تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الالمدنيّون يلتحقون باعتصامات التيّار الصدريّ الدينيّ على بوّابات المنطقة الخضراء في بغداد

تبرز تحالفات جديدة خارجة عن السياق المعهود في الساحة السياسية العراقية، بتحالف نشطاء مدنيين وعلمانيين مع متشدّدين دينييّن، لأجل الوصول إلى غاياتهم السياسية.
Supporters of prominent Iraqi Shi'ite cleric Moqtada al-Sadr shout slogans during a protest near the gates of Baghdad's heavily fortified Green Zone March March 31, 2016.  REUTERS/Ahmed Saad - RTSD1EC

بغداد، العراق: وجدت جماعات متدينة في العراق مثل التيار الصدري نفسها على اتفاق مع تيارات مدنية غير متدينة في ضرورة الخروج في تظاهرات تدعو الى الإصلاح الحكومي ومحاسبة المسؤولين الفاسدين، وتحسين الخدمات.

وقبل ذلك، بدأت التّظاهرات في العراق في ميدان ساحة التحرير ببغداد، في 31 تمّوز/يوليو من عام 2015، بقيادة جماعات مدنيّة. كما وصفت بـ"العلمانيّة" لأنّها تدعو الى فصل الدين عن الدولة، وتنتقد تدخّل رجال الدين في السياسة، لكنّ الاحتجاجات امتدّت إلى قطاعات جديدة، فتوافد إلى ساحة التحرير في وسط بغداد بـ26 شباط/فبراير من عام 2016 عشرات المئات من أنصار التيّار الصدريّ، وهو تيّار دينيّ، يوصف بالمتشدّد، يقوده رجل الدين مقتدى الصدر الّذي أعلن برنامجاً للإصلاح ، يتضمن تغييرا وزاريا وتشكيل حكومة تكنوقراط، ليصبح هذا التيار هو الموجّه الحقيقي للتظاهرات.

وفي الواقع، إنّ جماهير التيّار الصدريّ أغرقت الجماعات المدنيّة، وطغى صوتها في تظاهراتها، بل وراح هذا التيّار يقودها، مطوّراً فعاليّاته الاحتجاجيّة إلى اعتصام أقيم في 18 آذار/مارس من عام 2016 أمام بوّابات المنطقة الخضراء الّتي تضمّ مباني الحكومة العراقيّة والبرلمان والسفارات الأجنبيّة، وسط إجراءات أمنيّة مشدّدة، حيث تطالب الاحتجاجات بمحاسبة المفسدين وتقديمهم للعدالة.

ورغم عدم وجود صيغة برنامج للعمل السياسي المشترك بين التيّارين المدنيّ والصدريّ، إلاّ أنّ تعاونهما في التّظاهرات، يثير تساؤلات حول أفق هذا التّعاون، لا سيّما أنّهما مختلفان تماماً، وهذا الاختلاف يتجسد في أنّ التيّارات العلمانيّة والمدنيّة تدعو إلى دولة حديثة عابرة للطوائف والإثنيّات، فيما يدعو التيّار الصدريّ إلى دولة دينيّة تقوم على الولاية العامّة (ولاية الفقيه).

هذه الحقيقة وضعت الجماعات المدنيّة والعلمانيّة التي لا تؤمن بالدول الدينية عكس التيار الصدري الديني، في وجه تساؤلات كونها تلوذ بحزب دينيّ، وهو ما افاد به تقرير لصحيفة عراقية محلية في 6 مارس/آذار 2016 مغطّية على فشلها في تحقيق نتائج واضحة في احتجاجاتها الّتي مضت عليها أشهر عدّة.

وهذا التشارك في الفعاليات السياسية بين"العلمانيين" والمتدينن" المتزمتين، تجعل الكاتب صادق الطائي في مقاله في صحيفة "القدس العربي" اللندنية، في 8 مارس/ آذار 2016 يتسائل عن "الكيفية التي يستقيم بها العمل على إنشاء دولة مدنية علمانية وهو ما يطالب به التيار المدني، والتي تتقاطع مع أهداف التيار الصدري وهو تيار بُني أساسا على مشروع الدولة دينية التي تتقاطع مع الدولة المدنية جملة وتفصيلا".

كما في التّظاهرة في 23 آب/أغسطس من عام 2015، لا سيّما أنّ التيّار الصدريّ هو جزء من الحكومة ومتحالف مع تيّار دينيّ آخر، هو المجلس الأعلى الإسلاميّ الّذي يكره التيّارات المدنيّة، فأحد قياديّيه جلال الدين الصغير، وهو رجل دين، وصف العلمانيّين في 13 أيلول/سبتمبر من عام 2015 في مقطع فيديو، بأنّهم "السبب في دمار العراق".

ومن تناقضات هذا الّتحالف انعدام مشتركات الفكر وتطبيقاته، فما الّذي يجمع بين فصيل سياسيّ مثل التيار المدني يؤمن بالحريّة وتحرّر المرأة بآخر دينيّ مثل التيار الصدري ولديه مواقف حتّى من "حلق اللّحى بالموسى

وأحد الأمثلة على تراجع التيّار العلمانيّ أمام الدينيّ في التظاهرات أنّ النائبة شروق العبايجي عن التيّار المدنيّ اضطّرت حين زارت ساحات الإعتصام أمام المنطقة الخضراء في بغداد، في 18 آذار/مارس الماضي إلى ارتداء الحجاب كي لا تثير حساسيّة المتشدّدين من التيّار الصدريّ، الّذين يشكّلون أغلبيّة المتظاهرين، الأمر الّذي جعلها موضع انتقاد من قبل جماعة التيّار المدنيّ، لانها ارتدت زياّ "محافظا" على عكس زيّها المعروف كونها امرأة سافرة، لا يُرضي انصار التيار الصدري.

وإزاء هذا الإرباك، وصف عضو اللّجنة المركزيّة في الحزب الشيوعيّ العراقيّ جاسم الحلفي، الّذي يشارك بصورة منتظمة في التّظاهرات ضدّ الحكومة لوسائل إعلام عراقيّة في 15 آذار/مارس من عام 2016، تحالف الصدريّين والمدنيّين بأنّه تعاون، وليس تحالفاً إيديولوجيّاً، ولا تقارباً فكريّاً "فكلّ طرف يحتفظ بخصوصيّته، ونحن نتعاون من أجل رفع مطالب وطنيّة" ، وفق ما ادلى به الحلفي لصحيفة "الغد بريس" الرقمية في 15مارس/آذار 2016

وعزّز هذا الرأي علي حسين، وهو كاتب عمود يوميّ في صحيفة "المدى"، الّتي توصف بأنّها "يساريّة"، إذ أشار لـ"المونيتور" إلى أنّه يرى فائدة في المشاركة المدنيّة في تظاهرات التيّار الصدريّ، لافتاً إلى أنّ "مشاركة القوى المدنيّة في الاعتصامات تنفي التّهمة عنها بأنّها تقف متفرّجة على الأحداث"، وقال: "الأحزاب الدينيّة لا تزال تنظر بعين الريبة إلى الحزب الشيوعيّ بسبب الخلافات الإيديولوجيّة".

واعترف الناشط المدنيّ المشارك في احتجاجات الجمعة حسن الشنون في حديثه لـ"المونيتور" بأنّ مشاركة التيّار المدنيّ في اعتصامات الصدريّين تشير إلى تصاعد القوى الدينيّة ونفوذها على "التيّارات العلمانيّة المهمّشة".

والحال، أّنّ هذا النفوذ له تاريخ، فالخارطة السياسيّة في العراق تشير إلى أنّ نفوذ الإسلام السياسيّ قد تصاعد منذ عام 2003، وهو العام الّذي أسقطت فيه الولايات المتّحدة الأميركيّة نظام الرئيس العراقيّ صدّام حسين، مقابل انحسار نفوذ قوى اليسار العراقيّ، إلى درجة أنّه جرى اتُّهام الشيوعيّين الذين يصنفون بانهم احد اقطاب اليسار الرئيسيين في العراق، بالعزلة السياسيّة.

ورأى الناشط السياسي الأكاديميّ في دار "الكتب والوثائق العراقيّة" ببغداد، شبيب المدحتي الّذي يتابع مسار التّظاهرات عن كثب، ويدوّن ملاحظاته اليوميّة عليها، في حديثه لـ"المونيتور" أنّ "مشاركة التيّار الصدريّ في التّظاهرات صبغت التّظاهرات باللّون الدينيّ"، إلاّ أنّ الكاتب علي حسن الفوّاز أكّد لـ"المونيتور" الهويّة العامّة للتّظاهرات، إذ شارك بعض الجماعات الدينيّة فيها في ما بعد، "إلاّ أنّها أظهرت الحاجة إلى الدولة المدنيّة، بعد فشل الكثير من رموز الإسلام السياسيّ في تحقيقها".

ومن جهته، قال حمزة السلطاني من بغداد، وهو مناصر للتيّار الصدريّ، لـ"المونيتور" بوضوح أنّ "وصف التّظاهرات بأنّها علمانيّة لم يعد له مكاناً بعد مشاركة التيّار الصدريّ الفاعلة".

إنّ فشل الأنظمة السياسيّة العربيّة، في سوريا والعراق والأردن ومصر الّتي تأسّس أغلبها بعد الحرب العالميّة الثانية (1939 - 1945)، جعل من الشعوب العربية تلجأ إلى الأحزاب والمعارضات الإسلاميّة الّتي حملت شعار "الإسلام هو الحلّ"، فازداد نفوذها مقابل ضمور القوى المدنيّة والعلمانيّة واليساريّة، والعراق لم يسلم من هذه النتيجة، لا سيّما بعد الاحتلال، حيث انفجر الصراع الطائفي، وتصاعد دور الأحزاب الدينية في الساحة السياسية العراقية.

والحال، أنّ دلالة التآلف بين مدنيّين ودينيّين في الاحتجاجات العراقيّة تعكس عمق الأزمة الّتي يمرّ فيها العراق. ومن وجهة نظر سياسيّة، قد يشير هذا التعاون إلى تكتيك يسعى فيه الطرفان إلى تجديد ثقة الناس بهما والخروج بحلول ناجعة للمشاكل السياسيّة والإقتصاديّة. لقد كان نتيجة الاعتصامات والاحتجاجات، أن رئيس الحكومة حيدر العبادي، سلّم مجلس النواب في 31 مارس/ آذار 2016 تشكيلا حكوميا جديدا يستهدف محاربة الفساد، فيما اعلن التيار الصدري انتهاء اعتصامات أنصاره وطلب منهم الانسحاب من ساحات الاحتجاج.

More from Adnan Abu Zeed

Recommended Articles