تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الناس في العراق يحجّون إلى معبد "بابلي" تحوّل إلى مقام "إسلاميّ"

"مشهد الشمس" هو معبد بابلي في الأساس، تحوّل بمرور الزمن، إلى مسجد يزوره الناس لإقامة الشعائر الإسلامية.
2205.jpg

العراق، بابل - اعتادت أم مريم (76 سنة) زيارة المقام الديني "مشهد الشمس" أو "مرد الشمس" (ويعني باللغة العربية "ظهور الشمس"،) في مدينة الحلة مركز محافظة بابل (100 كم جنوبي بغداد) في عيد الأضحى من كل عام، لتطبع الحنّاء بكفيّها على جدرانه، لأنّ هذا المقام كما تقول للمونيتور في 10 /1 في بابل، "شفى ابنتها من مرض مزمن بعدما باتت ليلة فيه".

وعلى شاكلة أمّ مريم، اعتاد الكثير من العراقيّين، لا سيّما سكّان محافظة بابل، زيارة هذا الأثر التاريخيّ الواقع على بعد كيلومتر واحد من نهر الحلّة، وهو أحد فروع نهر الفرات، الّذي يشقّ مدينة الحلّة - مركز محافظة بابل.

وليس هناك من دهشة في هذه الزيارات للتبرّك والتقرّب من الله في "مشهد الشمس"، لكنّ المثير في هذا المكان، أنّه ليس مكاناً "إسلاميّاً" فحسب، بل هو في الأصل معبد بابليّ لآلهة الشمس البابليّة في الحقبة 1792-1750 قبل الميلاد، وما يعنيه ذلك بأنّه رمز للشرك الّذي ينبذه الإسلام، فالبابليّون عبدوا آلهة عدّة، ممّا يتناقض مع مبدأ الوحدانيّة الّتي ينادي بها الإسلام. وإنّ هذا التّمازج "الوحدانيّ- الشركيّ" لا يهمّ أمّ مريم ولا الكثير من زوّاره الدينيّين، فبالنّسبة إليهم، إنّ هذا المعلم الشاخص في مدينة الحلّة، هو "أثر إسلاميّ خالص"، فيما هو بالنّسبة إلى مدرّس التاريخ في إعداديّة بابل كريم السعدي بحسب ما جاء في حديثه لـ"المونيتور" في 10 كانون الثاني/يناير ببابل، "حال نادرة إن لم تكن فريدة في تمازجه بين عصور ما قبل الإسلام وما بعدها"، وقال: "هذا الأثر الّذي يبعد عن مدينة بابل التاريخيّة نحو ثلاثة كيلومترات، في الواقع ليس أثراً إسلاميّا بل معبد أدد وهو مكان عبادة بابلي، تُمارس فيه الطقوس الروحية، حيث كان البابليّون يعبدون فيه الشمس، لكنّ المسلمين جعلوا له صلة بالإسلام، لأنّ رابع الخلفاء الراشدين في الإسلام، وهو عليّ بن أبي طالب صلّى فيه، بعد مكوثه لفترة فيه أثناء حروبه مع خصومه، الّذين اتّهموه بالخروج عن الإسلام في عام 37 هجريّ".

وعلى غير عادة المعالم الأثريّة في العراق الّتي تعاني من الإهمال وقلّة أعداد الزوّار، يقع "مشهد الشمس" في بستان حافل بالعشب الأخضر وأشجار النخيل، وهو يعجّ بالزوّار الّذين يقصدونه للتبرّك والصلاة، فيما ترتفع رايات الشيعة الخضراء حول المكان، وتنتشر على طول المدخل صور لأئمة الشيعة ولوحات إرشاديّة تفيد بأنّ هذا المكان هو المقام الّذي صلّى فيه الخليفة الرابع، فيما يختفي أيّ أثر يدلّ على تاريخه البابليّ.

وكثرة الرموز "الشيعية" دون "السنية" في المكان، يعود الى انه يقع في بابل ذات الأغلبية الشيعية المطلقة من السكان، إضافة إلى ان صلاة علي بن ابي طالب فيه، الذي يعتبره الشيعة، الخليفة الشرعي للنبي محمد، جعل منه رمزا دينيا شيعيا.

