون الأميركيّ المذكور لن يطال اقتصاد لبنان، ولا قطاعه المصرفيّ، ولا أيّ فئة لبنانيّة في شكل عام. وهو ما سمعنا تطمينات أميركيّة حياله. كما أنّ رئيس البرلمان اللبنانيّ نبيه بري، وجّه رسالة إلى الرئيس الأميركيّ باراك أوباما يناشده فيها الحرص على هذه الجوانب، ومراعاة وضع لبنان الدقيق والحسّاس". أمّا عن المرحلة المقبلة على هذا الصعيد، فيقول جابر: "نحن نتوقّع الآن أن يلجأ مصرف لبنان المركزيّ بعد إصدار تعميمه، إلى تكليف فريق قانونيّ دوليّ متابعة القضيّة وملاحقة تفاصيلها المعقّدة، وذلك لدراسة النصوص الأميركيّة ووضع سلسلة من التعاميم إلى المصارف اللبنانيّة للتعامل معها من دون أيّ مشاكل".

من جهّته، لا يبدو منسّق الأمانة العامّة لقوى 14 آذار الدكتور فارس سعيد على المستوى نفسه من الارتياح والاطمئنان إلى تداعيات القانون الأميركيّ ضدّ حزب الله لبنانيّاً. يقول سعيد لموقعنا: "إنّها مرحلة جديدة كليّاً، على أكثر من مستوى، مصرفيّ كما رسميّ واقتصاديّ وسياسيّ. ولا يمكن التعاطي مع الأمر بخفّة أو استسهال". ولدى سؤالنا سعيد عن مكامن قلقه هذا، يجيب: "لنأخذ عدداً من الأمثلة. هناك مستشفى في بيروت اسمه مستشفى الرسول الأعظم. الجميع يعرف أنّه تابع إلى حزب الله. ماذا لو أدرج لاحقاً على لائحة الأشخاص المعنويّين الذين يطالهم القانون الأميركيّ؟ فهذا المستشفى يتعامل في شكل يوميّ مع مؤسّسات حكوميّة، مثل وزارة الصحّة اللبنانيّة أو صندوق الضمان الاجتماعيّ. كما يتعامل دوريّاً مع مؤسّسات لبنانيّة خاصّة عدّة، بين شركات تأمين وتجّار معدّات طبيّة ولوازم استشفائيّة وغيرها. ماذا يفعل عندها؟ ماذا تفعل المؤسّسات الحكوميّة إذا صار هذا المستشفى محظوراً أميركيّاً؟ ماذا يفعل التجّار المتعاملين معه؟ فلنأخذ مثلاً آخر، هناك مؤسّسات مقاولات معروفة اسمها "جهاد البناء"، ومعروف أيضاً أنّها تابعة إلى حزب الله. هذه المؤسّسة تتعامل أيضاً بحكم عملها مع مؤسّسات حكوميّة لبنانيّة ومع وزارات. ماذا لو صارت ضمن لائحة الحظر؟ أكثر من ذلك، هناك مؤسّسات تربويّة تابعة إلى حزب الله، وتضمّ ضمن مدارسها عشرات آلاف الطلّاب، وهي حكماً على علاقة يوميّة مع وزارة التربية اللبنانيّة. ماذا يحصل إذا صارت ضمن لائحة القانون الأميركيّ؟ ماذا لو أدرجت أسماء نوّاب حزب الله في البرلمان اللبنانيّ أو وزراء حزب الله في الحكومة اللبنانيّة، بما يعني ذلك من شمول القانون الأميركيّ رواتبهم ومعاملاتهم القانونيّة وتواقيعهم على الوثائق الرسميّة المصرفيّة أو التجاريّة وغيرها؟ فضلاً عن أمثلة كثيرة أخرى عن مؤسّسات كثيرة مرتبطة بمجمل الاقتصاد اللبنانيّ، الرسميّ منه كما الخاصّ، لا بل مرتبطة بمجمل المجتمع اللبنانيّ".

