تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

صندوق النقد الدوليّ يقرض بغداد بشروط صعبة... الحكومة محرجة والبرلمانيّون يحذّرون!

لجأت الحكومة العراقية إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي بشروط صعبة تقضي برفع الدعم الحكومي عن أسعار الوقود والخدمات ، بما يؤثر على معيشة الطبقات الفقيرة.
A man leaves the Iraq Stock Exchange (ISX) in Baghdad, April 2, 2013. Last month's scene at the headquarters of the Baghdad bourse revealed the struggle which Iraq faces to modernise its financial system: it must overcome primitive, ultra-conservative savings habits born of decades of war and political instability. Picture taken April 2, 2013.  REUTERS/Mohammed Ameen (IRAQ - Tags: BUSINESS) - RTXY6V0

بغداد - وقّع العراق في العاصة الأردنيّة عمّان على اتّفاق مع صندوق النقد الدوليّ للحصول على قرض يصل إلى 15 مليار دولار يوم الخميس في 19 أيّار/مايو الجاري، وعلى مدى الثلاث السنوات المقبلة. هذا ما أعلنته وزارة الماليّة العراقيّة في بيان جاء فيه أنّ الدعم الماليّ المستحصل من صندوق النقد الدوليّ سيوفّر متطلّبات الحرب ضدّ "داعش"، ولن يؤثّر على الإنفاق الحكوميّ في الخدمات الاجتماعيّة والصحيّة.

جاء هذا بسبب العجز الكبير في موازنة البلاد العامة لسنة 2016 جراء انخفاض اسعار النفط وعدم قدر الحكومة على الايفاء بالتزاماتها المالية.

وأضاف بيان الوزارة أنّ المفاوضات تمخّضت عن الاتّفاق على برنامج ترتيبات الاستعداد الائتمانيّ الذي يوفّر الدعم الماليّ للعراق خلال السنوات الثلاث المقبلة، بما يمكّنه من الاستمرار في توفير متطلّبات الحرب على تنظيم "داعش" الإرهابيّ، وتحرير الأراضي العراقيّة، وتقليص العجز والفجوة الماليّة، وتحقيق الإصلاح الماليّ والاقتصاديّ الحقيقيّ.

بيد أنّ هذا الاتّفاق أثار الكثير من الشكوك في شأن قدرة العراق على سداد هذا الدين وفوائده من جهّة، وأثار المخاوف من الشروط والتي قد تتضمن رفع الدعم الحكومي عن الوقود والمواد الغذائية تفرضها الجهات الدائنة كصندوق النقد والبنك الدوليين وبعض الدول على الاقتصاد العراقيّ من جهّة ثانية.

هذه الشكوك والمخاوف معزّزة من تجربة العراق السابقة مع صندوق النقد الدوليّ في عام 2004، إذ فرض الصندوق على العراق "إصلاحات" اقتصاديّة تضمّنت خصخصة بعض القطاعات، ورفع أسعار الوقود مقابل خفض ديون نادي باريس الذي يضمّ في عضويّته الدول الدائنة للعراق، وإلغائها وجدولتها والتي كانت تقدر بنحو 50 مليار دولار.

بيد أنّ العراق يبدو مجبراً على الاقتراض مجدّداً هذا العام في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة التي يمرّ بها جرّاء انخفاض أسعار النفط، على الرغم من معارضة البرلمان العراقيّ. وفي هذا الشأن، قال عضو لجنة المال البرلمانيّة سرحان أحمد لـ"المونيتور" في 21 أيّار/مايو الحاليّ إنّ "العراق لا يحتاج إلى قرض من صندوق النقد الدوليّ الذي سيتحوّل إلى مجموعة من الشروط والإملاءات على الاقتصاد العراقيّ، وكان الأجدر بالحكومة اللجوء إلى تخفيض النفقات والاكتتاب العام ومحاربة الفساد في شكل جدّي لمواجهة العجز في الموازنة بدلاً من الاستدانة".

وفي تصريح لـ"موازين نيوز" في 17 أيّار/مايو، رأت عضو لجنة المال في البرلمان العراقي ماجدة التميمي أنّ "القرض سيتحوّل إلى باب من أبواب الفساد". وقالت إن "محافظ البنك المركزيّ أخذ يعقد الاجتماعات ويتفاوض من أجل قرض صندوق النقد الدوليّ، في وقت يبيع يوميّاً من 126 إلى 140 مليون دولار من اموال خزينة الدولة في مزاد بيع العملة"، في اشارة منها الى توفر الاموال لدى البنك المركزي العراقي لكن رئيس البنك يقوم باستخدام الاموال العراقية في عمليات البيع والشراء (البورصة) ولا يتم ضخ هذه الامول لدعم عجز الموازنة.

وانتقدت التميمي "مقاطعة بعض الوزراء العمليّة السياسيّة واجتماعات الحكومة"، داعية إلى "إلغاء القرض بعد مطالبة العديد من الجهّات السياسيّة بحصص ماليّة باسم الشعب مقابل عودتها إلى البرلمان".

إزاء ذلك، أثار الاقتراض من صندوق النقد الدوليّ مشاكل جديدة بين بغداد وإقليم كردستان، إذ اتّهمت النائب عن ائتلاف دولة القانون الحاكم سميرة الموسوي في بيان لها في 18 أيّار/مايو الجاري النوّاب الأكراد بأنّهم وافقوا على العودة إلى بغداد مقابل حصولهم على 17% من القرض. إلّا أنّ الكتلة الكرديّة النيابيّة ( التحالف الكردستاني ) التي كانت تقاطع جلسات البرلمان بسبب حادثة اقتحام البرلمان من قبل أتباع التيّار الصدريّ في 30 نيسان/أبريل الماضي، رفضت هذا الاتّهام. وقال النائب عن التحالف الكردستانيّ وعضو لجنة المال البرلمانيّة أحمد حمه في تصريح إلى "المونيتور" إنّ "سميرة الموسوي تحاول إثارة مشاكل جديدة بين بغداد وإقليم كردستان، وما ذكرته لا يستحقّ الردّ، فهي غير متخصّصة في مجال الاقتصاد، ولا تعرف تفاصيل الاتّفاق مع صندوق النقد الدوليّ، ولا تعلم أنّ القرض هو لدعم الموازنة العامّة ولاقليم كردستان حصّة في الموازنة".

وأكّد حمه أنّ "شروط صندوق النقد الدوليّ على العراق مقابل إطلاق القرض ستكون لصالح الحكومة، لكنّها لن تكون أبداً لصالح المواطن، لأنّها تتضمّن رفع الدعم عن البطاقة التموينيّة والوقود والرعاية الاجتماعيّة وزيادة الضرائب، هذا أمر معروف للجميع ولا يمكن أن تنكره الحكومة".

والحال أنّ الحكومة تنفي وجود شروط صعبة من صندوق النقد الدوليّ، بينما تؤكّد الأطراف البرلمانيّة العكس. وبين النفي والتأكيد، أحال "المونيتور" الأمر إلى أصحاب الاختصاص، وبينهم الخبير الاقتصاديّ عبد الرحمن المشهداني الذي قال إنّ "الاتّفاق يتضمّن تعهّد العراق بالالتزام بما يعرف باتّفاق المساعدة الذي عقد بين الطرفين في عام 2004، ولم يتمّ الالتزام به من قبل العراق، مقابل حصول العراق على قرض بقيمة 15 مليار دولار".

وبيّن المشهداني أنّ "صندوق النقد سيساعد العراق على توفير القرض من أطراف عدّة، فالصندوق سيوفّر 830 مليون دولار، والبنك الدوليّ نحو 5 مليارات تكون فوائدها من 1,5 إلى 3%، وباقي المبلغ يأتي من منظّمات ودول أخرى بضمان من صندوق النقد وبفائدة من 7,5 إلى 8%، على أن يسدّد العراق القرض وفوائده خلال فترة قصيرة جدّاً أمدها سبع سنوات".

وأضاف: "من بين الشروط التي وضعها صندوق النقد الدوليّ رفع دعم الحكومة لأسعار الوقود وإعادة صياغة بنود وإجراءات مناقلة في الموازنة العامّة لتقليل الإنفاق الحكوميّ، وخصوصاً في الموازنة التشغيليّة، الأمر الذي ترفضه الكثير من الكتل البرلمانيّة على اعتبار أنّ الموازنة قانون ترفض المساس به".

الواقع أنّ الحكومة محرجة، ولم تتعامل بشفافية ووضوح مع الرأي العام العراقيّ لإنهاء الجدل في شأن الشروط التي فرضها صندوق النقد الدوليّ، على الرغم من تكرار تجربة عام 2004 حين رفض العراق الاستمرار بشروط الصندوق بعد عام 2007 بسبب ارتفاع أسعار النفط آنذاك، وخشيته من غضب الشارع العراقيّ، متحمّلاً خسارة ثقة السوق العالميّة والمنظّمات الاقتصاديّة الدوليّة. بيد أنّ انخفاض أسعار النفط الآن سيجبره هذه المرّة على الخضوع إلى إرادة الصندوق الدوليّ، ومواجهة غضب الشارع إذا ما شعر بثقل التغيّرات الاقتصاديّة على حياته، لا سيّما في ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكيّة والخدمات والوقود.