تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل سيقبل العالم الإسلامي تسليم القيادة إلى تركيا؟

طموح الرّئيس التّركي أردوغان لم يكن خفيًا عندما روّج لنفسه في قمّة منظّمة الدّول الإسلاميّة.
RTX29WKK.jpg

اغتنم الرّئيس التّركي رجب طيب أردوغان القمّة الأخيرة التي عقدتها منظّمة التّعاون الإسلامي، كفرصة للتّرويج لمؤهّلاته لقيادة العالم الإسلامي.

استضاف أردوغان منظّمة التّعاون الإسلامي التي تعرّف عن نفسها بأنّها "الصّوت الجامع للعالم الإسلامي"، في اسطنبول لقمّة 14-15 نيسان/أبريل. وفي كلمته الافتتاحيّة، انتقد الغرب مجدّدًا ودعا العالم الإسلامي إلى التوحّد لحلّ مشاكله الخاصّة بدلاً من الاعتماد على الدّخلاء الذين يسعون برأيه وراء مصالحهم الخاصّة المتعلّقة بالطّاقة فحسب.

وقد جرى اللّقاء على خلفيّة العنف الطّائفي في الشّرق الأوسط الذي أدّى إلى تنافس مرير بين السّعوديّة وإيران، الأمر الذي بدا واضحًا في خلال القمّة.

أدرك المحلّلون الدّبلوماسيّون سريعًا أيضًا الرّسالة التي أرادت تركيا إيصالها عبر تشكيلة الصّورة التّقليديّة التي يجري التقاطها قبل القمّة.

ففي الصّورة، يظهر أردوغان في الوسط، وعلى يمينه الملك السّعودي سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، في حين نجد أنّ الرّئيس الإيراني حسن روحاني هو الرابع عن يساره، في ما يبدو أنّه يعكس العلاقات المقرّبة التي تطوّرها أنقرة مع الرّياض، وبعدها عن إيران في عدد من المسائل الإقليميّة.

إلا أنّ خيار أردوغان بألا يقف روحاني إلى جانبه في الصّورة بدا متعارضًا مع حسن النية بين السّنّة والشّيعة التي حثّ عليها في كلمته الافتتاحيّة في ما بعد.

ففي خطابه الموجّه إلى أكثر من 30 قائدًا، مع التّغيّب البارز للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبدالله، اللذين لا يوافقان على دور تركيا في الشرق الأوسط، أشار أردوغان إلى الحاجة الماسة إلى تجاوز المذهبيّة الحاضرة بين الدول الإسلاميّة.

وقال أردوغان، "ديني ليس سنيًا ولا شيعيًا؛ إنّما ديني هو الإسلام".

ظهرت الانقسامات المذهبيّة بوضوح أيضًا في خلال القمّة عندما هاجمت إيران السّعوديّة لإعدامها رجل الدين البارز نمر النمر وغيره من الناشطين الشيعة في شهر كانون الثاني/يناير. وفي البيان الختامي المعتمد في نهاية القمّة، جرت إدانة إيران بدورها لتدخّلها في شؤون جارتها ولدعم مجموعات إرهابيّة.

صبّت أيضًا لغة الجسد الحارّة بين سلمان وأردوغان في مصلحة الذين يقولون إنّ تركيا تدير ظهرها للغرب وتنظر بشكل متزايد إلى العالم السّنّي بحثًا عن حلفاء جدد.

وتجدر الإشارة إلى أنّ قمّة منظّمة التّعاون الإسلامي عُقِدت بالتّزامن مع إصدار البرلمان الأوروبي لتقرير قاسٍ يؤكّد أنّ أنقرة أبطأت عمليّة الإصلاح الدّيمقراطي التي التزمت بها كجزء من محاولتها الانضمام إلى الاتّحاد الأوروبي، حتّى إنّها تتراجع أيضًا عن الإصلاحات التي قامت بها بالفعل، بخاصّة في المجالات كحرّيّة الصّحافة وحرّيّة التّعبير.

في كلمته الافتتاحيّة، لم يضيّع أردوغان الفرصة لينتقد الغرب الذي يبدو أنّه أصبح هاجسًا لديه. تطرّق أردوغان إلى موضوع قمّة الأمن النّووي الأخيرة في واشنطن، وقال إنّ المتحدّثين فيها ذكروا الهجمات الإرهابيّة في باريس وبروكسل لكنّهم لم يأتوا على ذكر الهجمات المماثلة في أنقرة، واسطنبول ولاهور، مع أنّ مئات الأشخاص قتلوا في تلك الهجمات.

وقال أردوغان إنّ "هذا التّناقض يزعجنا"، وانتقل ليتساءل لماذا تنتظر الدّول الإسلاميّة المساعدة من الآخرين (أي الغرب) لحلّ النّزاعات ومحاربة الإرهاب.

وأضاف قائلاً، "عندما نمتنع عن التّدخّل، يتدخّل غيرنا بالنّيابة عنّا، وعندما يتدخّلون، يكون ذلك من أجل النّفط وليس من أجل إحلال السّلام بيننا". ودعا أردوغان إلى إنشاء نظام تحكيم إسلامي وعرض في هذا الإطار إنشاء نسخة إسلاميّة عن الانتربول في اسطنبول.

تطرّق أردوغان أيضًا إلى موضوع آخر من مواضيعه المفضّلة وانتقد تركيبة مجلس أمن الأمم المتّحدة لعدم وجود دولة مسلمة بين دوله الدّائمة العضويّة.

وقال أردوغان، "لا بدّ من إصلاح الأمم المتّحدة. من حقّنا أن نتوقّع ذلك إذا أردنا عالمًا عادلاً؛ فالنّظام القائم على الظّلم لا يمكن أن يسهم في تأسيس العدالة الدوليّة".

واللافت في كلمة أردوغان كانت إشاراته إلى "العدالة"، مع أنّه بالكاد ذكر الدّيمقراطيّة أو الحقوق المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصّادر عن الأمم المتّحدة. وجرى تفسير تصريحاته على نطاق واسع بأنّها تشير إلى العدالة الإسلاميّة.

في مجملها، كانت كلمات أردوغان أمام منظّمة التّعاون الإسلامي التي ستتولّى تركيا رئاستها لمدّة عامين، كترويج لقيادة العالم الإسلامي، وهي رؤية يدعمها الإعلام الموالي للحكومة في تركيا ويشجّع عليها.

وإنّ الصّحفي كمال أوزتورك، الذي احتجّ في عموده على ما قال إنّه اعتقاد خاطئ بأنّه لا يمكن ضمان الوحدة في العالم الإسلامي، قال إنّ هذه الرّؤية "قائمة على أفكار مسبقة عادة ما تكون رهينة مفاهيم كالخداع، والجهل، والبؤس والطّائفيّة".

وإنّ أوزتورك، وهو كاتب عمود في صحيفة يني شفق اليوميّة المؤيّدة لأردوغان، أشار إلى الأصول الجماعيّة للدّول الإسلاميّة التي يمكن الاستفادة منها في ظلّ قيادة قويّة، وقال إنّ هذه مهمّة على تركيا الاضطلاع بها.

وكتب أوزتورك، "علينا ألا ننسى أنّ تركيا هي أكبر دولة في منظّمة التّعاون الإسلامي، وهي قائدها الطّبيعي وشقيقها الأكبر. لذلك، تقع مهمّة إنعاش وحدة هذه المنظّمة وتعزيزها على عاتق تركيا أوّلاً".

ويبقى السّؤال مطروحًا طبعًا عمّا إذا كانت جميع الدّول في العالم الإسلامي مؤيّدة لفكرة تسليم القيادة إلى تركيا.

أمّا نوراي ميرت، أستاذة العلوم السّياسيّة والكاتبة الصّحفيّة، وهي من أشدّ الناقدين لأردوغان، فمتشائمة حيال إمكانية حدوث تغيير إيجابي في العالم الإسلامي، على الأقلّ كما تمثّله منظّمة التّعاون الإسلامي، بما ينسجم مع العالم الحديث.

وفي انتقادها لقمّة منظّمة التّعاون الإسلامي، أشارت ميرت إلى أنّ "أيّ مطالبة بالشّرعيّة السّياسيّة بالإشارة إلى الدّين أمر مثير للجدل".

وقالت ميرت إنّ "نخبة السّلطة السّياسيّة هي التي تحدّد 'الإسلام' وتتلاعب به وفق مصالحها. التّلاعب السّياسي بالشّرعيّة الدّينيّة يعيق النّقد والمساءلة. ولفتت إلى أنّ جميع أعضاء منظّمة التّعاون الإسلامي تقريبًا هي دول شموليّة تحتلّ مراتب متدنّية في مجال حقوق الإنسان وتتمتّع بنسب عالية من الفساد.

وأضافت ميرت، "مع أنّها تتصنّع محاربة العنف والتّطرّف، إنّ السّلطة السّياسيّة الدّينيّة في السّعودية ودول الخليج تشرّعها التّفسيرات المتطرّفة والاستبعاديّة للإسلام، ودعمها للمجموعات الإسلاميّة المتطرّفة لمصالحها الخاصّة".

"هم أنفسهم يلجؤون إلى العنف كأداة سياسيّة لقمع المعارضة والأقليّات، ويستخدم معظمهم الطّائفيّة، التي بدا أنّهم ينتقدونها في القمّة، كأداة سياسيّة".

More from Semih Idiz

Recommended Articles