بين ارتياح النائب جابر وقلق الدكتور سعيد، لجأنا إلى رأي قانونيّ متخصّص في القضيّة، المحامي اللبنانيّ علي زبيب، وهو أحد القانونيّين اللبنانيّين المتخصّصين في القانون الدوليّ، وأحد الذين لجأت المؤسّسات الحكوميّة اللبنانيّة إلى استشارتهم للبحث في كيفيّة التعامل مع القانون الأميركيّ المذكور ونتائجه. يقول زبيب لموقعنا إنّ حقيقة الوضع حيال تداعيات الخطوة الأميركيّة، هي فعلياً في منزلة وسطى بين القلق والاطمئنان. وذلك بحسب تعاطي السلطات اللبنانيّة مع الموضوع. ويشرح زبيب أنّ "الجديد الأساسيّ في القانون الأميركيّ 2297، هو إضافة صفة منظّمة إجراميّة إلى صفة منظّمة إرهابيّة لتوصيف حزب الله وفق القانون الأميركيّ. وهذه الإضافة تعني أنّ جهّات حكوميّة أميركيّة جديدة باتت معنيّة أو مخوّلة ملاحقة حزب الله وكل ما يرتبط به، وهي لجان الكونغرس المتخصّصة، ومكتب الاستخبارات ضمن وزارة الخزانة الأميركيّة، وطبعاً السلطات الأميركيّة المعنيّة بمكافحة تبييض الأموال وغيرها من الجرائم المنظّمة. إذاً صارت معظم الهيئات الحكوميّة الأميركيّة معنيّة بملاحقة هذا الحزب. وهذا ما يعقّد المعالجة لبنانيّاً".

غير أنّ زبيب لا يذهب في قراءته إلى حدود الذعر. فهو يلاحظ على سبيل المثال أنّ "لائحة OFAC الأخيرة تضمّنت اسم شخص متوفٍّ، وهو العلّامة الشيعيّ الراحل محمّد حسين فضل الله، الذي لم يذكر كشخص معنويّ، لجهّة مؤسّساته، بل ورد اسمه ضمن اللائحة كشخص حقيقيّ، وهو متوفٍّ منذ عام 2010، ممّا يعني أنّ الثغرات دائماً موجودة. وهي ثغرات قد تكون سلبيّة أو إيجابيّة، وهي ما على الحكومة اللبنانيّة البحث عنها للمعالجة وتجنيب لبنان أيّ سلبيّات".

وبسؤال المحامي زبيب عن أبرز ما يمكن للحكومة اللبنانيّة الاستفادة منه من ضمن نصوص القانون الأميركيّ، يقول: "هناك فقرتان أساسيّتان، على لبنان التركيز عليهما. فضمن نصّ القانون حول كيفيّة وقف العقوبات أو تجميدها، والقسم المشار إليه في الـPage 129 STAT. 2208، الفقرة (c) ببنديها 1 و2، يقول القانون في شكل واضح إنّه يطلب من الرئيس الأميركيّ تطبيق هذا القانون على أيّ مؤسّسة، إذا ما أكّد الرئيس للجان الكونغرس المختصّة خطيّاً، أنّ هذه المؤسّسة توقّفت عن ممارسة أيّ نشاط إرهابيّ، أو اتّخذت إجراءات جدّية لوقف ذلك، أو حتّى إذا تلقّى الرئيس تأكيدات موثوقة من الحكومة المعنيّة بذلك. هذا النصّ يفتح باباً واسعاً أمام الحكومة اللبنانيّة لمعالجة أيّ انزلاقات أو انحرافات في تطبيق القانون الأميركيّ. وهو أفضل وسيلة لذلك، لأنّه يأتي من ضمن القانون الأميركيّ نفسه، وفي سياق علاقة الحكومتين الأميركيّة واللبنانيّة".

يبقى الأكيد أنّ انعكاسات القانون الأميركيّ على الوضع اللبنانيّ برمّته وعلى وضع حزب الله، مسألة ستكون مفتوحة مع الوقت والتطوّرات، وهي ستكون مدار متابعة لبنانيّة شاملة، حكوميّاً وسياسيّاً ومصرفيّاً. وهو ما قد تكون محطّته الأولى في المدى المنظور، مع زيارة المسؤول الأميركيّ دانيال غلايزر إلى بيروت، في النصف الثاني من أيّار/مايو الجاري.

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles