تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"المصالح مقدّمة على المبادئ "... قاعدة سياسيّة يخافها الفلسطينيّون هذه الأيّام

هناك قلق في الشارع الفلسطينيّ من التسريبات الإسرائيليّة التي ذكرت أنّ تركيا تخلّت عن شرطها رفع الحصار عن قطاع غزّة مقابل عودة العلاقات مع إسرائيل والتي جمّدت نهاية أيّار/مايو 2010 بعد الهجوم الإسرائيليّ على سفينة مرمرة التركيّة.
RTR2EMCM.jpg

مدينة غزّة، قطاع غزّة – أثارت التسريبات الإسرائيليّة التي نشرتها عدة وسائل إعلامية بتاريخ 17 كانون الأوّل/ديسمبر 2015 حول تخلّي تركيا عن شرط رفع الحصار الإسرائيليّ المفروض على قطاع غزّة منذ 9 سنوات عام 2006، مقابل عودة العلاقات بين الجانبين والتي تأثّرت في شكل كبير عقب الهجوم الإسرائيليّ على سفينة "مافي مرمرة" في 31 أيّار/مايو 2010 والتي جاءت ضمن "أسطول الحريّة 2" لكسر الحصار المفروض على قطاع غزّة، حفيظة الشارع الفلسطينيّ بين قلق من تلك التسريبات ومشكّك فيها.

وذكرت وسائل إعلام إسرائيليّة عدّة كالقناة العاشرة في 17 كانون الأوّل/ديسمبر 2015 أنّ لقاءات عدّة جرت بين الجانبين في السويد أفضت إلى التوصّل إلى اتّفاق يقضي بتقديم إسرائيل اعتذاراً عن الهجوم على السفينة التركيّة ، والذي أدّى إلى مقتل تسعة أتراك وإصابة عدد آخر، إضافة إلى تقديمها تعويضات لأسر الضحايا الأتراك تقدّر بـ20 مليون دولار وتخلّي تركيا عن شرطها الثالث لعودة العلاقات، والمتمثّل في رفع الحصار الإسرائيليّ عن قطاع غزّة -المشار إليه في الفقرة السابقة-، وهو ما نفته تركيا.

وأكّد أكثر من مسؤول تركيّ في مقدّمتهم رئيس الوزراء التركيّ أحمد داوود أوغلو ونائب رئيس الحكومة التركيّة نعمان كورتولموش أنّ تركيا لن تتخلّى عن شرطها رفع الحصار مقابل عودة العلاقات مع إسرائيل، مشيرين إلى أنّ المباحثات لا تزال مستمرّة بينهم وبين الإسرائيليّين.

وأوضح أوغلو في كلمة أمام أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم في البرلمان التركيّ في 22 كانون الأوّل/ديسمبر 2015 أنّ المحادثات مع إسرائيل تتطوّر في صورة إيجابيّة، لكن لم يتمّ التوصّل إلى نتيجة نهائيّة، وهي التصريحات ذاتها التي ذكرها نائب رئيس الوزراء التركيّ في لقاءات صحافيّة عدّة.

وجدّد رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في 21 كانون الأوّل/ديسمبر الجاري موقف حكومته من أنّه لا تغيير في سياسة فرض الحصار البحريّ على قطاع غزّة، على الرغم من المفاوضات الجارية لإعادة تطبيع العلاقات مع تركيا.

انقسم الشارع الفلسطينيّ، والذي ينظر إلى تركيا على أنّها إحدى أكثر الدول في المنطقة التي تقف إلى جانبه، هو الآخر في مواقفه بين مشكّك في تلك التسريبات الإسرائيليّة ومقتنع بأنّ تركيا في سبيل تحقيق مصالحها، يمكن أن تتخلّى عن شرطها رفع الحصار أو على الأقلّ تخفيفه في ظلّ الأوضاع التي تعيشها وتوتّر العلاقات بينها وبين دول عدّة، آخرها روسيا، عقب اسقاط تركيا طائرة روسية اخترقت أجوائها من الجانب السوري بتاريخ 24 نوفمبر 2015.

أبدى وجدي المنيراوي (21 عاماً)، وهو طالب جامعيّ من مدينة غزّة في حديث إلى "المونيتور" قناعته بأنّ تركيا لا يمكن لها أن تتخلّى عن شرط رفع الحصار الإسرائيليّ عن غزّة مقابل عودة العلاقات، كون القضيّة الفلسطينيّة تشكّل لتركيا أولويّة في علاقاتها الخارجيّة مع الدول.

وأشار إلى أنّهم كفلسطينيّين تعوّدوا على سياسة التسريبات الإسرائيليّة وبثّ الأخبار المفبركة بهدف إحباط الشارع الفلسطينيّ، وخلق جوّ من العداء بينه وبين الأتراك، الذين كانوا وما زالوا في طليعة الداعمين سياسيّاً ومادّيّاً ومعنويّاً للفلسطينيّين.

وقالت الممرّضة تالين يوسف (32 عاماً) من مدينة غزّة في حديث إلى "المونيتور" إنّها لم تتفاجأ من التسريبات الإسرائيليّة حول تخلّي تركيا عن شرط رفع الحصار مقابل عودة العلاقات، وذلك لقناعتها في أنّ مصالح كلّ دول مقدّمة على كلّ شيء.

ورأت أنّ الكثير من الدول في العالم تتّخذ من القضيّة الفلسطينيّة ورقة تحاول من خلالها أن تقول لشعوبها إنّها تناصر المظلومين الفلسطينيّين في وجه إسرائيل، ولكن في حقيقة الأمر، هي تقيم علاقات قويّة مع إسرائيل في صورة سريّة.

وعبّر مدير هيئة الإغاثة الإنسانيّة التركيّة "IHH" التي تعمل في قطاع غزّة محمّد كايا "للمونتيور" رفض مؤسّسته أيّ اتّفاق قد يبرم بين بلده تركيا وإسرائيل من دون أن يتحقّق شرط رفع الحصار عن قطاع غزّة.

وأوضح كايا أنّه يلمس القلق في الشارع الفلسطينيّ من تلك التصريحات التي تشاع حول تخلّي تركيا عن شرط رفع الحصار، مشيراً إلى أنّ إسرائيل تزعم باستمرار أنّها لا تفرض حصاراً على غزّة وأنّها تدخل البضائع وتسمح بالحركة للسكّان، منوّهاً بأنّ تلك الادّعاءات الإسرائيليّة حول تخفيف الحصار لا أساس لها من الصحّة.

ولفت إلى أنّ جهود هيئة الإغاثة التركيّة كان هدفها منذ البداية -2009- وتحديداً منذ تسيير أسطول الحريّة حتّى الهجوم عليه، كسر الحصار الإسرائيليّ على غزّة، منوّهاً بأنّه لا مانع لديهم كأتراك من عودة العلاقات إذا ما رفع الحصار وأعيد بناء قطاع غزّة وأقيم مطار وميناء له.

من جانبه، رأى أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأزهر في غزّة مخيمر أبو سعدة في حديث إلى "المونيتور" أنّ الذي يحكم العلاقات بين الدول هو المصالح وليس المبادئ، موضحاً أنّ تركيا أصبحت معزولة إقليميّاً وعلاقاتها سيّئة مع دول عدّة، كان آخرها روسيا.

وأشار إلى أنّ إسرائيل لا ترى أيّ إشكال في الاعتذار من تركيا ودفع تعويضات جرّاء ما جرى للسفينة "مافي مرمرة"، إلّا أنّها ترفض في شكل تامّ قضيّة رفع الحصار عن غزّة، لأنّها تعتبر رفعه مساساً بالأمن القوميّ الإسرائيليّ، وتضع الذرائع لذلك.

وتوقّع أبو سعدة أن يكون هناك تخفيف للحصار وليس رفعه في شكل كلّيّ، مبيّناً أنّ الشارع الفلسطينيّ لن يهمّه كثيراً تخلّي تركيا عن شرط رفع الحصار كون الشارع الفلسطينيّ يغرق في مشاكل شتّى، اقتصاديّة وسياسيّة وغيرها، وإن بدا عليه نوع من الإحباط من الموقف التركيّ.

أمّا المتخصّص في الشأن التركيّ أنور عطا الله فقال في حديث إلى "المونيتور" إنّ "رئيس الوزراء التركيّ ونائبه أكّدا في تصريحات متعدّدة لهما خلال الأيّام الماضية إنّهما لن يتخلّيا عن مطلب رفع الحصار عن غزّة"، مشدّداً على أنّ تركيا ستأخذ في الاعتبار المطالب الفلسطينيّة، ومستعبداً أن تتنكّر تركيا في شكل كامل لمطلب رفع الحصار كما يروّج الإسرائيليّون.

وتوقّع أن تشهد الأسابيع القليلة المقبلة توقيعاً رسميّاً للاتّفاق الذي تجري حوله المباحثات بين الطرفين هذه الأيّام، مبدياً قناعته بأنّ الشارع الفلسطينيّ سيلحظ تغيّراً جذريّاً في قضيّة الحصار بعد توقيع الاتّفاق.

"لا عداوات دائمة ولا صداقات دائمة"، قاعدة سياسيّة أخرى تدلّل على أنّ العلاقات بين تركيا وإسرائيل في طريقها إلى إعادة التطبيع، لا سيّما في ظلّ الظروف التي تعيشها تركيا وازدياد الأعداء من حولها وحاجتها إلى الغاز الإسرائيليّ، بعد توقّف مشروع الغاز الروسيّ مع تركيا عقب تصاعد الخلافات بين الجانبين في أعقاب اسقاط الطائرة الروسية.

More from Ahmad Abu Amer

Recommended Articles