تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لعدم الاستخفاف بالقوميّة العراقيّة

ساهمت الحملة المناهضة لداعش في العراق في تعميق الانقسامات الطائفيّة بين المناطق السنيّة والشيعيّة والكرديّة، لكن على الرغم من التصدّعات الجماعيّة والسياسيّة، تبقى جماعات كثيرة وفيّة للدولة العراقيّة.
Protesters display a huge Iraqi flag during a demonstration against corruption, poor services and power cuts in Baghdad, Iraq, August 21, 2015.  REUTERS/Ahmed Saad - RTX1P48C

أدّت معركة العراق ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) إلى تعميق الانقسامات الإثنيّة والطائفيّة بين المناطق السنيّة والشيعيّة والكرديّة. فالميليشيات الطائفيّة تتصرّف بشكل مستقلّ من بغداد فيما يحفر الأكراد خنادق حول أراضيهم المتوسّعة. وما يشجّع الانقسامات الداخليّة هو سعي الدول الإقليميّة إلى استحداث مناطق نفوذ في كلّ أنحاء البلاد. فقد عزّزت إيران وصولها إلى المجموعات الشيعيّة في بغداد وجنوب العراق وإقليم كردستان. ودخلت تركيا إلى شمال العراق من خلال المجموعات السنيّة العربيّة والكرديّة. لكن، إلى جانب هذه التصدّعات الجماعيّة والسياسيّة، هناك التزام قويّ بالدولة العراقيّة. فالجماعات المختلفة قد تستفيد من الحملة المناهضة لداعش والأسياد الخارجيّين وضعف الحكومة العراقيّة، لكن لديها أيضاً صراعاتها الخاصّة من أجل السلطة وخطوط حمراء سياسيّة تعزّز سيادة العراق ونزاهة أراضيه.

تنسلخ الجموع العربيّة السنيّة المغبونة عن بغداد، وتسعى إلى مزيد من الاستقلاليّة، وتعارض وحدات الحشد الشعبيّ والمجموعات الشيعيّة المتشدّدة المدعومة من إيران. وهي أيضاً من القوميّين العراقيّين، ولا تريد تفكيك الدولة. وفي غياب أجندة سياسيّة متماسكة أو زعيم موحّد، يسعى العراقيّون السنّة العرب إلى مشاريع محليّة مختلفة ومنافسة – تعتمد كلّها على الهيكليّات والموارد والشعوب ضمن الدولة العراقيّة. ويريد بعض الزعماء السنّة العرب منطقة سنيّة خاصّة بهم فيما يسعى آخرون إلى استحداث محافظات جديدة قائمة على لامركزيّة أكبر. ويشمل أحد المشاريع المقترحة المسيحيّين وأقليّات أخرى في محافظة جديدة مشتقّة من نينوى. وتتعاون مجموعات قبليّة سنيّة عربيّة أخرى مع بغداد ضدّ داعش، وتدعم حكومة أقوى وحكماً ذاتياً محلياً. وفي الرمادي، انضمّ 40 ألف مقاتل سنيّ عربيّ تقريباً إلى وحدات الحشد الشعبيّ للدفاع عن مناطقهم.

ويستمرّ العرب السنّة أيضاً في الدفاع عن سيادة العراق ونزاهة أراضيه. على سبيل المثال، انضمّ العرب السنّة إلى العرب الشيعة وعراقيّين آخرين في معارضتهم لتوسّع أنقرة العسكريّ في شمال العراق، مدركين في الوقت نفسه أهميّة العلاقات الإقليميّة. وانتقد مجلس النوّاب في البرلمان العراقيّ، بما في ذلك كتل سنيّة وشيعيّة بارزة، التدخّل التركيّ باعتباره انتهاكاً لسيادة الدولة. وطالب وزير الدفاع العراقيّ السنيّ العربيّ، خالد العبيدي، بالإضافة إلى جامعة الدولة العربيّة التي تتألّف أكثريّتها من مسلمين سنّة، برحيل القوّات التركيّة جميعها من العراق. ووحدهما حاكم نينوى السابق أثيل النجيفي، والزعيم الكرديّ مسعود البرزاني رحّبا بتدخّل أنقرة في تدريب القوّات السنيّة العربيّة وقوّات البشمركة الكرديّة للتصدّي لداعش – وأيضاً لكبح حزب العمّال الكردستانيّ، واستحداث منطقة نفوذ سنيّة، وحماية موارد الطاقة في الموصل.

ولم تعطِ المجموعات العراقيّة الشيعيّة بدورها إيران الضوء الأخضر للتدخّل في الشؤون العراقيّة. فغالبيّة هذه المجموعات ممتنّة للمساعدة العسكريّة الفوريّة والمستمرّة التي تقدّمها طهران ضدّ داعش. وتستمرّ بعض الأحزاب والميليشيات الشيعيّة السياسيّة في الاضطلاع بدور الوكيل لقائد فيلق القدس الإيرانيّ، قاسم سليماني. لكنّ قسماً آخر من الشيعة يسعى إلى موازنة مصالح العراق في المنطقة وضمان سيادة العراق. وقد حاول رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي الاضطلاع بدور الوسيط في الخلاف السعوديّ الإيرانيّ – من دون جدوى – من خلال الإصرار على حياد العراق.

وكان للعبادي وآية الله علي السيستاني ردّ فعل على التجاوز الإيرانيّ. ففي أيلول/سبتمبر، مثلاً، بعث السيستاني رسالة إلى المرشد الإيرانيّ الأعلى، آية الله علي خامنئي، داعياً فيها إلى احترام سيادة العراق ونزاهة أراضيه. ويعكس ردّ الفعل هذا أيضاً الطبيعة المختلفة للمرجعيّة الدينيّة الشيعيّة في العراق. فموقف السيستاني المعتدل بشأن النجف يقوم على رفض التفسير المطلق لولاية الفقية كما هو معتمد في إيران التي تجيز تولّي الشيوخ المسلمين الحكم، والآراء القانونيّة المتشدّدة.

وتُبذل أيضاً جهود لردم الانقسامات الطائفيّة على الصعيد المجتمعيّ. ففي كربلاء، مثلاً، إنّ النازحين الداخليّين الهاربين من هجوم داعش والبالغ عددهم 180 ألفاً هم في غالبيّتهم تركمانيّون شيعة أو شبك (أكراد شيعة) من محافظة نينوى في شمال العراق، فيما هناك حوالى 250 عائلة عربيّة سنيّة من محافظة الأنبار. ولا يزال بعض العرب السنّة الذين فرّوا من الرمادي والفلوجة قبل خمس سنوات في كربلاء التي يزورها شيوخ الأنبار بانتظام من أجل الأعمال أو مسائل أخرى، وإن لم تكن وجهتهم الأخيرة. وقد أثنى شيوخ الأنبار البارزون على الاستقبال والمساعدة اللذين حظوا بهما في كربلاء، مشيرين إلى أنّ هذه المساعدة "تُشعرنا بأنّنا لا نزال موحّدين... مع أنّ هذا الشعور بالوحدة يشمل على الأرجح الأشخاص العاديّين ويستثني السياسيّين".

وحتّى الأكراد لم يبتعدوا بشكل كامل عن العراق، على الرغم من التزامهم القويّ بالأراضي والهويّة الوطنيّة الكرديّة. فخيار إربيل الفعليّ ليس في الانفصال عن العراق أو عدمه، بل في الارتباط بأنقرة أو بغداد، وإن إسميّاً. قد يكون جزء من إقليم كردستان الخاضع لسيطرة البرزاني اختار أنقرة، لكنّ الأجزاء المتبقيّة منه ترفض سلالة البرزاني المرتبطة بالرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان، ولا سيّما أنّ المشكلة الكرديّة في تركيا ما زالت موجودة. ولذلك، عارض ممثّلو حركة كوران في البرلمان العراقيّ وسكّان السليمانيّة بدورهم التوسّع العسكريّ التركيّ في نينوى، معتبرين أنّه تدخّل في الشؤون العراقيّة والكرديّة. وبالنسبة إلى هذه المجموعات، تبقى بغداد منفذاً سياسياً مهمّاً لموازنة السلطة داخل إقليم كردستان، وكبح نفوذ البرزاني، واسترضاء إيران، وإن تراجعت التبعيّات الماليّة.

ومن المستبعد أن تؤدّي هذه الديناميّات إلى توحّد المجموعات العراقيّة المختلفة قريباً على أساس حسّ الهويّة العراقيّة. فلا تزال الجماعات المختلفة تحدّد أراضيها الخاصّة، وترفع أعلامها الخاصّة، وتطالب بمواردها الخاصّة، متجاهلة في غالب الأحيان بغداد أو المجموعات الأخرى. لكنّ تغيّر ميزان القوى المحليّ والاعتماد المتبادل بين اللاعبين الفرعيّين في الدولة يدحض نظريّة "نهاية الحرب" أو انقسام العراق إلى ثلاث جماعات إثنيّة وطائفيّة قويّة وموحّدة. فما حصل في الواقع هو بروز كيانات سياسيّة مجزّأة إلى حدّ كبير تحاول إعادة تنظيم السلطة داخل الدولة. ويتطلّب بقاء هذه الكيانات الصغيرة ومصالحها اتّفاقات سياسيّة وتبادلات اقتصاديّة مع المجموعات الأخرى، بما في ذلك بغداد، وأيضاً تأكيدات بشأن عدم المساس بالدولة العراقيّة.

More from Denise Natali

Recommended Articles