تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

النازحون في اليمن... فرار إجباريّ ومعاناة تفوق الوصف

لا يوجد في اليمن طفل كالسوريّ آلان، الّذي مات غرقاً، وصعقت صورته على شاطئ تركيّ ضمير الإنسانيّة، كي يلتفت العالم لرؤية بشر يتألّمون ويصرخون داخل بلد آخر في الشرق الأوسط تطحنه الحرب، ذلك أنّ خيارات اليمنيّين في النزوح محدودة، ومعاناتهم أبعد ما تكون عن العالم.
People look at the site of a suicide bombing in Yemen's southern port city of Aden March 26, 2016. REUTERS/Fawaz Salman - RTSCBIP

صنعاء، اليمن - كان آدم ردمان هدّاج، وهو شاب يمنيّ في منتصف العقد الثالث من العمر، يأمل حينما قرّر الفرار من العنف في محافظة صعدة شمال اليمن، أن تكون محافظة حجّة الحدوديّة مع المملكة العربّية السعوديّة ملاذاً آمناً لأسرته المكوّنة من 25 فرداً نزحوا من سعير النيران.

ومحافظة حجة هي اقصى مكان يمكن لهداج الوصول إليها ، إذ ليس بوسعه مجدداً تحمل تكاليف النزوح الى مناطق آخرى ، من البلاد.

وتحدّث هداج صاحب البشرة السمراء والجسد النحيل الذي يشبه الاف النازحين ، انعكست عليهم قسوة الطبيعة والانسانية، فأضحت وجوههم سمراء واجساهم نحيلة ، بأسى عن وضعه الصعب، حيث بات لاجئاً مع أسرته عند أقربائه في محافظة حجّة منذ 11 شهراً، وقال لـ"المونيتور": لم أتوقّع أنّ الحياة قاسية وصعبة إلى هذه الدرجة، فطيلة سنواتي الـ36 واجهت صعوبات، لكن لم يسبق لي أن عشت حياة قاسية، كما هي حالي الآن، لا نجد ما يكفينا من الطعام، فالأمراض تحدق بنا، والحرب من حولنا، وعندما أغادر المنزل أشعر بأنّني لن أعود.

لا تختلف أوضاع بقيّة النازحين داخل اليمن عن حال ردمان، فاللّجوء داخل بلد فقير تطحنه الحرب معاناة حقيقيّة. وفي هذا المجال، قال المسؤول الإعلاميّ في الصليب الأحمر باليمن عدنان حزام لـ"المونيتور": إنّ أكثر من مليوني لاجئ داخليّ نزحوا من مناطقهم هرباً من العنف.

أضاف: هناك أماكن نزوح غير مرئيّة فكثير من الناس يستنجدون بأقاربهم في المناطق الهادئة، والبعض ممّن لديه المال يستأجر منزلاً.

وخلال الأشهر الماضية، شكّلت محافظات صنعاء، إب، عمران، حجّة، مأرب والحديدة ملاذاً لمئات الآلاف من النازحين الّذين قدموا إليها من محافظات الوسط وشمال الشمال، هرباً من الحرب بين الحوثيّين وحلفاء الحكومة. ويعيش الكثير منهم في ظروف معيشيّة غير صحيّة. ففي المدارس، على سبيل المثال، الّتي يستضيف بعضها المئات من النازحين، يتوافر حمّام واحد لكلّ نوع جنسانيّ، حسبما جاء في بيان لمنظّمة الصحّة العالميّة في بداية يونيو/حزيران من العام الماضي ،وفي هذا السياق، قال ممثّل المنظّمة في اليمن الدكتور أحمد شادول لمركز انباء الامم المتحدة: "الوضع الصحيّ في الملاجئ الّتي تستضيف النازحين داخليّاً مثير للقلق.

من جهته، قال لـ"المونيتور" مدير مستوصف البدّاح في محافظة حجّة عبدالله إدريس، وهذا المستوصف هو مبنى حكوميّ بائس بإمكانات عدميّة: لا يمكنني تقديم أيّ شيء إلى قرابة 12 ألف نازح يبحثون عن خدمة طبيّة، فلا يوجد لدينا في المستوصف شيء.

ويفترض أن يقدّم هذ المستوصف، الّذي يقع بين بلدتي عبس ومستبا، خدمات طبيّة إلى النازحين، غير أنّه مبنى من طابق واحد، يتألّف من غرفتين، وهما مكتظّتان بالمرضى، وغرفة أخرى ضيّقة لإجراء الفحوص، ومخزن للأدوية خال من أيّ شيء سوى بضعة كراتين من المحاليل الطبيّة، وترى جموع من البؤساء ذوي البشرة السمراء يتزاحمون لطلب الخدمة.

وتوجد في المستوصف متطوّعة في الثلاثينيّات من عمرها، وهي نازحة من محافظة صعدة، معقل جماعة الحوثيّين، تعاين النساء، وطبيبان أحدهما عبدالله ادريس مدير المركز وهو رجل في الأربعين من العمر لم يتوقّف عن الحديث لقرابة نصف ساعة كم أنّ وضع المستوصف صعب، وكم يشعرون بالأسى حيال عدم قدرتهم على مساعدة المرضى.