لقد مكث العديد من النساء نهاراً كاملاً فيه للتبرّك وقراءة القرآن، فيما شرع شباب لتأدية صلاة الظهر. وبعد انتهاء الشاب علي الحسيني (26 سنة) من طقسه الدينيّ، وأفاد بأنّه طالب جامعيّ خلال حديثه لـ"المونيتور" في 10 كانون الثاني/يناير ببابل، وسؤاله عن أهميّة هذا المكان بالنّسبة إليه، قال: "أعرف جيّداً أنّ هذا المكان هو امتداد لآثار بابل الواقعة على بعد كيلومترات من المكان، لكنّ قدسيّته بعد ارتباطه بحدث إسلاميّ، وهو زيارة إمام الشيعة علي بن ابي طالب له ، طغت على أهميّته كأثر تاريخيّ بابليّ. ولهذا السبب، تجد أنّ المكان يُبنى في شكل مستمرّ، من قبل متبرّعين ومتطوّعين، يفدون الى المكان ويهدون له مبالغ مادية، ويشاركون بأعمال تطوعية مثل البناء وصباغة المكان وتشجيره، ليزداد اتّساعاً، وتكثر أعداد زوّاره في كلّ عام".

أضاف: "لولا ذلك، لما زاره إلاّ الباحثون في التاريخ وأصحاب الإختصاص".

مثل هذا المعلم الدينيّ والتاريخيّ، "جعل من مدينة الحلّة مقصداً للزوّار"، كما أشارت عضو مجلس محافظة بابل سهيلة الخيكاني لـ"المونيتور" في 10 كانون الثاني/يناير ببابل، وقالت: "أشعر بالفخر من هذا التمازج بين معبد بابليّ ومسجد إسلاميّ، الّذي حوّل المكان إلى مقصد سياحيّ ودينيّ في الوقت نفسه".

وتتناغم واقعيّة حديث الحسيني مع حديث المشرف على شؤون المقام عبّاس الشلاه، حيث يدير مهامه من مكتبه في نفس المكان، ويتبع مديرية الوقف الشيعي في بابل، الّذي أكّد لـ"المونيتور" في 10 كانون الثاني/يناير ببابل، أنّ "مشهد الشمس هو مزار إسلاميّ شيعيّ، ومصنّف على هذا الأساس فقط، وهو لذلك من ممتلكات الوقف الشيعيّ".

ويدلّ عبّاس الشلاه إلى قاعة مزدانة باللّون الأخضر ورسوم أئمة الشيعة والآيات القرآنيّة، وتشير لوحة معلّقة على حائط إلى مساحة دائريّة وسط القاعة محاطة بسياج يبلغ ارتفاعه متراً، وهي المكان الّذي صلى فيه الخليفة الرابع للمسلمين علي بن أبي طالب.

وعلى جوانب القاعة هناك حجيرات عدّة تعلوها أقواس على طراز العمارة الإسلاميّة، فيما تسقط العين على العشرات من الّذين يؤدّون الصلاة في المكان، الّذي تحوّل إلى مسجد إسلاميّ، كعادة الكثير من الآثار الّتي تعود إلى ديانات أخرى أو حضارات ما قبل الإسلام، وأصبحت "إسلاميّة" في ما بعد مثل معبد الإله إدد في سوريا، الّذي تحوّل في زمن الغزو الرومانيّ إلى كنيسة، وبعد الفتح الإسلاميّ لدمشق في عام 635 ميلادي. صار جامعاً.

فيما قال المؤرخ الدكتور محمود السيد، قارئ النقوش الكتابية القديمة في المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية، في 30/08/2015 ، للوكالة السورية للأنباء، إنّ المسجد الأمويّ في العاصمة السوريّة دمشق، كان في الأصل معبداً آراميّاً لعبادة إله الخصب والرعد والمطر، قبل أن يصبح كنيسة مسيحيّة. وكذلك مرقد ذي الكفل في جنوبي بابل، وهو معلم يهوديّ مصنّف الآن مسجد تابع للوقف الشيعيّ.

وإنّ الأمر الّذي لم يتغيّر في مقام "مشهد الشمس" منذ آلاف السنين وحتّى الآن وظيفته الدينيّة، رغم تبدّل المعتقدات. ففي حين كان في الزمن البابليّ مكاناً مقدّساً تعبد فيه الشمس، الّتي كانت بمثابة الإله القادر على فعل كلّ شيء، بات اليوم مسجداً إسلاميّاً يؤمّه الناس ويتحدّثون عن "كراماته" في شفاء المرضى وحلّ المشاكل الاجتماعية وتمكين المرأة من الإنجاب، كما يزور المكان، أسر شهداء الحرب على داعش، طلبا للرحمة الإلهية لقتلاها الذي قضوا في المعارك، فيما يرين بعض النسوة في "مشهد الشمس"، الواسطة التي توصل إلى الله، دعاء عودة الأبناء، سالمين، من الحرب.

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

What's included:
Our Expertise AI-driven

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

All premium Industry Newsletters - Monitor the Middle East's most important industries. Prioritize your target industries for weekly review:

  • Capital Markets & Private Equity
  • Venture Capital & Startups
  • Green Energy
  • Supply Chain
  • Sustainable Development
  • Leading Edge Technology
  • Oil & Gas
  • Real Estate & Construction
  • Banking

Already a Member? Sign in

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial