تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

آثار مسيحيّة في النّجف يحاصرها الإهمال والعقائد المتطرّفة

لا تعاني الآثار التاريخيّة المسيحيّة في النّجف من الإهمال فحسب، بل من عقائد البعض المتطرّفة الّذي يرى فيها إرثا ًغير إسلاميّ، ليس جديراً بالاهتمام.
492466320.jpg

بغداد، العراق- مدينة النّجف اليوم هي مركز الريادة للمسلمين الشيعة في العالم، بحيث تضمّ قبر رابع الخلفاء المسلمين الراشدين عليّ بن أبي طالب، الّذي شيّد قبل نحو 700 سنة. كما توجد فيها اليوم المرجعيّة الدينيّة الشيعيّة في العالم الإسلاميّ. ولهذا، من الطبيعيّ بحكم هذا الحضور الإسلاميّ أن تخلو من أيّ رموز لديانات أخرى، حيث يحرّم فقهاء مسلمون وجود رموز دينيّة أخرى في ديار المسلمين. ففي مدن إسلاميّة مثل مكّة المكرّمة والنّجف وكربلاء يحرّم بناء معابد للديانات الأخرى مثل الكنائس المسيحيّة، وهي ظاهرة قديمة برزت مع ظهور الإسلام، في القرن السابع الميلادي، الذي حرّم وجود دِينَيْن في جزيرة العرب.

لكنّ المفارقة تكمن في أنّ الإكتشافات الأثريّة الحديثة وفق تنقيبات في العام 2008، تدلّ على أنّ هذه المدينة المحافظة الإسلاميّة، المنغلقة على بناء الكنائس، كانت من أقدم المدن المسيحيّة في العالم، بعدما عثر على أثر كنيسة ودير يعتبران أقدم أثر مسيحيّ في العراق يعود تاريخه إلى نحو 270 ميلاديّاً.

كما أنّ وجود أكثر من 30 موقعاً أثريّاً مسيحيّاً في المحافظة، نقّبت عنها البعثات الاستكشافيّة الأميركيّة والألمانية، وكذلك مفتشيّة آثار النّجف بين عامي 2007 و2011، لم يشجّع، ولأسباب عقائديّة، على تقبّل نشاطات وفعاليّات لديانات أخرى تتواصل فيها مع تاريخها القديم، وهو ما تجسّد في مطالبة رجل الدين والأستاذ في حوزة النّجف الدينيّة ابراهيم الصفار في 19 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2015 بمحاكمة هذا الشخص الّذي مثّل دور بابا نويل.

ومقابل هذا الغلوّ في رفض ممارسة الثقافات الأخرى غير الإسلاميّة في النّجف، هناك تقويم تاريخيّ وتثمين لتاريخ النّجف، مسيحيّاً كان أم إسلاميّاً، ذلك أنّ الأكاديميّ ومدرّس التاريخ عبد الحسين عليّ من النّجف رأى في حديثه لـ"المونيتور" في الّنجف بـ8/3، أنّ مثل "هذا التطرّف الفكريّ نحو الأديان الأخرى ينحصر بين فئة قليلة في المجتمع"، وقال: "اكتشاف آثار مسيحيّة في مدينة إسلاميّة معروفة مثل النّجف يشير إلى التاريخ المشترك الّذي يجمع العراقيّين من مسلمين ومسيحيّين، وأنّ المسيحيّة ليست غريبة على العراقيّين، وأنّ دخول العراقيّين إلى الإسلام يجب ألاّ يحجب الحقيقة في أنّ الكثير من أجدادهم كانوا مسيحيّين، ممّا يساهم في التفاعل الحاضر بين المسلمين والمسيحيين في وقت يشهد فيه العراق صراعاً طائفيّاً مريراً".

وتعزّزت "مسيحيّة" النّجف قبل الإسلام، حين كان اغلب سكان العراق يعتنقون المسيحية، في اكتشاف آثار دير عمره 1700 سنة، في العام 2012، يعود إلى الراهب المسيحيّ عبد المسيح بن بُقيلة، وعثر في داخله على قبر الراهب، مكتوب عليه باللّغة العربيّة القديمة "رحم الله عبد المسيح".

وقاد الفضول التاريخيّ "المونيتور" إلى زيارة المكان برفقة الكاتب والباحث في تاريخ النجف مكّي السلطاني، العارف بتفاصيل هذه الأمكنة التاريخيّة، ليتحدّث أثناء الجولة لـ"المونيتور" في 8/3 في النّجف، عن "مشروع تأسيس لجنة شعبيّة من قبل ناشطين مدنيين من اكاديميين وباحثين متطوعين، للحفاظ على الآثار والتراث في هذه المدينة العريقة الّتي تعجّ بالآثار المسيحيّة والإسلاميّة على حدّ سواء".

وقال مكّي السلطاني، وهو يلتقط صوراً أرفقت مع التقرير لهذه الآثار المسيحيّة التاريخيّة الّتي تحوّلت إلى أطلال متهاوية تعجّ فيها الرياح وتغرق في الرمال: "نعوّل على جهد الناشطين في مجالي الثقافة والتاريخ لإنقاذ هذه الصروح التاريخيّة المهمّة الّتي اندثرت وخرّبت بسبب الإهمال الرسميّ وجهل أفراد في المجتمع للأهميّة التاريخيّة لهذه الأماكن الأثريّة".

أضاف: "أبرز الأخطار المحدقة بهذه الأطلال التاريخيّة، نقص المخصّصات الماليّة لإدامتها، وفي حال توافرها فالعقود تمنح بفعل الرشاوى إلى مستثمرين فاسدين ليست لهم تجربة في إدامة الأماكن التاريخيّة، ويسعون الى سرقة الأموال المخصّصة لإعمار هذه المناطق عبر إعادة التأهيل الكاذب".

وعن أحد أوجه الفساد هذا، تحدّث السلطاني، وهو يقودنا إلى بقايا دير مسيحيّ، كما تدلّ النقوش الّتي عثر عليها، فقال: "تحوّل هذا الدير إلى محطّة بنزين بسبب الإهمال والفساد".

وقادنا السلطاني في الجولة أيضاً إلى مقابر مسيحيّة حاصرتها الرمال والمياه الجوفيّة وتركت عرضة للسلب والنهب، مشيراً إلى أنّ "سكّان المناطق القريبة ينقّبون في هذه المناطق الأثريّة للحصول على مقتنيات ثمينة فيها من مسكوكات وقطع ذهبيّة وأخرى أثريّة".

وكذلك، أخذنا السلطاني لزيارة هيكل من الزمن البابلي، وقال: "دَلّ على ذلك نقش الملك نبوخذ نصّر (605– 562 ق.م) الّذي وجد محفوراً في الطابوق الّذي سرقه الأهالي لبناء مساكن لهم".

وفي دلالة على حجم الإهمال لهذه الآثار العظيمة، قادنا السلطاني إلى أرض جرداء، وهي المكان الّذي شهد ازدهار مدينة الحيرة القديمة، الّتي يعود تاريخها إلى الربع الأوّل من القرن الثالث ميلاديّ، وقد امتلأت بالحفر الّتي أحدثتها أعمال التنقيب غير الشرعيّة، فيما يقع النّظر على العشرات من حفر القبور الّتي أصبحت ملاذاً للأوساخ وأكياس القمامة، بعدما حفر فيها لصوص الآثار وتركوها مكشوفة في العراء.

وبجانب هذه الأرض، شّيد حيّ سكنيّ، قال عنه السلطاني: "لقد بُنيت هذه البيوت على أنقاض قصر السدير التاريخيّ، الّذي بناه النعمان بن المنذر بين 403 – 430 ميلاديّاً"، فيما تعجّ المنطقة بالتلال الّتي يعتقد أنّها بعض من بقايا محيط قصر الخورنق (403 – 430) الّذي نقّبت عنه بعثة من جامعة أوكسفورد البريطانيّة في عام 1931.

إنّ هذا الإرث التاريخيّ المسيحي في النجف الّذي يكشف عن جذور المعتقدات في العراق جدير بالاهتمام، في ظلّ موجة من تطرّف مذهبيّ تسعى إلى الاحتراب بين الأديان وترفض التعايش المشترك، فكما أنّ للمسلمين اليوم حضوراً طاغياً في العراق، فإنّ هذه المعالم المسيحيّة في مدينة إسلاميّة تحمل أقوى الدلالات على التاريخ المشترك فوق بلاد ميزوبوتاميا، ممّا يوجب على المسلمين والمسيحيّين العمل المشترك على إعمار هذه الأماكن، لأنّها ستكون مشاريع سياحة دينيّة رائدة تجذب الزوّار المسلمين والمسيحيّين من مختلف أنحاء العالم.

وفي خطوة لإعادة تأهيل هذه المواقع التاريخية والدينية، كشف ديوان أوقاف الديانات المسيحية في العراق، في 2012 عن خطة لإعمار الكنائس الأثرية في بغداد والمحافظات، وعلى رغم مضي فترة زمنية طويلة لهذا الإعلان، فانّ زيارة المونيتور، لما موجود من هذه الآثار في النجف، لا يدل على أي مشروع لإعادة تأهيل وإعمار تلك المواقع الأثرية.