أمّا نائب مدير المستوصف علي محمّد فقال لـ"المونيتور": استقبلنا خلال الثلاثة أشهر الماضية المئات من حالات الإصابة بحمى الضنك والملاريا، وكذلك حالات الإسهال المائيّ الحادّ الّذي ينتج عادة من عدم الحصول على المياه الصالحة للشرب.

وقالت الأمم المتّحدة في منتصف العام الماضي عبر موقعها على الإنترنت: إنّ النّظام الصحيّ المتردّي للنازحين داخليّاً في اليمن يعرّضهم إلى مخاطر صحيّة تهدّد بقاءهم على قيد الحياة.

وفي محافظات عدن، أبين، الحديدة، عمران، وصنعاء، أدّت الأوضاع المعيشيّة في الملاجئ إلى تفاقم الحال الصحيّة للنازحين داخليّاً، وخصوصاً أولئك الّذين يعانون من الأمراض المزمنة مثل السكري، الربو، أمراض الكلى، وارتفاع ضغط الدم.

وقالت الناشطة في مجال حقوق الإنسان بنيان جمال لـ"المونيتور": لا يوجد في اليمن طفل كالسوريّ آلان، الّذي مات غرقاً، وصعقت صورته على شاطئ تركيّ ضمير الإنسانيّة، كي يلتفت العالم لرؤية بشر يتألّمون ويصرخون داخل بلد آخر في الشرق الأوسط تطحنه الحرب، ذلك أنّ خيارات اليمنيّين في النزوح محدودة ومعاناتهم أبعد ما تكون عن العالم.

اوضحت بنيان: ان معظم النازحين هم من الفقراء الذين لا يملكون مالاً للفرار خارج اليمن، كما انهم لا يملكون وثائق شخصية مثل جواز السفر ، وبالتالي فخياراتهم في الهرب من العنف محدودة للغاية.

وعلى الطريق ما بين مخيّم المزرق ومديريّة مستبا ثمّة العشرات من النازحين يسيرون تحت أشعّة الشمس الحارقة غير مكترثين للخطر الّذي يحدق بهم، كونهم في منطقة حدوديّة، تشهد مواجهات بين القوّات السعوديّة وجماعة الحوثيّين المدعومين بقوّات عسكريّة موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح.

ويقع مخيّم المزرق في محافظة حجّة المجاورة للحدود السعوديّة، وهو يأوي آلاف اليمنيّين الّذين نزحوا بسبب حروب وقعت خلال عقد بين الحوثييّن والدولة، أضيف إليهم مئات النازحين الجدد، منذ قيام السعوديّة بشنّ غارات جويّة لمساندة المقاتلين من حلفاء الحكومة في 26 آذار/مارس من عام 2015.

ويذكر أن العمليات العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن ، التي اطلق عليها "عاصفة الحزم" تهدف إلى دعم شرعية الرئيس هادي المعترف به دولياً في مواجهة الحوثيين والموالين لعلي عبدالله صالح.

وقال أحد اللاّجئين في بلدة مستبا زكريا المؤيّد لـ"المونيتور"، وهو يبلغ من العمر 50 عاماً ويرتدي قطعة دائريّة ومهترئة من القماش تغطّي نصف جسمه من السرّة إلى تحت الركبة و"فانلّة" بيضاء: الحياة لم تعد لها قيمة بالنّسبة إلينا، كلّ شي من حولك لا يشجّع على أخذ الحيطة.

وفي محافظة إب في وسط اليمن، كانت مدارس المدينة تحتضن عشرات الأسر من محافظتي تعز والضالع المجاورتين بعضهم تم تسجيلهم في المخيمات ، والبعض لجئوا الى اقاربهم دون تسجيل ، لكنّ بدء العام الدراسي في منتصف اكتوبر من العام الماضي جعل السلطات تنقلهم إلى مخيّمات خاصّة. كما شيّدت السلطات الرسميّة في المحافظة مخيّماً صغيراً أُطلق عليه "مخيّم السلام"، لكنّه يفتقر إلى مقوّمات استمراره.

وفي هذا الإطار، قال نائب مدير "مخيّم السلام" سعيد ملهي في تصريحات لـ"المونيتور": المخيّم يحتوي على 72 غرفة مبنيّة من الطوب ويتواجد فيه 423 نازحاً يشكّلون 80 أسرة، لكن ينقصنا الكثير من الإمكانات".

أضاف: نحن نحتاج إلى أدوية وبطانيّات وموادّ غذائيّة، فكلّ المنظّمات لم تفعل لنا شيئاً، باستثناء اليونسيف.

ومع مرور الأيّام، تبدو الأوضاع أكثر قتامة بالنّسبة إلى مئات الآلاف الّذين تركوا منازلهم هرباً من العنف، ولسان حالهم: متّى سنعود إلى حياتنا ومنازلنا؟

More from Ahmed Alwly

Recommended Articles